14‏/03‏/2015

مصر بعد العراق وسوريا

مصر بعد العراق وسوريا - خليل حسين - نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 27-2-2015 في مقاربة بسيطة ، وبالعودة إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، فاز الإسلاميون في الجزائر، وكان ثمن إلغاء الانتخابات، ضرب الجيش الجزائري، الجيش الذي ورث أيقونة المليون شهيد للوصول إلى الاستقلال، وراكم إيديولوجيته السياسية بمساهماته الفعالة في سياق الحروب العربية "الإسرائيلية"، الأمر عينه ينطبق على الجيش العراقي، ذلك بصرف النظر عن طبيعة النظامين السياسي في كل من العراق والجزائر . وبذلك تم القضاء عملياً على جيشين شك لا خط الدفاع الثاني في مسار الصراع العربي "الإسرائيلي"، بصرف النظر عن أشكال وطرق ضرب هذين الجيشين . منذ العام ،2010 يُستنزف الجيش السوري في متاهات حرب داخلية بأبعاد إقليمية ودولية واضحة، إلا أن الهدف يبدو جلياً، هو إنهاء دوره المركزي في الصراع العربي - "الإسرائيلي"، بصرف النظر عن حجم هذا الدور بعد حرب العام ،1973 وفترة السكون العسكري على جبهة الجولان . اليوم العيون شاخصة على الجيش المصري، كأن قدره آت بعد الجيشين العراقي والسوري، فلسلسة الضربات الأمنية والعسكرية التي وجهت له في سيناء في السنوات الماضية، يشي بسياق سبق وإن جُرب في غير جيش عربي، حيث تم تهميشها وإضعافها وتحويلها إلى قوى أمنية داخلية، أُدخلت في أتون الاقتتال الداخلي وأُلهيت بصراعات ونزاعات ثانوية ليست من اختصاصها في الأساس . وعلى الرغم أيضاً من إخراج الجيش المصري من موقعه الطبيعي بمواجهة "إسرائيل" بعد معاهدات كامب ديفيد ومندرجاتها، لم يطمئن هذا الوضع "إسرائيل" تحديداً، فعمدت في مناسبات عدة للتأثير في تغيير وتحويل بوصلته، لكن عقيدته السياسية المغروزة في عقله الباطني ظلت القوة التي يحسب لها حساب في أي صدام محتمل مع "إسرائيل"، وهو شعور جماهيري عام بموازاة العقيدة العسكرية للجيش ، أقلها غير المعلنة رسمياً . إن السهام الموجهة اليوم للجيش المصري، ليست من صور نمطية عبثية، إنما تستند إلى جملة معطيات وثوابت من الصعب أن يتم تجاهلها، لا من "إسرائيل" ولا من غيرها في المنطقة . لما للدور الريادي الذي يضطلع به الجيش المصري داخلياً وخارجياً . ففي الداخل يعتبر صمام أمان اقتصادي إلى حد كبير، لما له من يد طولى في المؤسسات الصناعية الثقيلة، علاوة على مساهمتها في ثلث موازنة الدولة، معطوفاً على شبكة العلاقات التجارية والاقتصادية الخارجية التي أنشأها وراكم خبراتها لتصبح سنداً فاعلاً في أدائه السياسي الداخلي كما الخارجي . إضافة إلى ذلك، تعتبر المؤسسة العسكرية المصرية من صانعي السياسات الخارجية المصرية وصاحبة الكلمة الفصل فيها، ما يؤهلها لأن تكون الذراع الأقوى في أذرع النظام في كل الحقب السياسية التي توالت على الحكم في أرض الكنانة . وقد سبق هذه الاستهدافات المباشرة وغير المباشرة للجيوش العربية الأخرى، وأدت إلى السياقات والنتائج نفسها كما حصل للبنية العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها بعد العام ،1982 إضافة إلى الجيش اللبناني الذي ادخل في متاهات النزاعات الداخلية، كما المحاولة مؤخراً للجيش الأردني . وفي قراءة دقيقة للوقائع السالفة، تثبت أن ثمة استهدافاً واضحاً لكل القوى العسكرية لدول الطوق وللدول العربية المساندة لها، بصرف النظر عن ثقل وفعالية هذه القوى في الصراع مع "إسرائيل" . إلا أن الأمر الأخطر في كل ذلك، التصويب على الجيش المصري من بوابة محاربة الإرهاب الداعشي في ليبيا، وهي خصوصية قاتلة للعلاقات المصرية - الليبية التي فيها الكثير مما يقال، وذلك لا يعني بالضرورة أن على الجيش المصري أن يحيّد نفسه في مواجهة الإرهاب، إلا أن الطرق والوسائل التي يُجر إليها، تنذر بعواقب قاسية على وضعه في تركيبة النظام العام . لقد قضى ما سميَّ يوما بالربيع العربي على معظم الأنظمة، بعضها تلاشى وبعضها الآخر ينتظر، ونتيجة لذلك تمزقت المجتمعات العربية وأدخلت في أتون نزاعات وصراعات طاحنة، واليوم يأتي الدور على الجيوش التي تمكّنت ولفترات من مكابدة ما جُرت إليه ومن بينها أن تكون طرفاً في النزاعات الداخلية داخل أنظمتها، وربما اليوم نشهد الفصول الأخيرة من تمزيق الجيوش التي كانت في يوم من الأيام صمام أمان لمجتمعاتها، بصرف النظر عن أدوارها في حماية أنظمتها في الداخل، وبعضها لمحاربة "إسرائيل" في الخارج . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a83f3711-c233-49bf-92d4-6a505192a36b#sthash.g8ka64zw.dpuf

حصوصية الارهاب الداعشي في مصر

حصوصية الارهاب الداعشي في مصر- خليل حسين - نشرت في صحيفة الخليج الامارتية بتاريخ 23-2-2015 ليست مصادفة أن يتابع تنظيم داعش مسلسلاته الإجرامية مباشرة بعد بث شريط حرق الطيار الأردني، ولم يكن اختيار الساحة المصرية من البوابة القبطية مصادفة أيضاً، فهي صورة نمطية أراد حفرها في الذاكرة الجمعية لمن يواجهه، وهذه المرة بأشكال أكثر إيلاما وقسوة في ارتداداتها وتداعياتها ورد فعلها المحتملة . لقد استفاد تنظيم داعش إلى أقصى الحدود من عملية حرق الطيار الأردني، إذ جرَّ هذه الأخيرة إلى مواجهات مباشرة معه، بعد سلسة من محاولات النأي، وتكرر ذلك مع الذبح الجماعي للأقباط، العملية التي لها دلالات فارقة من الصعب تقدير أحجامها النهائية منذ الآن . فعملية الذبح الجماعي المصورة، هي سابقة لجهة العدد، الذي أريد من ترويجه تهييج الشارع المصري وتأليبه وبخاصة الأقباط منه، وخلق حالة من الغليان المجتمعي في مصر، لا سيما أن بيئة الصدام تراكمت منذ سنوات مؤخرا، رغم حالات الاحتواء التي أسهمت في تبريد الأجواء بعد الحراك الداخلي، بمختلف خلفياته ونتائجه السياسية التي تسلمت الحكم منذ عزل الرئيس حسني مبارك وطاقمه السياسي . والصور التي بثت لترويج آثار الجريمة، تختلف عن سابقاتها من الصور، ومفارقاتها التي لا تعد غريبة بالضرورة قياساً على عمليات الترويج السابقة، أنها حاولت إيصال صور البحر الذي طغى عليه لون الدم، وهي رسالة إجرامية لمكنونات الإيديولوجية الداعشية ووسائلها القائمة على فن الصدمة والترويع، وهي وسيلة استعملت في غزو الولايات المتحدة للعراق في عام ،2003 والتي هدفت القضاء على الخصم بأقل الخسائر الممكنة إن لم تكن معدومة . وهي بذلك رسالة مزدوجة للداخل المصري، وللضفة الشمالية للبحر المتوسط بشقه الأوروبي الذي لا يبعد سوى مئات الكيلومترات عن مسرح الحدث . والمسألة هنا لا تقتصر على عدد المذبوحين فقط، إنما تم انتقاء الضحايا لجهة دينهم وليس لأي سبب آخر، بهدف استغلال هذا العامل المؤثر في سياق الاستثمار الإجرامي لاحقاً، وعلى الرغم من أنها ليست الحالة الأولى التي يتم ذبح مسيحيين، إذ جرت عمليات منفردة عدة لضحايا غربيين، كانت تمرر صفتهم الدينية إلى جانب انتمائهم لدولة بعينها . لكن هذه المرة كان التصويب مباشرة على الصفة الدينية ليس إلا . والمسألة الأكثر احترافية كانت في انتقاء المكان الجغرافي، الذي يمثل حساسية مفرطة لمصر ولليبيا نفسها أيضاً، وبخاصة ما يرتاب هذه العلاقة من شوائب مردها خلفيات وأسباب مختلفة راكمتها ظروف كثيرة في السابق، يصعب بلعها وهضمها في أي سياق رد فعل مصري على الجريمة، وما يقابله من رد فعل ليبي أيضا، وهو ما بدأت صوره تظهر بشكل متسارع حيال كيفية التدخل لمواجهة داعش في شمال إفريقيا وفي الساحة الليبية تحديداً، فهل يستوجب رداً منفرداً من قبل مصر، أم يتطلب الأمر تحالفاً دولياً على غرار ما تمَ إنشاؤه في القرار ،2170 وهو أمر يبدو خلافياً في مجلس الأمن حتى الآن . من الواضح، أن تنظيم داعش يعرف تماماً سياسة الجر والتوريط والاستثمار، فهو لعبها باحترافية في الساحة الأردنية، واليوم يستنسخها باحترافية أكبر وأضخم في الساحة المصرية، وبهذا تمكن من وضع نفسه تنظيماً إرهابياً بمواجهة دول وازنة في المنطقة، بعد سلسلة انتكاسات تعرّض لها مؤخراً، علاوة على قدرته على تكوين بيئات قوية لاقتتال دول ومجتمعات بعضها ببعض، ويبدو أن جريمته الأخيرة ستجر شمال إفريقيا وبخاصة العربية إلى ساحات لعمليات إرهابية من الصعب أن يُغض النظر عنها في الدول والمجتمعات المستهدفة، الأمر الذي ستكون له ارتدادات اجتماعية وسياسية لا يستهان بآثارها مستقبلاً . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/951bda33-35f5-49d5-813c-61e9915ad6fe#sthash.N6vYh1iv.dpuf

