07‏/06‏/2015

اوروبا والمكافحة اللامنية للهجرة

اوروبا والمكافحة اللامنية للهجرة صحيفة الخليج الاماراتية 28-4-2015 د . خليل حسين تظل الهجرة ظاهرة تاريخية أسهمت في إعمار الكثير من الدول، ولعبت دوراً بارزاً في دمج مجموعات بشرية متنوعة الثقافات، ولا يعيب في هذه الظاهرة، بأنها ذات اتجاه واحد، بالنظر للأوضاع المتردية في مناطق كثيرة من الدول النامية وبخاصة الإفريقية، ما جعل المهاجرين غير الشرعيين يخاطرون بحياتهم، على أمل تحقيق مستوى معيشي أفضل . لكن حفلات الموت المجاني خلال الأسبوع الماضي، أثارت الدول الأوروبية في محاولة لإيجاد حل لمشكلة مزمنة لم تستطع كبح جماحها . خاصة بعدما تفاقمت في العقد الأخير من القرن العشرين . بل أصبحت هاجساً أمنياً في أغلب الدول الأوروبية، بالنظر للعلاقة المحتملة بين الإرهاب والمهاجرين . وبذلك اتجهت المجموعة الأوروبية إلى انتهاج حلول أمنية لهذه المعضلة وبخاصة في اجتماعها الأخير في بروكسل، ومن هنا، يثور التساؤل حول ما إذا كانت المقاربة الأمنية التي انتهجها الاتحاد تعتبر الحل الأنجع لهذه المشكلة أم لا؟ . إن مجمل المشروعات الأوروبية التي وضعت لمكافحة الهجرة غير الشرعية، قامت على الجوانب الأمنية غير العملية، باعتبارها أهملت الأسباب والظروف المحيطة بالهجرة غير الشرعية . إضافة إلى أن هذا النوع من الحلول مكلف جداً، فثمة اتفاقات ثنائية عقدت بين دول مثل إيطاليا وليبيا، وأخرى بين الاتحاد الأوروبي وكل من مصر والمغرب والجزائر، دفع الاتحاد بموجبها الملايين لتنفيذ مشروعات مثل: رفع قدرات الحراسة على الحدود، والدعم اللوجستي المتمثل في طائرات المراقبة، وبناء معسكرات الاحتجاز . وبذلك أنفق الاتحاد أموالاً هائلة ولكن في المكان الخطأ . فمن الأنسب التركيز على دعم المشروعات التنموية، عبر مؤسسات المجتمع المدني، خاصة في القرى والأرياف . أما الحل الأمني، فقد أثبت أنه لا يؤدي إلى نتائج فعالة . ولعل "الورقة الخضراء" التي تبناها المجلس الأوروبي في 11 فبراير/ شباط ،2005 تظهر أوجه الخلل في المعالجة الأوروبية، فلم تتحدث مثلاً إلا عن العمالة الشرعية المهاجرة، التي يحتاج إليها السوق الأوروبي، من دون الحديث عن أسباب ودوافع الهجرة من دول الجنوب إلى أوروبا . كما أن الإجراءات الأمنية المتشددة فشلت في تحقيق الهدف منها، فلم تؤد إلا إلى تغيير طرق الهجرة غير الشرعية وليس وقفها . فعلى سبيل المثال، بعد تشديد المراقبة على مضيق جبل طارق، اتبع المهاجرون طرقاً بحرية أخرى، شرق جنوبي إسبانيا . وحالياً الإبحار من ليبيا إلى إيطاليا وغيرها . ونظراً لصعوبة الطرق وسوء حالة المراكب، يتعرض الكثير منهم إلى الغرق في البحر، ما أدى عملياً إلى ظهور عصابات محترفة تسهل نقل المهاجرين بتكلفة خيالية، بل في بعضها تقوم هذه الشبكات بإغراق المراكب بمن فيها للتخلص من مشاكلهم المحتملة لاحقاً . وبالتالي، حققت الإجراءات المتشددة للاتحاد نتائج معاكسة . في حين ظلت الأسباب الرئيسية، مثل الفوارق الهائلة في الوضع الاقتصادي بين الدول الأوروبية وأوطان المهاجرين دون معالجة . علماً بأن معالجة قضايا الهجرة غير