16‏/01‏/2019


المضمر والمعلن في اتفاقية بحر قزوين

د.خليل حسين

أستاذ القانون الدولي والدبلوماسي في الجامعة اللبنانية

 

           لطالما ظل بحر قزوين مجالا للشد والجذب والتوتر بين الدول الخمس المطلة على شواطئه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991،ولم توفق تلك الدول في التوصل إلى اتفاق محدد لتقاسم موارده الهائلة، إلا الأسبوع الفائت بعد عشرين سنة من المفاوضات الشاقة، فأتى الاتفاق ليحدد إطارا عاما ناظما لطبيعة تقاسم الاستثمارات ، دونه مشاكل مؤجلة للعديد من الأسباب ، يأتي في طليعتها عدم التوصل إلى آليات تنفيذية تركت لاتفاقات ثنائية بين الأطراف الخمسة ، والمرتبطة أساسا على قاعدة من الخلافات القانونية الناظمة لتحديد طبيعته القانونية ، اهو بحرا مغلقا أم بحيرة أو غير ذلك، وبالتالي لكل حالة لها طبيعة قانونية ناظمة لعلاقات الدول المتشاطئة.

      وقد حددت الاتفاقية بين كل من روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان وضع بحر قزوين القانوني ؛ ما يعني أن تصنيف بحر قزوين كبحيرة تقسيمه بالتساوي بين الدول الخمس المحيطة به وهذا ما تطالب به إيران رغم انها تعتبر اقل الدول المطلة على البحر تشاطئا، لكن تصنيفه كبحر يعني تقسيمه بحسب قانون البحار للأمم المتحدة 1982 لجهة كيفية إدارة الموارد الطبيعية، والحقوق الإقليمية، وبالتالي الخضوع للقوانين ذات الصلة بالبحر الإقليمي والمياه الاقتصادية الخالصة والجرف القاري وقيعان البحار وأعاليه. كما وضعت الاتفاقية بين الدول الخمس وضعا قانونيا خاصا لبحر قزوين ، صنف المياه السطحية كمساحة متاحة لكافة الدول الخمس المتشاطئة، كما منحت حرية الشحن بين جميع الدول الساحلية خارج المياه الإقليمية.إلا أن  الملفت في الأمر أن قاع البحر الغني بالموارد الطبيعية، سيتم تقسيمه بحسب اتفاقيات ثنائية وهي مؤجلة بطبيعة الأمر وستخضع لعمليات مساومة لاحقا ، لما يختزن من موارد نفط وغاز، إذ تشير احدث الاكتشافات إلى وجود حوالي خمسين مليار برميل من النفط، وحوالي 300 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وقد تسبب النزاع القانوني حول بحر قزوين من منع إنشاء خط أنابيب الغاز الطبيعي بين تركمانستان وأذربيجان الذي كان من شأنه السماح للغاز التركماني بتجاوز روسيا في طريقه إلى أوروبا، إذ اعترضت روسيا المصدر الرئيسي للغاز والنفط إلى أوروبا على ذلك سابقا.

       وإذا كانت الوجهة الاقتصادية لاستغلال الموارد ظاهرة للعيان في الاتفاقية المنعقدة بين الدول الخمس ،إلا أن المخفي منها تلميحا في تصريحات البعض من قادتها وفي طليعتهم إيران وروسيا اعتبار بحر قزوين حكرا على الدول المتشاطئة والإعلان صراحة إلى عدم السماح لدول إقليمية باستخدام مياهه لأنشطة عسكرية أو إنشاء قواعد مماثلة فيه، وهذا ما شددت عليه كل من طهران وموسكو خوفا من أي امتدادات غربية إلى الدول الثلاثة الأخرى واستغلال شواطئها لهذه الاستعمالات.

       فصحيح أن الوجهة الاقتصادية والاستثمارات الطاقوية تبدو ظاهرة في النصوص، إلا أن ما أصرت عليه كل من إيران وروسيا هو عدم السماح للدول الثلاث الأخرى بأن تعقد  اتفاقات مع دول أخرى ذات طابع عسكري استراتيجي متصلة باستعمالات البحر، وهو أمر حرصت عليه هاتين الدولتين في تاريخ علاقاتها مع باقي الدول ،بالنظر للوضع الاستراتيجي الدقيق للبحر تجاه الدول مجتمعة.

       وفي أي حال من الأحوال، تعتبر هذه الاتفاقية التي وصفت بالتاريخية بداية ترسيم لطبيعة العلاقات البينية بين الدول الخمس والتي ستمتد إلى آفاق إقليمية أخرى مستقبلا، لكن مجموعة من العقبات تنتظر الآليات التنفيذية وبخاصة الاتفاقيات الثنائية الشارعة للدول الأخرى، التي ستتسبب بعرقلة سير المفاوضات وبالتالي التوصل إلى حلول نهائية، وبخاصة أن الدول الأخرى المتضررة وفي طليعتها الولايات المتحدة مثلا لن تألو جهدا للتدخل للحد من فعالية الاتفاقات إن لم يكن إفشالها، والتي ستشكل تحديا لمسار علاقات هذه الدول فيما بينها، والتي لم تكن سوية لا قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وبخاصة علاقته مع إيران، ولا بعد الانهيار الذي تسبب بحفلة خلافات بينية بين الدول الخمس المتشاطئة.