القطبة المخفية في القرار 2199

القطبة المخفية في القرار 2199 د.خليل جسين نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 17-2-2015 في المبدأ، وإن يكن مجلس الأمن قد تحرك أخيراً لضرب الإرهابيين كتنظيم "داعش" و"جبهة النصرة"، من البوابة المالية والاقتصادية عبر عناوين تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، فإن قراره المتخذ بإجماع أعضاء مجلس الأمن الدائمين وغير الدائمين، لا يعدو تحركاً استنسابياً من الناحية العملية، وغير كافٍ لتحقيق أغراضه، رغم صدوره وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة . فالفصل السابع الذي يتضمن 12 مادة، توضح كيفية التصرف مع حالات تهديد الأمن والسلم الدوليين، تدرّجت في سبل استعمال وسائل المواجهة، فبدأت بالمادة (41) التي تنص على: "لمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، وله أن يطلب إلى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية، وغيرها من وسائل المواصلات وقفاً جزئياً أو كلياً وقطع العلاقات الدبلوماسية" . وانتقل بعدها إلى المادة (42) التي تنص على: "إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة (41) لا تفي بالغرض، أو ثبت أنها لم تف به، جاز له أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه . ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات والحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة" . ووفقاً لنص القرار 2199 الذي أشار إلى عدم إمكانية استعمال القوة العسكرية لتنفيذ مقاصد القرار، وبالتالي، يخضع تنفيذ القرار إلى المادة (41)، أي تطبيق الإجراءات الواردة ضد الدول والجماعات التي تتعاطي بطرق مباشرة أو غير مباشرة مع الجماعات الإرهابية بوسائل الحصار وصولاً إلى قطع العلاقات الدبلوماسية . وعلى الرغم من أن مجلس الأمن هو سيد نفسه لجهة اعتبار أي مشروع قرار سيصدره هو عمل إجرائي لا يستلزم بالضرورة موافقة الدول الخمس الدائمة العضوية، أو اعتباره موضوعياً، وبالتالي يستلزم موافقة الدول الخمس صاحبة حق النقض . وفي ذلك تصرف مجلس الأمن بإصداره القرار ضمن الفصل السابع ووفقاً للمادة (41) إضافة إلى اعتباره أمراً موضوعياً . ما يعني أن مقاصد القرار تستهدف حماية الأمن والسلم الدوليين من الإرهاب "الداعشي"، الأمر الذي ذكره صراحة في النص . إن المشكلة هنا في كيفية تعاطي مجلس الأمن مع قراراته تحديداً، فهو كان قد اتخذ العديد من القرارات ذات الصلة بالأعمال الإرهابية وكيفية تجفيف منابع التمويل، وجلها خضعت للمادة (42)، أي استعمال القوة العسكرية لتطبيقها مع المتخلفين عن تنفيذها . والمفارقة في هذه الحالة تحديداً، هي المقاربة القانونية لطبيعة القرار 2170 الذي شكل قوة عسكرية دولية لمواجهة إرهاب تنظيم "داعش" وأخواته، فيما القرار 2199 لم يصل إلى إمكانية استعمال القوة العسكرية لتنفيذه، الأمر الذي يفسر تراخياً ويصنف بعدم اتساقه بالتدرج المفترض للشدة في معرض التنفيذ، وهو أمر يتعارض ويتناقض عملياً وفعلياً مع الأعراف المفترض اتباعها في معرض تكوين البيئة القانونية لأي عمل يفترض مواجهته، وهو أمر غير متوفر في سياق القرار 2199 . ومن المسلم به عملياً، أن إحدى الوسائل الناجحة للقضاء على الإرهاب هي تجفيف منابع تمويله، وهو أمر يستلزم مزيداً من الشدة في التعامل وليس الإيحاء بالتراجع عن القوة العسكرية إلى الحصار الاقتصادي وقطع العلاقات الدبلوماسية، سيما وأن الأطراف المستفيدة من التعامل الاقتصادي وتبادل المنافع هي معروفة، ولا تتطلب جهداً لمعرفتها وتوقيع الجزاءات عليها . ثمة ثابتة محققة في تاريخ التعامل مع الجماعات الإرهابية، وهي وجوب مواجهتها بقسوة وبقوة وعدم التساهل والمواربة في طرق مكافحتها، فالسلوك الإجرامي لهذه الجماعات يزداد عنفاً وقسوة، كلما رأت ضحاياها أقل قوة ومنعة في مواجهة أعمالها، وعليه فإن استعمال التدرج رجوعاً في المواجهة أمر لن يصيب إلا الضحايا، وبالتأكيد لن يصيب الجماعات الإرهابية أو من يسهل أعمالها، وهو أمر ظاهر إلى حد كبير في القرار ،2199 والسوابق التي تم فيها التعامل مع حالات مماثلة هي كثيرة، ولا تحتاج إلى عناء كبير للبحث والتدليل عليها .

11‏/02‏/2015

“داعش” يُدخل الأردن دائرة استهدافاته

“داعش” يُدخل الأردن دائرة استهدافاته د.خليل حسين الخليج الاماراتية بتاريخ 7-2-2010 لا يختلف اثنان على حساسية الواقع السياسي والاجتماعي الأردني حتى في الظروف الطبيعية للمنطقة، فهو مركز شد وجذب شديدين لفواعل إقليمية ودولية بحكم موقعه الجيو سياسي، الواقع على خط التصدعات الإقليمية الكبرى . وفي الواقع أيضا تمكنت السياسات الأردنية من النأي بالأردن إلى حد كبير، عما جرى في المنطقة، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية، حيث عجّت الساحات العربية بحراك التغيير، ذلك بفضل مواقف متوازنة راعت حساسية الإسلاميين في الواقع المجتمعي الأردني . لكن ذلك، لم ينفع بإبعاد خطر التطرف الذي تمدد نحوه، وسعى جاهداً لاختراق الساحة الأردنية من بوابات مختلفة، وهو في الواقع كان هدفاً دائماً للجماعات الإرهابية المتطرفة في السنوات الماضية، وموقعاً مفترضاً للتفجير السياسي والأمني في العقل الجمعي للتنظيمات المتطرفة ومنها القاعدة وأخواتها، خاصة تنظيم "داعش" . ويبدو جلياً، أن ظروف إعدام الطيار الأردني، معاذ الكساسبة ووقائعه، بهذه الوحشية غير المسبوقة في تاريخ البشرية، هي رسالة واضحة لنيات التنظيم في إدخال الأردن دائرة أعماله الإرهابية، بعد ظهور العديد من المعطيات والوقائع التي لم تكن لمصلحة التنظيم الإرهابي والتي يريد التعويض عنها . فبعد التمدد الملتبس الذي أحرزه تنظيم "داعش" في مناطق عراقية وسورية وغيرها من الساحات، بدءاً من سيناء وصولاً إلى ساحات شمال إفريقيا ووسطها، تبدو رقعة الجغرافيا السياسية التي سيطر عليها مؤخراً، بدأت في التبدد، وبخاصة في مناطق غرب العراق وشمال سوريا في منطقة عين العرب، الأمر الذي هز صورته، والذي حاول جاهداً لصقها في ذهن المجتمعات العربية والإسلامية بفعل مجازره ووحشيته وبطشه غير المسبوق، وهو الآن يبحث عن انتصارات ولو وهمية لإعادة تموضعه السياسي والعسكري في المنطقة، ولم يكن الأسلوب الذي تم تظهيره لجريمة إعدام الطيار سوى إحدى الوسائل الإعلامية المكشوفة للتنظيم . ان واقعة الإعدام الجريمة، وإن تعد مفصلاً في النيات "الداعشية" مستقبلاً، فإنها ثبّتت النيات المضمرة لاستعمال الجريمة وسيلة لجر الأزمات وافتعالها في الساحة الأردنية . فالتنظيم فاوض على الطيار والرهينة الياباني مقابل إرهابيين محكومين بالإعدام من قبل القضاء الأردني، في الوقت الذي كان الطيار قد اعدم، وهو بذلك اشترى الوقت ليفتعل وقائع استفزازية من الصعب عدم الرد عليها، وبالتالي إدخال عمان في رد الفعل والفعل المضاد، في وقت هو بأمسّ الحاجة لتظهير خصم وعدو آخر له مواصفات الدولة كالأردن . في أي حال، وإن يكن الأردن هو جزءاً من التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب وفقا للقرار،2170 وبالتالي هو من وجهة نظر داعش جزء من مسرح عملياته الإرهابية، وعلى الرغم من أن الأعمال الإرهابية حتى في مفهوم أصحابها لا تحتاج إلى تبريرات شرعية أو أخلاقية أو قانونية، فقد استعمل الجزء الإعلامي من الجريمة وسيلة لحقن الشارع الأردني وتهيئة الظروف لإدخاله في دوامة الاستهدافات الإرهابية "الداعشية" بشكل مباشر، بعدما تم تحييده نسبياً في فترات سابقة . في المقابل، يبدو خيار الأردن بالاندفاع نحو المواجهة أمراً واقعياً ومنطقياً من الوجهة العملية، بعدما توحّدت الساحة الأردنية بمختلف أطيافها باتجاه المواجهة، إلا أن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه متعلق بقدرات الأردن الفعلية على الانخراط بمستويات عالية الشدة في مواجهات مع جماعات إرهابية حُشدت قوى عالمية ضدها، وحتى الآن لم تؤدِ إلى نجاحات حاسمة . إن سبل المواجهة تتطلب وسائل وآليات مختلفة عما هي مطروحة الآن، فالقتال من الجو ليس كالقتال على الأرض، وسبل القضاء على الجماعات الإرهابية تتطلب أولا وأخيرا تجفيف مصادر تمويلها ودعمها اللوجستي، الأمر الذي يتطلب قرارات أكثر جرأة من المجتمع الدولي، الذي دفع أثماناً باهظة جراء التوحش "الداعشي"، لذا ينبغي العمل بجدية على رفد قرارات أممية إلى جانب القرار 2170 الذي لم يكن - ولن يكون- كافياً للقضاء على هذا الوحش الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثل جرائمه .- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/49020b7d-b27b-4a38-a88e-ae137b97834b#sthash.ejWP7myP.dpuf

