02‏/01‏/2013

هل السنة الثالثة ثابتة ؟


هل السنة الثالثة ثابتة ؟
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 1/1/2013





       ثمة الكثير من الأسئلة التي تطرح بعد عامين ونيف على انطلاق الحراك في غير بلد عربي، صحيح ان عمر الثورات ان وجدت ، تستلزم المزيد من الوقت لهضم الوقائع الجديدة وإخراجها بصيغ أخرى ، لكن ما حدث ويحدث حاليا يزيد اللبس والخوف على مصير مجتمعات أملت وتأملت كثيرا بمستقبل ربما لن يأتي بنظرها،والخوف يكبر ويزداد من أن تصل الامور إلى مرحلة تتحسر فيها على الماضي بدلا من آمال المستقبل.

       ونقد الواقع هنا ، لا يعني بالضرورة الغاء أو التقليل من شأن ما تحقق، بقدر ما هو لفت النظر إلى ما هو اخطر اذ استمرت السياقات على ما هي عليه الآن. صحيح ان بعض الأنظمة تلاشت وسقطت بفعل آليات الاستبداد التي حكمت بها طوال عقود ، لكن الأخطر عمليا ، هو القدرة على اعادة انتاج آليات الاستبداد  من جديد وصياغة شرعيات موهومة تؤسس إلى مزيد من الانقسامات العامودية في غير مجتمع عربي.
       ثمة نماذج واضحة المآلات افرزت آليات ونظم حكم،تم فيها اختزال قوى سياسية واجتماعية أسهمت بشكل قوي في عمليات التغيير، حيث تم عزلها وتصويرها على انها هامشية لا صوت فعلي لها،بينما في الواقع شكلت القوة الرافعة لعمليات التغيير الحاصل ،فيما لا زالت ترزح تحت سطوة خبرتها وعرفتها طوال عقود خلت.
      لقد تمكنت الحركات الاسلامية من الوصول إلى السلطة ، في كل من تونس وليبيا ومصر، والحركات نفسها تحاول في بلدان أخرى للهدف ذاته، والمشترك فيما بينها انها لم تتمكن من هضم السلطة واستيعابها بالشكل والكيف الذي نظرت اليه مجتمعاتها، بل ربما شكلت صورة السلطة المطابقة ، لما كان تُعامل فيه ابان الأنظمة السابقة.
       هنا تطرح جملة أسئلة أخرى ، اهمها ذات صلة بالقدرة على استلام دفة الحكم والاستمرار فيه بقدر معقول من المشاكل. لكن النظر الى الوقائع تثبت عكس ذلك، ثمة غليان وعدم رضا لدى فئات واسعة من المجتمع التونسي،بل ان الوضع الاقتصادي زاد سوءا أضعاف المرات عن السابق، وينذر بانفجار كبير تصعب السيطرة عليه بتكاليف معقولة. الأمر عينه يتطابق مع الوضع المصري،حيث الانقسام المجتمعي وصل إلى حافة اللجوء للوسائل العنفية لحل الأزمات الوطنية،في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد من مخاطر جدية. الأمر عينه ينطبق على الحالة الليبية وان بصور أخرى،تبدو أشد قتامة وقساوة،حيث الانقسامات اخذت أشكالا صدامية وتنذر بمزيد من التفتيت والتشتيت الاجتماعي والسياسي على مستوى الدولة والكيان.
        نماذج اخرى لا تقل خطورة عن النماذج السابقة، كالحالة اليمنية والسورية ،اللتان تجتمعان على عسكرة الحراك دون التوصل لنتائج حاسمة في كلا النظامين ، بل مزيد من الاستنزاف الداخلي الذي اوقع عشرات الآلاف من الضحايا وعشرات المليارات من الخسائر المادية.وتقابله حراكات خجولة  هنا أو هناك تحت عناوين ومسميات مختلفة ومتنوعة لكنها تنذر أيضا بفتح الباب امام مزيد من التشظي الداخلي العربي.
      ثمة افكار بدأت تطرح بصوت عال،أبرزها مدى أهلية وشرعية مزج الواقع الديني بالسياسي والاجتماعي ، ومدى جدوى وفائدة عسكرة المعارضات،علاوة على قدرة من وصل إلى الحكم في ادارة دفة النزاعات الداخلية والتحكم في آلياتها المتعارف عليها قانونيا ودستوريا.
        لقد أصاب مجتمعاتنا العربية الكثير من الكبت السياسي في العقود الماضية، وحاليا تمر بأزمات انفصام سياسي مرده عدم القدرة في التمييز  بين ما هو فكري - عقائدي وثوري – تغييري، كما هي حائرة  بين شعارات مشت ورائها ووقائع تحاول احتواء حراكها، كل ذلك مترافق مع عدم القدرة على تغيير قواعد اللعبة السياسية دون انقسامات حادة تلامس الاقتتال المجتمعي.
        في علم الاجتماع السياسي لا  تتطلب الثورات مزيدا من الأزمان فمن طبائعها السرعة في قلب الموازين، فيما الحراك الاجتماعي يتطلب التطبع مع آمال وتطلعات الثورات الذي يستوجب المزيد من الوقت، لكن فترات السماح لا تطول عادة قبل فلتان الامور من عقالها، فهل سيكون العام 2013 عام التغيرات المتسارعة؟
        ان اعقد وأصعب التكهنات في الازمات السياسية الاجتماعية ان تترافق مع تداخلات وتدخلات خارجية، وأزماتنا العربية السابقة واللاحقة وطبعا الحالية هي من هذا النوع من الأزمات ، التي يتداخل فيها الوطني بالقومي، والديني بالسياسي، والمحلي بالإقليمي والدولي، لكن على قاعدة تفاءلوا بالخير تجدوه، نأمل ان تكون السنة الثالثة ثابتة!