23‏/12‏/2011

من التعاون الى الاتحاد

من التعاون إلى الاتحاد
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 22/12/2011
بين العام 1945 والعام 2011،زمن طويل يختصر أحلام وأحداث لا تعدى ولا تحصى.لكن ما يميزها تجمعان عربيان،جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي.الأول يختصر أزمات نظام إقليمي عربي يكاد يتهاوى بعد فرقة السياسة وتباين المصالح بين اللاعبين الإقليميين من غير العرب الذين أثروا على مسار أمة ،حلمت دائما بالانتقال من التعاون إلى الوحدة. والثاني تجمع خليجي لا زال صامدا رغم الأعاصير التي هبّت على المنطقة ولا يزال يكافح في وجه تحديات كثيرة.
اليوم كلام آخر، ينطلق من القمة الـ 32 لدول مجلس التعاون الخليجي عبر الدعوة السعودية للانتقال من التعاون إلى الوحدة، وهي دعوة تستشعر مخاطر الأمة العربية وتحدياتها التي تحيط بها من كل حدب وصوب. وهي دعوة ينبغي أن تحث العرب جميعا بنقل هذه الدعوة أيضا إلى جامعة الدول العربية،التي انطلقت أساسا في العام 1945 على قاعدة التعاون لا الوحدة.
مخاطر اليوم تحيط بالعرب جميعا، وتتطلب دعوات ومبادرات من هذا النوع الذي يجمع ولا يفرق،في ظل تحديات ذات طابع قطري وجماعي على السواء.وربما ثمة من يقول، ان مشاريع الوحدة العربية لم تكن يوما غائبة عن برامج تجمعاتها القطرية واتحاداتها الإقليمية، لكنها لم تصل لنهاياتها السعيدة،لكن مستجدات اليوم هي مختلفة عن سابقاتها.
اليوم نظام إقليمي عربي يتهاوى في وجه تحديات يصعب مواجهتها بأطر وسياسات تقليدية.فاعلين إقليميين غير عرب ،باتوا هم من يقرر وينفذ،في وقت نحن العرب لا زلنا نختلف على جنس الملائكة، بل ونعيش خارج هذا الكوكب اذا جاز التعبير.
تهديدات وهواجس أمنية شرقا وشمالا وقلبا،باختصار تبلعنا ضغوط هائلة، من الصعب كبح جماحها منفردين غير متحدين.شرقا ملفات وبرامج نووية،ذات أبعاد إقليمية،وشمالا حيث المنافسة لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وفي قلب أمتنا وأرضنا دولة مغتصبة لرمز ديننا وقوميتنا،فمن أين تبدأ المواجهة؟
تجارب الشعوب والنظم كثيرة التي تحدثت عن نجاحات واعدة وباهرة،من خلالها تمكنت من وضع نفسها بين مصاف الدول المقررة على الصعيد العالمي.ثمة اتحاد أوروبي يحتذى بآليات عمله،كما الكثير من الاتحادات الأخرى،اليوم ربما هذه الآليات والوسائل هي الأكثر معقولية لبناء وحدة عربية لا تبدأ بالضرورة من السياسة ،فماذا لو بالاقتصاد والمال مثلا.وهما ملفان قطعت دول مجلس التعاون أشواطا لافتة فيهما.
لقد تمكن مجلس التعاون الخليجي من انجاز ملفات ذات شأن لافت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية،في فترات قياسية من عمره،وتأتي الدعوة اليوم لتشكل أحد الوسائل الناجعة لمواجهة المخاطر ليست الخليجية لوحدها بل أيضا لمجمل الدول العربية.
دول مجلس التعاون الست مدعوة اليوم،لاتخاذ مواقف وقرارات ذات بُعد استراتيجي،فثقلها السياسي والاقتصادي يسمحان لها للعب أدوار مؤثرة في حياة المنطقة ومستقبلها.فربما التعاون كان مفيدا في السابق،لكنه لم يعد كافيا اليوم،فالوحدة تبدو سبيلا للقوة،والقوة تبدو وسيلة لإعادة إنتاج موقع يلبي الطموحات.
ربما كانت للملفات التقليدية صورة بارزة في اجتماعات القمم الـ 31 الماضية، لكن أسئلة اليوم تبدو من نوع التحدي.البرنامج النووي الإيراني في حالة تصعيد وتأزيم مستمرين،وثورات شعبية في غير مكان من الدول العربية،وإسرائيل القابضة على الزناد تنتظر الفرصة للانقضاض،وتركيا التي تراهن على تغيرات دراماتيكية سريعة لدى الشعوب، تنتظر لتكسب ثمن مواقفها.
في العام 1945 نأى الزعماء العرب المؤسسون لجامعة الدول العربية أنفسهم،عن ضغوط الوحدة العربية آنذاك والتي كانت تمثل حلما في الذاكرة الجماعية للمجتمعات العربية، والقمة الخليجية تطرح اليوم ضرورة الانتقال من التعاون إلى الوحدة، وكأنها تعيد تصويب المسارات، بعد التيه العربي الكبير.
ان فكرة التكتلات والاتحادات قد أثبتت جدواها وغاياتها حتى بين الدول والمجتمعات غير المتقاربة قوميا، فكيف والعرب يملكون من المقومات والأسباب التي ينبغي ان تجبرهم على تلقف الدعوة والبناء عليها،في ظروف هي الأخطر التي نمر بها بين شعوب المعمورة كافة! المطلوب اليوم احتضان هذه الدعوة وتعميمها على كل التجمعات الفرعية العربية، باعتبارها شأنا عربيا خالصا، وقضية محورية صعب التملص منها.ثمة من يقول،خير ان تأتي متأخرة من ان لا تأتي أبدا.