06‏/02‏/2015

ماذا بعد يسار اليونان ؟

ماذا بعد يسار اليونان ؟ د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية نشرت في صحيفة الخليج الاماراتية بتاريخ 5-2-2015 ثمة قلق وخوف شديدين في العقل الباطني لمنظري الليبرالية الجديدة الذين اخذوا مجدهم في إعادة إشاعة أفكارهم بعيد تهاوي الأنظمة الشيوعية بداية العقد الأخير من القرن الماضي، سيما وأن هؤلاء أنفسهم واجهوا أيضا موجات لا يستهان بها من المد القومي المتطرف في غير بلد أوروبي ،الذين عادوا أيضا وبقوة في الربيع الماضي بعد انتخابات تشريعية مشهودة في بعض دول الاتحاد الأوروبي.والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه عن تداعيات وصول اليسار الراديكالي إلى السلطة في اليونان، فهل هو بقادر على تنفيذ برامجه ؟ وهل أن العدوى اليسارية ستنتقل إلى دول القارة العجوز؟ أم هي فلتة شوط ستزول بعد حين. في الواقع ثمة ظروف جيوبولتيكية دقيقة تحكم اليونان ، وهي مصدر توجس دائم للاعبين إقليميين ودوليين كثر ممن يتحينون الفرص للعب في بلدان البلقان عموما، سيما أن بلاد الإغريق كانت يوما من مؤسسي الفلسفات السياسية التي نشأت عنها معظم الإيديولوجيات المعاصرة، وبالتالي تختزن في الفكر الفلسفي كماً هائلا من الاهتمام المعرفي والتجريبي ، فكيف بوصول اليسار الراديكالي إلى السلطة والذي له سوابق مشهودة في الحياة السياسية اليونانية ، حيث اعدم النازيون العديد منهم، وحوربوا بأشكال قاسية وبخاصة فترة الحكم العسكري الذي حكم اليونان ما بين 1967 و1974. وأيا تكن الوقائع ذات الصلة بالحياة السياسية اليونانية وخصوصياتها، وصل اليسار بـ 149 عضوا إلى البرلمان، ولم يكن ينقصهم سوى عضوين للقبض على مفاصل السلطة ، ما اضطرهم للتحالف مع الحزب السيادي لليونانيين المستقلين، الفائز بـ13 مقعداً، ليتمكن من تشكيل الحكومة، قبل العمل على انتخاب رئيس جديد للبلاد، خلفاً لكارولوس بابولياس. لكن هذا الوصول المدوي إذا جاز التعبير ، هو نتاج سياسات لم يتمكن اليونانيين من بلعها وهضمها، وهي بأدوات ووسائل اقتصادية سياسية، كان أبرزها سياسات التقشف التي فرضتها الترويكا المالية – الاقتصادية (البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية) بعد الأزمة المالية التي ظهرت في العام 2010، والذي كان لها الوقع السيئ على سائر الشرائح الاجتماعية اليونانية، التي كان لها كلمة الفصل في الانتخابات الأخيرة. وعلاوة على ذلك ثمة 170 مليار دولار من الديون الخارجية وهو رقم مهول قياسا على الناتج المحلي، الذي يبلغ نسبة سداد فوائد الديون فيه أرقاما فضائية، وهو رقم يشكل انهيارا اقتصاديا بلغة المال والاقتصاد، إلى جانب البطالة التي بلغت أرقاما قياسية من الصعب استيعابها. هذا الواقع المأزوم يشكل عبئا كبيرا على أي حكومة ائتلافية ستتعاطى مع المشكلة الاقتصادية – الاجتماعية ، بخاصة وان حجم الديون هو أضخم وأكبر من الوعود التي قطعها تسيبراس، والذي يتجلّى في ضخّ مبلغ 13 مليار يورو في السوق اليونانية، على شكل أجور وامتيازات، وهو ما أثار الذعر في أوروبا، التي تخشى من إمكانية خروج اليونان من منطقة اليورو. فالمشكلة هنا مشكلة بنيوية في النظام السياسي - الاقتصادي الذي لا يسمح بإطلاق وعود وشعارات من المستحيل تحقيقها ، سيما وان اليونان هي أصلا غير قادرة على سداد فوائد الديون، ما يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل هذه الديون وجدولتها، إن لم يكن التملص منها والامتناع عن الدفع كما حدث في حالات مماثلة سابقة. اذا، من الصعب تصور حلول وردية لهذا الواقع المأزوم، سيما وأن الكثير من آليات عمل اليسار قد فقدت وهجها خلال العقدين المنصرمين، ولو أن خصومهم من اليمين المعتدل أو المتطرف أو حتى منظري الليبرالية الجديدة ، لم يتمكنوا أيضا من استيعاب المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والعمل الجدي على حلها.وبالتالي ثمة رأي شائع وسط هذه المعمعة اليونانية والأوروبية، أن شعارات اليسار لا تعدو كونها شعبوية سرعان ما ستتلاشى أمام وقائع تتطلب معالجات أخرى ، غير متوفرة في البنية السياسية - الاقتصادية التي تتولى زمام السيطرة حاليا. ثمة بعض الساحات الأوروبية مرشحة لما حصل قي اليونان، من بينها ايطاليا واسبانيا وحتى غيرهما، إلا أن ما ينطبق على اليونان ينطبق على معظم دول القارة العجوز، فالمسألة ليست ترفا فكريا أو إيديولوجيا ، بقدر ما هي سياسات تتطلب مالا واقتصادا وإنتاجا وتسويقا، في ظل ظروف اقتصادية دولية قاسية. ومن يتصور أن ظروف وصول الشيوعيون إلى السلطة في روسيا القيصرية في العام 1917، وكذلك وصول أدولف هتلر إلى السلطة العام 1932 بعد الأزمة الاقتصادية العالمية العام 1929، هي مماثلة لظروف اليوم، هي اعتقادات وتصورات خاطئة، وبالتالي إذا كان ثمة من حلول للمشاكل الاقتصادية - الاجتماعية في غير بلد أوروبي فحلها لا يكمن في الاستناد إلى نظريات وفلسفات وإيديولوجيات،إنما الحل يكمن في مكان آخر ، أقله فهم السياسات الخاطئة التي أرساها النظام الاقتصادي الدولي القائم على فلسفة الديون باعتبارها حلا وليست المشكلة، بل بنظره المشكلة تكمن في إيجاد الوسائل التي تتكيف مع الواقع الجديد لهذه الدول ومحاولة سدادها ولو بعد حين!