الشرعية، لا يمكن أن تكون معالجة أمنية تلاحق المتسللين وتعتقلهم، بل ينبغي أن تنطلق من حوار شامل ومقاربة إنسانية، تسمح بحرية تنقل الأشخاص، لكي لا تبقى الشراكة الأورو - متوسطية ضمن إطار التبادل السلعي والتجاري . كما أن هذه الإجراءات الأمنية، تتعارض مع المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان . فالدول الأوروبية التي تنادي باحترام حقوق الإنسان وضرورة تكريسها قانونياً وواقعياً، هي نفسها التي كبلت حق التنقل الذي نادت به المواثيق والعهود الدولية . فالمادة الثالثة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص على: "حق أي شخص في اختيار مكان إقامته وحرية التنقل داخل أي بلد يشاء" . كما تؤكد أن "لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد والعودة إلى بلده الأساسي" . كما أن الدول الأوروبية هي التي انتهكت الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، المتواجدين في أراضيها، وهي التي جعلت منهم مواطنين من الدرجة الثانية، عبر امتهان الكرامة والتمييز العنصري . كما أن اغلب دول الاتحاد الأوروبي لم تصدق على اتفاقية الأمم المتحدة لحماية جميع حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم لعام ،1990 التي دخلت حيز النفاذ عام 2003 . في المقابل لا يمكن إعفاء الدول الإفريقية التي ينطلق منها المهاجرون، فيجب أن تتحمل المسؤولية الأساسية عن مأساة المهاجرين، فإخفاقها في أنماط التنمية المنتهجة، وعجزها عن تحديث المجتمع وتأمين الحياة الكريمة لأبنائها، علاوة على فلتان الوضع الأمني فيها، تعتبر من الأسباب الرئيسية للهجرة ولو بأي ثمن، وبالتالي مواجهة مخاطر الموت غرقاً، رغم أنها لا تتحمل وحدها المسؤولية عن ذلك . كما أن قيام الاتحاد الأوروبي بتبني سياسات أمنية، بالنظر إلى مصالحه، وإغلاق الحدود لا يمثلان الحل . فالحل يكمن في دراسة أسباب الهجرة غير الشرعية في الدول المصدرة لها، ووضع سياسات تأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع الشباب إلى التضحية بأرواحهم، في سبيل إيجاد فرص عمل، لذلك، ينبغي اللجوء إلى مقاربة مغايرة أكثر شمولية، عبر المشاركة في تنمية المناطق المصدرة للهجرة غير الشرعية، وإيجاد فرص عمل فيها، فثمة قناعة واضحة لدى الجانبين، وبخاصة دول جنوب البحر المتوسط، مفادها أنها لا يمكن أن تكون ناجعة، إلا عبر إعادة دراسة ظاهرة الهجرة برمتها . وبالتوازي مع استراتيجية بعيدة المدى، التي تتطلب بالضرورة إصلاحات عميقة في الدول الرافدة، وبعبارة أخرى، إن الوصول إلى هذا الهدف يستلزم وسائل وآليات تنفيذية لتنمية مستدامة قائمة على مشاريع ملموسة . كإعلان برشلونة الذي شكل مقاربة شمولية، تحتاج إلى إرادة الدول الأوروبية - المتوسطية لإنجاحها . في المحصلة، لا يسعنا إلا القول، إما أن تهاجر الثروات حيث يوجد البشر، وإما أن يهاجر البشر حيث توجد الثروات، وفي كلتا الحالتين، ثمة معوقات من الصعب حلها . وهو قدر الفقراء كما الأغنياء - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/d798c349-a1f1-4db2-b86a-be01fed9f10c#sthash.muAGW5xr.dpuf