31‏/01‏/2015

المقاومة وكسر قواعد الاشتباك مع إسرائيل

المقاومة وكسر قواعد الاشتباك مع إسرائيل د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية الشرق الاوسط 30-1-2015 بلعت إسرائيل عملية مزارع شبعا، وهي تحاول اليوم هضم إعلان المقاومة اللبنانية سقوط قواعد الاشتباك. وهو أمر ذات دلالات كبيرة لما ستكون عليه طبيعة الأوضاع ليس في جنوب لبنان، وإنما على كامل المناطق المحتلة ومنها الجولان السوري المحتل. هذه الانعطافة الإستراتيجية في طريقة التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية أتت كنتيجة حتمية لطبيعة الصراع مع إسرائيل وما يحيط به من فواعل وقواعد ثابتة ومتغيرة. فبعد اعتداء القنيطرة ، ردت المقاومة في عملية معقدة لجهة المكان والزمان، والوسائل والأدوات، لتؤكد مرة أخرى أن على إسرائيل إدراك عواقب شر أعمالها. فهي لم ترد في الجولان بل ردت في مزارع شبعا التي تعتبر أراض لبنانية محتلة ولا تخضع لمقتضيات وقواعد اشتباك القرار 1701 ، وبالتالي لم تخرق المقاومة البيئة القانونية للقرار. إضافة إلى أن العملية وان كانت عسكرية في الشكل إلا أنها أمنية بامتياز، وهنا اتكأت المقاومة في ردها على نوعية الهدف وليس حجمه، وبالتالي توجيه ضربة ازدواجية موجعة ، هدفها إيصال رسائل متعددة الاتجاهات للداخل الإسرائيلي سياسيا وعسكريا ، وهذا ما ترجمته الوقائع المتلاحقة بعد العملية، مفادها إعادة تركيب وتنظيم قواعد الرعب بأسس وقواعد جديدة. ففي الصراع الممتد بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل، تاريخ طويل حاولت إسرائيل خلاله فرض قواعد محددة على خلفية عدم كسر التوازن الذي ترسمه لمصلحتها. ورغم ذلك ، ثمة ثلاثة مفاصل رئيسة في هذه القواعد وان لم تحترمها إسرائيل يوما.الأولى في العام 1996 التي كانت نتاج لعملية "تصفية الحساب" ، التي أنتجت أيضا " تفاهم نيسان" ، الذي رعته ضمنيا كل من فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وسوريا، والذي أجبر إسرائيل على عدم التعرض للمدنيين في الصراع القائم. والثاني كانت القواعد التي أرسيت مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في العام 2000 وبموجبه احتفظت المقاومة بحقها بتحرير باقي المناطق التي تعتبر محتلة وهي تلال كفرشوبا ومزارع شبعا. وثالثة هي قواعد الاشتباك التي أرساها القرار 1701 الذي أتى كنتيجة لعدوان إسرائيل على لبنان في العام 2006 ، والذي أرسى معادلات وتفاهمات ضمنية. اليوم ، وبعد إعلان المقاومة سقوط هذه القواعد جميعا ، ثمة وقائع ومتغيرات وتداعيات كثيرة ستظهر لاحقا ، وبالتالي تأثيرها المباشر على المنطقة برمتها ، خاصة وان إعلان هذا السقوط ترافق مع الإعلان عن أن الجبهة مع إسرائيل ستكون مفتوحة وممتدة على طول الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، ما يعني إدخال جبهة الجولان في دائرة المقاومة بعد حالة من الستاتيكيو الممتد منذ العام 1974 ، وهو الأمر الذي اقلق إسرائيل وأغرقها في الخوف الذي ترجمته في عملية القنيطرة كرسالة واضحة الدلالات بالنسبة إليها. فكسر هذه القواعد وسقوطها، يعني كسر توازن الردع والرعب أيضا والتي تولي إسرائيل اهتماما كبيرا لبقائه لمصلحتها دائما، وبالتالي يعتبر امرأ من المحرمات بالنسبة إليها ويعتبر من وجهة نظرها المبرر والدافع لتنفيذ اعتداءاتها على لبنان وسوريا. ففي السابق قضت القواعد الضمنية عدم التعرض للمدنيين والاكتفاء بردود تحكمها ضوابط دقيقة لا تسمح بتفلت كبير يشعل حروبا إقليمية. إن إعادة التموضع الجديد للمقاومة في منظومة الصراع مع إسرائيل ، يفتح آفاقا أخرى لطبيعة الصراع وشروط استمراره ونجاحه ، في ظل ظروف عربية وإقليمية استثنائية تصعب فيها القدرة على التحكم في الخيارات المتاحة إلى نهاياتها وفقا لآمال ورغبات أصحابها. في أي حال من الأحوال ، ثمة قراءة واحدة لما جرى مؤخرا في القنيطرة السورية وشبعا اللبنانية،وجميعها تتقاطع على أن العملية الأخيرة ثبتت ان الكلمة الأخيرة هي للمقاومة، وهذا ما اعترفت فيه القراءة الإسرائيلية تحديدا ، وباتت على يقين أن لاءات قمة الخرطوم التي ارتفعت في وجهها بعد حرب 1967 ، تتكرر اليوم بثلاث لاءات جديدة لا لقواعد اشتباك1996(تفاهم نيسان) ولا لقواعد العام 2000,وأيضا لا لقواعد 1701، ذلك في حال استمرت إسرائيل في اعتداءاتها وهو أمر معتاد بالنسبة إليها.

إسرائيل والعبث بقواعد الاشتباك

إسرائيل والعبث بقواعد الاشتباك د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية عمدت إسرائيل في الفترة السابقة إلى تسريب معلومات حول قدرات حزب الله الصاروخية ومدى جدية التهديد الذي تمثله بعض الصورايخ النوعية منها. وأرفقت هذه التسريبات قبل أسبوع بالتحديد تصريحات استندت إلى بيئة ضيقة من مجموعة صناعة القرار الإسرائيلي ، مفادها أن العام 2015 ينبغي أن يكون عام حل هذه المعضلة. وسرعان ما أجج الرهاب الإسرائيلي المواقف التي أطلقها مؤخرا الأمين العام لحزب الله، الذي وضع إستراتيجية واضحة ترتكز على النقلة النوعية لعمل المقاومة ضد إسرائيل وانتقالها من الدفاع إلى الهجوم، واضعا بيئة المعركة المقبلة مع إسرائيل في إطار الدخول إلى الجليل ومؤكدا في الوقت عينه، أن الرهاب من صواريخ أم 110 بات عملا من الماضي ،وثمة أسلحة أخرى كاسرة للتوازن هي في حوزة المقاومة. على أهمية هذه الوقائع وتأثيراتها في إدارة الصراع، ثمة قضيتان أساسيتان تترافقان أيضا مع العملية ،ولهما أيضا الخلفيات غير المعلنة للعملية. الأولى هي الهمُّ والقلق والريبة الإسرائيلية من إمكانية التوصل لحل ما للملف النووي الإيراني ، بعيدا عن المؤثرات والتمنيات الإسرائيلية. والثاني الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي ستجرى في آذار المقبل ، والذي يبدو بنيامين نتنياهو الأضعف فيها. فقبل تنفيذ العملية بيوم واحد ، تم لقاء شبه حاسم بين وزراء خارجة كل من إيران والولايات المتحدة وفرنسا ومن ثم مع مجموعة الست، وبصرف النظر عن المعلومات المسربة حول حجم ونوعية التوصل إلى إطار الاتفاق في حزيران المقبل، ثمة أجواء ايجابية في هذا المسار، ما يدلل على ازدياد منسوب الرعب الإسرائيلي وتوجهها كما هي العادة، للجوء إلى إدارة الأزمة بالأزمات ،عبر افتعال أزمات فرعية بهدف استثمارها لقلب قواعد الاشتباك في العديد من الملفات، فكانت عملية القنيطرة مدخلا مناسبا لذلك ، وبصرف النظر عن قدرتها في التحكم بنتائجها النهائية، فهي مستعدة لإشعال أزمات كبرى، وصولا إلى حرب إقليمية ضد إيران لضرب البرنامج النووي الذي تعتبره تحديا وجوديا بالنسبة لها. في المقلب الإسرائيلي الداخلي، ثمة تراجع واضح في شعبية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي سيخوض غمار الانتخابات التشريعية وسط تضاؤل حظوظه لترؤس الحكومة المقبلة، ما دفعه إلى البحث عن نصر ما يعزز من فرصه الانتخابية عبر الذهاب إلى عمليات نوعية تشد الجذب تجاهه، كما تحضر بيئات إقليمية ودولية لتموضع إسرائيلي جديد ضمن أزمات المنطقة ومشاريع حلولها. وإذا كانت هذه العوامل الإسرائيلية والإقليمية قد لعبت دورا كبيرا في تحديد زمان ومكان العملية ونوعية الهدف ، فان ما يقابلها من تداعيات لن تكون إسرائيل بمنأى عنها، كما لن تستطيع أيضا التحكم بنوعية رد الفعل الذي سيسلكه حزب الله في رده ، وهو الذي تعود العمل ببرودة موصوفة لاختيار الهدف النوعي والزمان والمكان للرد.، مع إضافات أخرى هذه المرة لمصلحته، وهي أن إسرائيل قد قدمت هدية مجانية له عبر فتح جبهة الجولان وهي الخاصرة الرخوة بعد تغلغل جبهة النصرة إليها والإرباكات التي حصلت سابقا لقوات الاندوف في خط فض الاشتباك القائم منذ حرب 1973. لقد حاولت إسرائيل منذ سنوات العبث بقواعد الاشتباك الذي أرساها القرار 1701، نجحت ببعضها وتمكن حزب الله من إعادة إرسائها بأطر وأشكال متقدمة لمصلحته، اليوم تحاول إسرائيل إيصال رسائل متعددة الأوجه والغايات ، جلها متعلقة بما يحدث في سوريا تحديدا ودور حزب الله فيها وما يقال عن إنشاء بيئة سورية مقاومة في جبهة الجولان، والتي تقاطعت معلومات كثيرة عن أن المجموعة المستهدفة في العملية شكلت عصب هذه الجماعات لجهة التدريب والتجهيز وغيره. اليوم تمكنت إسرائيل مجددا من توجيه ضربة معلم، بأهداف انتخابية داخلية، كما لغايات خارجية إقليمية، ذلك بصرف النظر عن حسابات الربح والخسارة فيها، ورغم ذلك يعتبر حزب الله أن ما بعد العملية ليس كما قبلها، وبالتالي هو مستعد وقادر كما تؤكد بياناته، على فرض قواعد اشتباك جديدة. علما أن رده هذه المرة سيكون محكوما بالعديد من العوامل ، أبرزها منسوب علو أسهم التوصل لحل للبرنامج النووي الإيراني، علاوة على مقتضيات الوضع اللبناني وخصوصياته في هذا المجال. وعليه، إن رد حزب الله في المرحلة الراهنة سيكون اكبر من رد معتاد ضمن قواعد الاشتباك السابقة، وأقل من سقف يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية ضيقة أو واسعة ،بمعنى أن الحروب الأمنية والاستخبارية هي سيدة الموقف الآن ، كما حدث في القنيطرة، بانتظار صيف ربما ستكون أجوائه ساخنة.

16‏/01‏/2015

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟

هل يتم جرّ “إسرائيل” إلى المحكمة الجنائية؟ د . خليل حسين - 15-1-2015 عندما أعلنت السلطة الفلسطينية نيتها التوجه إلى المحافل الدولية لا سيما الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، هدفت إلى الضغط على "إسرائيل" والولايات المتحدة لتسريع عملية المفاوضات والوصول قانونياً للدولة الفلسطينية، وبالتالي ليس واقعياً أو تعاقدياً كما رغبت واشنطن ربط السلطة بالمفاوضات وبنتائجها غير المعروفة سلفاً . فالحراك الفلسطيني نحو المحكمة يثير العديد من الأسئلة حول الاستفادة والضرر من الخطوة، والذي بدوره يثير أسئلة مركزية عدة حول استيفاء السلطة الفلسطينية لشروط الانضمام إلى المحكمة، وهو أمر تدعي واشنطن عدم اكتمال شروطه، وكذلك ما فاعلية الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المحكمة تجاه "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، وما المخاطر التي تواجه عمل المحكمة ؟ أولاً: شروط الانضمام إلى المحكمة يُعد نظام المحكمة اتفاقاً متعدد الأطراف بين الدول، والمعروف، فإن الدولة بموجب القانون الدولي العام، تتكون من الشعب والإقليم والسلطة، وهذه الشروط ليست متوافرة بالمعنى المطلق للسلطة الفلسطينية، لجهة الإقليم الذي لم تحدد حدوده المرتبط أساساً بالمفاوضات مع "إسرائيل" . ورغم ذلك فقد حصلت منظمة التحرير الفلسطينية على اعتراف أكثر من مئة دولة، كما رحبت الجمعية العامة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني بتاريخ 15-11-1988 قيام الدولة الفلسطينية . وفي العام 2012 وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قبول الدولة الفلسطينية كدولة غير عضو في الأمم المتحدة بصفة مراقب، الأمر الذي حفّز المزيد من الدول الغربية على الاعتراف بها، وكان آخرها فرنسا . وفي أي حال، فقد وافق الأمين العام للأمم المتحدة على قبول طلب فلسطين الانضمام إلى نظام المحكمة، وهو أمر إجرائي تخطته السلطة الفلسطينية، وبات بإمكانها الاستفادة من مزايا الانضمام بدءاً من الأول من إبريل/ نيسان المقبل 2015 . ثانياً: اختصاصات المحكمة والاستفادة الفلسطينية يحدد نظام المحكمة نطاق الاختصاص الزمني، والإقليمي والشخصي، والموضوعي . فقد نصت المادة (11) الفقرة ( 1) على أنه : "ليس للمحكمة اختصاص إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي" . ما يعني أن المحكمة تختص بالنظر في الجرائم التي ترتكب بعد دخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ، أي أنه لا اختصاص للمحكمة على الجرائم التي وقعت قبل بدء النظام الأساسي . فالنظام الأساسي للمحكمة أخذ بالقاعدة العامة المطبقة في جميع الأنظمة القانونية في العالم والتي تقضي بعدم جواز تطبيق القوانين الجنائية بأثر رجعي . وكذلك الحال بالنسبة للدول التي تصبح طرفاً في النظام الأساسي بعد نفاذه، فلا يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إلا فيما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ النظام بالنسبة لتلك الدولة . وبالتالي يمكن القول: إن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية هو اختصاص مستقبلي فقط . ويرتكز الاختصاص الإقليمي على مبدأ راسخ في القوانين الداخلية والدولية المتعلق بسيادة الدولة على أراضيها . ويقف الاختصاص الإقليمي مستقلاً أمام الاختصاص الشخصي، لتكون المحكمة الصالحة للنظر في قضايا جرائم المادة 5 عند وقوعها في إقليم إحدى الدول الأطراف، سواء أكان المعتدي تابعاً للدولة الطرف أم لدولة ثالثة، مع فارق جوهري عند وجود المتهم في دولة ثالثة، إذ إن هذه الأخيرة غير ملزمة بالتعاون مع دولة الإقليم، إلا بتوافر دولي كاتفاقيات التسليم أو المعاهدات المتعددة الأطراف . أما الاختصاص الشخصي فمرده المسؤولية الجنائية للفرد التي لا تؤثر في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي، وهذا ما قررته الفقرة (4) من المادة الخامسة، بنصها على: "لا يؤثر أي حكم في هذا النظام الأساسي يتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية في مسؤولية الدول بموجب القانون الدولي" . فالدولة تبقى مسؤولة عن الضرر الذي يلحق بالآخرين نتيجة لأعمالها غير المشروعة، وتلتزم الدولة بالتعويض عن هذا الضرر على النحو المقرر في أحكام المسؤولية الدولية . وبحسب المادة (27 ) والمادة (28)، يمكن ملاحقة فئتين من الأشخاص: رؤساء الدول وأصحاب المناصب العليا، والقادة والرؤساء العسكريون المسؤولون عن أعمال مرؤوسيهم . فوفقاً للمادة (27) فإن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون من دون أي تمييز بسبب الصفة الرسمية . فالشخص سواء أكان رئيساً لدولة أو حكومة أو عضواً في حكومة أو برلمان أو ممثلاً منتخباً أو موظفاً حكومياً، مسؤول عن جريمته، وصفته الرسمية لا تعفيه بأي حال من المسؤولية الجنائية، كما أن هذه الصفة لا تكون سبباً في تخفيف العقوبة عن الجرائم التي يكون قد ارتكبها في أثناء وجوده في منصبه . ووفقاً للمادة (28 فقرة أ) اعتبرت القائد العسكري أو من يقوم مقامه يكونان مسؤولين مسؤولية جنائية عن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة، والمرتكبة من جانب قوات تخضع لإمرته وسيطرته الفعليتين، في حال توافر شرطين :أن يعلم القائد أن قواته ترتكب أو توشك أن ترتكب إحدى الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة . أو إذا لم يتخذ القائد العسكري جميع التدابير اللازمة والمعقولة في حدود سلطته لمنع هذه الجرائم أو قمعها أو لعرض المسألة على السلطات المختصة للتحقيق والمقاضاة . أما الاختصاص الموضوعي وهي الأخطر والذي اختصرته المادة الخامسة بجرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانة، وجرائم الحرب، وجرائم العدوان . وقد عرفت المادة السادسة جريمة الإبادة الجماعية أي فعل من الأفعال يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه إهلاكاً كلياً أو جزئياً . أما المادة (7) فعرفت الجرائم ضد الإنسانية عبر تعداد الأفعال التي تشكل في حالة ارتكابها في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين عن علم بهذا الهجوم وهي :القتل العمد والاسترقاق والتعذيب والإبادة وإبعاد السكان أو النقل القسري والإخفاء القسري للأشخاص واحتجازهم أو اختطافهم ورفض إعطاء معلومات عن مصيرهم . أما جرائم الحرب، فنصت عليها المادة 8 وهي الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة في 12 أغسطس / آب 1949 . أما جريمة العدوان: فلم ينجح مؤتمر روما في تعريف لها . فيما عرفها القانون الدولي وحسب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14-12-1974 فهو: "استعمال دولة ما، القوة المسلحة ضد دولة أخرى ضد السيادة وسلامة الأرض والحرية السياسية أو بأية طريقة أخرى" . أما ممارسة الاختصاص فتتم عبر مرجعيات حددها النظام، فوفقاً للمادة 14 لكل دولة طرف في الاتفاقية أن تحيل للمدعي العام إذا ما كان هناك أي جريمة دولية للنظر فيها، كما يجوز لدولة غير طرف أن تتقدم بذلك شرط إعلانها خطياً القبول باختصاص المحكمة . كما يمكن لمجلس الأمن إحالة القضية للمدعي العام لمباشرة التحقيق وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة . كما للمدعي العام وفقاً للمادة 15 المباشرة عفواً بالتحقيق إذا توفرت لديه معلومات عن الجرائم المرتكبة،إن عبر دولة طرف أو غير طرف في الاتفاقية، علماً أن التحقيق مرتبط بموافقة الغرفة الابتدائية . ووفقاً لهذه الصلاحيات يمكن للسلطة الفلسطينية الاستفادة منها عملياً بمواجهة "إسرائيل" إلا أن ذلك دونه عقبات كثيرة . ثالثاً: عقبات التحقيق والتنفيذ التي ستواجه السلطة الفلسطينية إذا سلمنا جدلاً بأن المحكمة ستسلك في قضية ما تقدمها السلطة الفلسطينية، فما الاحتمالات؟ لعلَّ الثُغر الأساسية في المحاكم الدولية ومنها المحكمة الجنائية الدولية، صعوبة تنفيذ أحكامها . إضافة إلى ذلك العقبة "الإسرائيلية" التي ستواجهها السلطة الفلسطينية بطبيعة الأمر . وهنا لا سبيل أمام المحكمة إلا اللجوء إلى مجلس الأمن لمباشرة التحقيق وتنفيذ الأحكام . وقد لجأت المحكمة في مناسبات عدة إلى ذلك كقضية درافور، وقضية الرئيس السوداني الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف، وكذلك سيف الإسلام في ليبيا . وإذا كان هدف السلطة الفلسطينية الاكتفاء بالإدانة السياسية إذا تعذرت القضائية، فأيضاً دونها عقبات معروفة وبخاصة من الولايات المتحدة . علاوة على ذلك وبموجب المادة 16 يجوز لمجلس الأمن إيقاف التحقيق أو تنفيذ الحكم لمدة 12 شهراً، وتمديد ذلك أيضاً بنفس الشروط وفقاً للفصل السابع من الميثاق . وبالمقارنة هنا لا يستطيع مجلس الأمن مثلاً إيقاف أو تعطيل قرار محكمة العدل الدولية بشأن أي قضية وفقاً للمادة 94 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، فيما يستطيع ذلك وفقاً لنظام المحكمة الجنائية . كما أن نظام المحكمة يتيح التملص من المثول أمامها، عن طريق المحاكمة الوطنية أي أمام المحاكم "الإسرائيلية" وقد لجأت إليها "إسرائيل" في معرض تقرير غولدستون عام 2009 . أو عن طريق اللجوء للمادتين 17 و18 حول الموافقة على الدعوة بداية وموافقة الهيئة التمهيدية . رابعاً: مخاطر الانضمام ومحاذيره إن قبول السلطة الفلسطينية بنظام المحكمة الجنائية يحتم عليها موجبات والتزامات . فإذا كان من الفوائد التي يمكن أن تجنيها السلطة الفلسطينية من إمكانية رفع الدعاوى بعد الحصول على الاعتراف بها كدولة، فينبغي عليها التدقيق والتبصر في حالات ستحاول "إسرائيل" جرها إليها ومن بينها، التوصيف القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تبقى ضمن حماية اتفاقيات جنيف الأربعة ،1949 وقد فرضت "إسرائيل" بعد اتفاق أوسلو 1993 منحى "الأراضي المتنازع عليها" وبالتالي إخضاعها للمفاوضات الثنائية، وبالتالي عدم اعتبارها مسألة قانونية، وهذا ما يجب على السلطة تجنبه أو أخذه بعين الاعتبار، إضافة إلى مسائل أخرى من بينها، محاولة "إسرائيل" المطالبة بمحاكمة بعض الفلسطينيين أمام المحكمة بالاستناد إلى التوصيف الأمريكي وبعض الغربي بأن "حركة حماس" منظمة إرهابية، وذلك على السلطة تسليم المتهمين وفقاً للمادة 95 . إضافة إلى إمكانية سعي "إسرائيل" بدعم من الولايات المتحدة على استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف التحقيق أو التنفيذ وهو أمر معتاد في ظل المساومات في مجلس الأمن وطبيعة الضوابط التي تتحكم بقراراته . وكذلك رفض "إسرائيل" الاستجابة للمحكمة وعدم تسليم المتهمين، وفي هذه الحالة ما على المحكمة إلا الاستعانة بمجلس الأمن وهنا الفيتو الأمريكي جاهز للاستعمال كالعادة . خلاصة القول، إن ثمة محاذير على السلطة الفلسطينية التبصر فيها، وينبغي عليها التشبث بالحقوق القانونية التي اكتسبتها سابقاً ومنها، الإبقاء على توصيف "الأراضي الفلسطينية المحتلة"، وبالتالي محاسبة "إسرائيل" على جرائمها وفقاً لاتفاقيات جنيف، لا سيما الرابعة منها وبخاصة المواد 7 و147 و148 . والتمسك بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية العام 2004 حول الجدار العازل، وأهميته لجهة توصيف الأراضي المحتلة . والعمل على الانضمام للمنظمات الدولية المتخصصة، وتحفيز الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية بعدما تخطى عدد المعترفين بها المئة دولة . كلمة أخيرة ينبغي قولها، أن ليس ثمة سابقة دولية، إن تمكنت محكمة دولية أو مختلطة أو خاصة من الوصول إلى نهايات وردية بالنسبة لأصحابها . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/supplements/page/b65de431-4fac-4c36-8b19-72d6eea90a45#sthash.jA2a2b1q.dpuf

فرنسا تدخل عين عاصفة الارهاب

د . خليل حسين - فرنسا تدخل عين عاصفة الارهاب - الخليج الاماراتية 14-1-2015 ليست سابقة أن يضرب الإرهاب عاصمة أوروبية، إنما ما شهدته باريس مؤخراً يشكل سابقة فرنسية لم تشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، قياساً على نوعية الهدف الذي تم اختياره، ومكانه وكيفية تنفيذه، ونتائجه المحتملة على الصعيدين الداخلي والخارجي . فالمكان المستهدف هو صحيفة كاريكاتيرية في قلب العاصمة، سبق أن كان لها باع طويل في نشر صور مستفزة للإسلام والمسلمين، الذين يصل تعدادهم إلى ستة ملايين من أصل 65 مليون فرنسي، ويعتبرون أكبر جالية في فرنسا، الأمر الذي يشكل حالة متميزة في الاستثمار السياسي الداخلي والخارجي في سياق تحفيز النزعة العنصرية المتنامية ضد المسلمين في غير دولة غربية . وعلى الرغم من أن اختيار الهدف ليس جديداً في سياق عمل الإرهابيين في غير دولة أوروبية، إذ جرت أعمال مماثلة لوسائل إعلامية أخرى خارج فرنسا، إلا أن اختيار هذه الصحيفة الفرنسية بالذات له دلالات واضحة لجهة ربط مواقف السياسات الفرنسية، وبخاصة العربية منها، وما يجري في بعض بلدانها، لتصوير الحدث كأنه رد فعل على اشتراك فرنسا مثلا في المجموعة الدولية لمكافحة الإرهاب وفقاً للقرار 2170؛ لكن وإن كان هذا العمل غير مبرر ومدان في المبدأ، فإن تداعياته الأولى والأخيرة ستصب على المسلمين تحديداً، وبالتالي هم الفئة الأكثر تضرراً، وأعداءهم هم المستفيدون من ردات الفعل المحتملة . كما أن السوابق المماثلة تمت بوضع عبوات أو قنابل، بخلاف هذه العملية التي كان القصد منها، ليس الاعتراض على سياسة فرنسية محددة، بقدر ما هو نشر الرعب والذعر في المجتمع الفرنسي، الشديد الحذر في سلوكه الاجتماعي والسياسي، فهي عملية قصد الإرهابيون تنفيذها كأنها تتم مباشرة ببثها على الهواء، وهي صور تضاعف الذعر والإحساس بالاستهداف الشخصي للفرنسي ولأمته في آن معاً، وهي أسوأ الصور التي تحاول المجموعات الإرهابية القيام بها نظراً لآثارها المرعبة التي يمكن لصقها في الذاكرة الجمعية للمجتمع الفرنسي . طبعاً في أطياف المجتمع الفرنسي ثمة نقاش حاد حول السياسات الفرنسية من قضية "الجهاديين الفرنسيين"، الذين يتم تسهيل خروجهم من فرنسا إلى بعض الدول العربية التي تشهد صراعات داخلية ومن بينها سوريا، وثمة رأي شائع، أن هذا السلوك في التعامل مع مثل تلك القضايا أمر سيرتد سلباً على المجتمع الفرنسي أولاً وأخيراً، باعتباره هروباً من المشكلة وليس محاولة لإيجاد حل لها . فعلى الرغم من صدور القانون الفرنسي لمكافحة الإرهاب والتعاطي مع تلك الجماعات الإرهابية، فإن آليات تطبيقه والتعاطي مع نتائجه لم تكن بالمستوى المطلوب فرنسياً، فهناك أسئلة مبررة وحرجة في آن معاً توجه للسياسات الفرنسية، من بينها كيف يمكن التوفيق بين السياسات الفرنسية التي تحارب الإرهاب في مالي مثلاً، وتغض الطرف قصداً، أو عرضاً عن الجماعات الإرهابية التي تخرج منها إلى سوريا مثلا . هذا الأمر، لا يجد إجابات مقنعة لدى الفرنسيين، بل يترك حالات وصوراً استفزازية ذات طبيعة عنصرية ضد المسلمين . بل إن التدقيق في نوعية بعض ردود الفعل والمواقف، تظهر وجهاً آخر من عنصرية أخرى، متعلقة بالهوية الفرنسية؛ فبعد تزايد الأصوات والمطالب حول مزاحمة بعض الجاليات، ومنها المسلمة في فرنسا على بعض الأعمال، وانتشار البطالة وتزايد الهجرة الوافدة، عززت من منسوب الشعور الشوفيني الفرنسي، وهو ما يهدد بمظاهر أكثر حدة في سلوك الفرنسيين؛ وهو أمر سبق واستعملته كل من النازية في ألمانيا وقبلها الفاشية في إيطاليا، اللذان يعتبران من بين الأسباب الرئيسية لنشوب الحرب العالمية الثانية . وكما أن هذا العمل الإرهابي سيترك آثاره المدمرة في الوعي والسلوك الفرنسي المعروف بالتسامح تجاه الغير، فإن آثاره ستمتد إلى الداخل الفرنسي من خلال سياسات يمكن أن تتبع لاحقاً، وهي التشدد في مسائل الحريات العامة وتشديد الرقابة ومضاعفة العقوبات، الأمر الذي سيعيد المجتمع الفرنسي إلى أجواء الرعب والإرهاب الذي انتشر بعيد الثورة الفرنسية وبخاصة العام 1793 وما تلاه من أعمال تنكيل وقتل وإعدام لكل من يشتبه في مواقفه من الثورة، ولو كانت غير واقعية . بأي حال من الأحوال، يعتبر هذا الفعل من الأفعال المدانة التي ينبغي توجيه ضربات قاصمة لمن نفذها . على أن الحلول الموضعية لا تجدي نفعاً بمواجهة أفعال ذات طبيعة إرهابية عالمية، بل تتطلب إعادة تقييم لسياسات حادت عنها فرنسا منذ زمن طويل، فأين فرنسا الديغولية مثلاً من قضايا العرب والمسلمين وكل الشعوب المقهورة، ألم تكن فرنسا يومها مرتعاً لكل راغب في تنفس الحرية؟ ألم تكن باريس محجة العرب والمسلمين؟ ألم تكن باريس هي من احتضنت مفجر الثورة الإسلامية في إيران؟ يبدو أن باريس بحاجة لقراءة جديدة تعيد لها وجهها المضيء لمساندة حركات التحرر، وأيضاً وأيضاً لمحاربة الجماعات الإرهابية التي تدعي زوراً انتفاضتها ضد الظلم والاضطهاد في غير بلد عربي . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/c49c91d3-237f-4312-a70d-2b0d47b5f716#sthash.eh1bH9Cn.dpuf

“داعش” والصهيونية وجهان لإرهاب واحد

“داعش” والصهيونية وجهان لإرهاب واحد - 08/01/2015 د . خليل حسين ليست مفارقة أن تجتمع صور الإرهاب ووسائله وأهدافه بين التنظيمات والحركات على مر العصور، إنما المفارقة أن تتخذ بعض التنظيمات من الأديان السماوية، ذريعة لتنفيذ برامجها وغاياتها، بأدوات وطرق لا علاقة لها بالأديان لا من قريب ولا من بعيد . والمفارقة الأدهى أن يجتمع تنظيمان في منطقة هي الأشد حساسية بين أصقاع الأرض، حيث مهبط الرسالات ومكان انطلاقتها ووجهة البشر للحج إليها . زرعت الصهيونية فكراً ومكاناً في فلسطين، واستعملت شتى صنوف الإرهاب والعنف، لإرعاب شعب فلسطين وتشريده من موطنه، ونجحت في كثير من المحطات في الوصول إلى غاياتها وصولاً إلى إنشاء دولة "إسرائيل"، ولم تكتف بذلك فما زالت تعمل على تحقيق يهودية الدولة، وما ورائها من تداعيات وآثار كارثية . كل ذلك تكرّس وكادت ان تعوِّدنا نحن العرب والمسلمين على ذلك خلال قرن مضى . اليوم انطلق تنظيم "داعش" من نفس الطينة والعجينة الإرهابية التي سبقته الصهيونية إليها، بل أن التدقيق في السلوك الإرهابي الذي يستعمله تنظيم "داعش" يتطابق تماماً مع أساليب الصهيونية ووسائلها من القتل، والذبح، والتفنن في أشكاله وصوره، وهو الهدف المشترك بين التنظيمين، لطبع صور الرعب في العقل والذهن الجماعي لمن تريدان الحلول مكانه . فالعصابات الصهيونية مثل شترن والهاغانا تعتبران نموذجين واضحين لسلوك "داعش" وأخواتها من التنظيمات الإرهابية التي تدّعي الإسلام، كالنصرة والقاعدة ولقطائها الآخرين . وإذا كان التستر وراء الدين وسيلة يستعملها الطرفان لتبرير وجوده واستمراره، فإنهما يجاهران بإقامة الدولة الدينية بالإرهاب والعنف والتنكيل والترهيب في وجه كل من يتصدى لهما، ويتوجهان بأفعالهما إلى الأكثريات والأقليات حيثما يتواجدان، فيروعون السكان وتتم سبي النساء وذبح الأطفال، وتخريب وتدمير المؤسسات، إنهما أشبه بحملات التتار والمغول، بل تخطيا أفعال ما سبقهم بأشواط وأشواط . وما يعزز فرضية النشأة والتوجهات الواحدة، الاستناد إلى بعضها البعض، لجهة تبرير إنشاء الدولة الدينية، ففكرة الدولة اليهودية لم يتم بلعها وهضمها إلى الآن، وهي تواجه بمقولات وتحديات وازنة، إلا أن نشوء "دولة الخلافة الإسلامية" في صورتها "الداعشية"، يقوي ويعزز التمسك بإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين المغتصبة، وبالتالي القضاء على أي أمل أو مشروع حل للقضية الفلسطينية . من هنا تتعزز فرضية النشأة والأهداف الواحدة، لا سيما أن الكثير من المعطيات والوقائع الموثقة تشير وتؤكد إلى التعاون الميداني بشتى صوره بين الجانبين الصهيوني و"الداعشي" . وإذا كان الاثنان يتقاسمان وجوه الإرهاب وآثاره، فإنهما تقاسما ويتقاسمان أيضاً صور المكافحة وآلياتها حتى من نفس المنظمة الدولية التي تختص بحماية السلم والأمن الدوليين . فبتاريخ 10/11/،1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3379 الذي نص على أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري"، وقد صوَّت لمصلحة القرار 73 دولة، بينما صوتت 35 دولة ضده، وامتنعت 32 دولة عن التصويت . إلا أن اللوبي الصهيوني ومن خلال نفوذه السياسي في الأمم المتحدة وبالتعاون مع حلفائه وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال ست عشرة سنة من العمل المستمر، استطاع إجبار الجمعية العامة وفي خطوة غير مسبوقة، على إلغاء القرار واستبداله بالقرار رقم 8646 بتاريخ 16/12/،1991 حيث صوّت لمصلحة الإلغاء 111 دولة، وعارضته 25 دولة، وامتنعت 13 دولة عن التصويت، وجاء قرار الإلغاء في كلمات معدودة صاغها نائب وزير الخارجية الأمريكي آنذاك لورنس إيغلبرغ؛ "تُقرر الجمعية العامة للأمم المتحدة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379" . اليوم تحارب الأمم المتحدة تنظيم "داعش" عبر القرار 2170 الصادر عن مجلس الأمن، تحت مسمى مكافحة الإرهاب في إطار تجمع دولي قلَّ نظيره شكلاً، لكن التدقيق في آليات ووسائل القرار ومضمونه، تظهر احتواء الإرهاب لا مكافحته أو محاربته، كما تمَّ فعلاً مع الصهيونية، فحين تغيّرت الظروف والأوضاع انتهى قرار الجمعية العامة بشأن الصهيونية، فهل سيكون الأمر متطابقاً مع الإرهاب "الداعشي"، إن سير وسلوك التعاطي مع "داعش"، يشير أيضاً إلى أن ثمة سياسة احتوائية واضحة، بحيث يستعمل تنظيم "داعش" كحالة استثمارية إقليمية ودولية، ومن يضمن أن الأمر لن يتكرر مع هذا التنظيم كما تكرر مع الصهيونية . ثمة مفارقة أخرى ينبغي التركيز والتنبيه والعمل عليها، وهي تقاسم التنظيمين في أسلوب واحد، وهو العمل على اقتلاع وتشريد وترويع المجتمعات والحلول مكانها، الأمر الذي يستوجب العمل على كيفية المواجهة وصمود هذه المجتمعات في أرضها، وهي الطريقة الوحيدة التي تقضي على أهدافهما وغاياتهما، وبالتالي على إرهابهما اللذان يملكان وجهاً واحداً!- See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/25483657-c654-4464-a9f1-e6f786cf0af9#sthash.skYMe8Mo.dpuf

مفارقة الدولة الفلسطينية

د .خليل حسين- مفارقة الدولة الفلسطينية الخليج 2-1-2015 انقضى العام 2014 على ستة وستين عاماً على اغتصاب فلسطين، القضية الوحيدة المتبقية من مخلفات قضايا القرن الماضي . ومفارقة العام المنصرم بالتحديد، الحراك غير المسبوق الذي أعطي لمشروع القرار في مجلس الأمن، وسط ضبابية مرجعيته، لجهة من يقف وراء طرحه بالتحديد، أو لجهة صياغاته الملتبسة، هل هي الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني؟ أم قرارات الشرعية الدولية؟ أم اتفاقية أوسلو وتوابعها ؟ أم موازين القوى الراهنة وما تفرضه من أمر واقع؟ ثمة ثمانية تعديلات أدخلت على مشروع القرار، ما زاده التباساً وتوجساً، لدى شرائح سياسية واسعة من الشعب الفلسطيني، مع شعورها بتغييب الحقوق التاريخية المشروعة، والاستناد إلى قرارات الشرعية الدولية فقط لبناء الدولة الموعودة، وهو أمر يخالف الثوابت الفلسطينية المتعارف عليها في مسار المفاوضات التي دخلت فيها منذ مؤتمر مدريد للسلام 1990 وما زالت مستمرة ولو متقطعة من دون تحقيق مكسب ذات وزن يذكر . ثمة شبه إجماع فلسطيني على مبدأ التسوية السلمية للصراع مع "إسرائيل"، واعتراف بأهمية التعامل مع الشرعية الدولية وفي مقدمها الأمم المتحدة، شرط أن يكون ذلك استعادة الحقوق التاريخية في فلسطين وأقلها حدود إعلان الاستقلال في الجزائر في تشرين الثاني /نوفمبر عام ،1988 وهو الإعلان الذي أقرَّ لأول مرة الاعتراف بدولة فلسطينية اعتماداً على قرارات الشرعية الدولية، إلا أنه أكد على الحق التاريخي للفلسطينيين في فلسطين وبخاصة في قضايا القدس واللاجئين والحدود . لم تمنح القرارات الدولية يوماً حقوقاً تاريخية أو وطنية للشعوب إلا في حالات استثنائية جداً، بل دعمت الشعوب التي ناضلت لانتزاع حقوقها، وبالتالي فمصدر الحقوق ليس قراراً دولياً إن كان من الجمعية العامة أو مجلس الأمن، وهنا بصدد حق تاريخي فلسطيني يعود لأربعة آلاف عام مضت، الأمر الذي غاب عن صيغة القرار المقدم لمجلس الأمن الذي تعامل مع الشعب الفلسطيني وكأنه شعب أفرزته حروب ومشاكل المنطقة، وبالتالي ينبغي إيجاد حل يريح المنطقة من صراخه وضجيجه . ومشروع القرار لا ينقصه فقط الحق التاريخي، بل بالعكس من ذلك أضاف ضمن ثناياه نصاً ملتبساً، ينسجم مع الرواية "الإسرائيلية" التي تطالب بالاعتراف بيهودية دولة "إسرائيل"، إضافة إلى ذلك إن التدقيق في صيغة مشروع القرار حول القدس واللاجئين إضافة لغياب أية إشارة للحقوق التاريخية، سيتأكد وكأن القرار يشكل استجابة مبطنة للرواية التاريخية الصهيونية ويتطابق مع مطلب يهودية الدولة . ثمة من يتبنى الاقتداء بالتجربة "الإسرائيلية" تحديداً لجهة قيام الدولة "الإسرائيلية" عبر قرار الأمم المتحدة ،181 أي قرار التقسيم، إلا أن المقاربة هنا، لا تعدو مقاربة هشة، فقيام "إسرائيل" ليس في القرار الدولي، وإنما تظهير لمسار صهيوني طويل بدءاً بالأعمال الإرهابية التي تمت في فلسطين، وليس انتهاءً بالضغوط الصهيونية التي مورست في بريطانيا وغيرها من عواصم القرار آنذاك . إن خطوة الذهاب إلى الأمم المتحدة تم تفريغها من مضمونها ومن قوة الدفع الأساسية المفترضة لها، إذ إن الصيغة الراهنة للقرار والتي أكدت على العودة للمفاوضات (وعلى الرغم من الإشارة إلى أجل لإنهاء الاحتلال)، إلا أن المؤكد من القرار في حال صدوره هو العودة لطاولة المفاوضات ليس إلا، وغير المؤكد هو التوصل لتفاهمات خلال سنة من المفاوضات أو أن تستمر المفاوضات لسنة فقط، ومن غير المؤكد أيضاً وكالعادة التزام "إسرائيل" بالانسحاب خلال ثلاث سنوات، فلا ضمانات بإلزام "إسرائيل" بالمواعيد المحددة، ولا عقوبات أو آلية للمساءلة في حالة اختراق إسرائيل للمواعيد المقررة، سيما وأن القرار هو مندرج ضمن الفصل السادس وليس السابع، وبالتالي لا صيغة أو آلية إلزامية لتطبيقه، شأنه شأن أي قرار مثل 242 أو 338 أو غيرهما . منذ أيام قليلة فقط، تمكنت كوبا من إجبار الولايات المتحدة على تعديل سياساتها لجهة الحصار المفروض عليها منذ نصف قرن ونيف، حيث لم تتمكن الأمم المتحدة وقراراتها من إنهاء الحصار، ذلك تم بفعل إرادة وتصميم شعب وقيادة، على قيادة دفة المواجهة، علَّ وعسى أن نستفيد نحن العرب من تجارب غيرنا ونحاول الاقتداء ببعض وسائلها الناجحة . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/ea3352b6-5ea1-4d9b-8adb-198e518cb8a1#sthash.IVyZSK9S.dpuf

خريف اميركا العنصري

د.خليل حسين خريف اميركا العنصري صحيفة الخليج الاماراتية 24-12-2014 عندما وصل باراك أوباما إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، اعتقد الكثيرون في أمريكا وخارجها خطأ، أن المجتمع الأمريكي وبخاصة الشرائح الفاعلة فيه، قد تخطت خطايا التمييز العنصري، الذي لوّث الصورة النمطية التي حاولت الإدارات الأمريكية محوها من الذاكرة الجمعية الأمريكية . إلا أن تلاحق الأحداث ووقائعها أعاد من جديد الجدل الصارخ حول إمكانية ردم الهوة بين البيض وذوي السحنة السمراء في المجتمع الأمريكي . في الواقع، إن مقاربة بعض الأرقام والتدقيق في خلفياتها وتداعياتها الاجتماعية والسلوكية، تظهر صورا قاتمة لمستقبل غير وردي . فتعداد السود يبلغ حوالي ستة وعشرين مليوناً أي 4 .11 في المئة من مجموع سكان الولايات المتحدة . وهي بذلك تعتبر من الأقليات الكبيرة، التي جلبت بغالبيتها من القارة الإفريقية والتي استعملت كوقود إنتاجي في ظروف قاسية، عمّقت الشرخ الطبقي الاجتماعي والاقتصادي، وأعطت التمييز العنصري لونا أشد سواداً على مرِّ العقود، وبات صورا من تراث يتم التعامل فيه دون خجل أو وجل في مجتمع يدّعي شرب الديمقراطية مع حليب الأطفال . وعلى الرغم من الإنجازات السياسية المتفرقة، مازال السود يعانون تمييزاً قاسياً، ويظهر ذلك من خلال الوظائف المتاحة لهم والتي لا تصل في أحسن الأحوال إلى الواحد في المئة من الوظائف الإنتاجية المهمة، في حين يبلغ دخل الفرد الأبيض ضعف نظيره الأسود، ما عزز التفاوت الطبقي بشكل مخيف، لاسيما أن نسبة البطالة لدى السود هي أيضاً ضعفها لدى البيض، وتنعكس تلك النسبة على الحالة التعليمية في مختلف مستوياتها، حيث يسجل ترك السود التعليم في مختلف المراحل لأسباب متعددة كصعوبة الاندماج، أو عدم القدرة على تأمين البدلات التعليمية ومتطلباتها، ما أسس لشروخ نفسية وسلوكية يصعب ردمها في ظروف تقليدية . وظاهرة التمييز ليست بجديدة، بل تعود جذورها وتداعياتها إلى قرون مضت، وعلى الرغم من بروز محاربتها في غير مفصل تاريخي، كنضالات مارتن لوثر كنغ، وتمددها من الجنوب باتجاه الشمال، إلا أن استمرار الفروق الشاسعة، أعاد ظهور التمييز بأشكال وصور اشد إيقاعاً على تلك الشريحة، خاصة أن أحداثا متفرقة تظهر حالات قتل لأفراد سود لأسباب لا يعتد بها، ويمكن تفاديها، في الوقت الذي يتم غض الطرف عن الوسائل السيئة لمعالجتها، الأمر الذي زاد من نقمة السود وتبرمهم في الفترة الأخيرة، وتم التعبير عنها بوسائل وأساليب عنفية، ورغم محاولات الاحتواء، تمددت حالات الاحتجاج لتصل إلى مستويات غير مسبوقة . ثمة مشكلة حقيقة يصعب التغاضي عنها في مجتمع تعددي، تحكمه آليات اجتماعية واقتصادية لا تتسم بعلاقات إنسانية مرنة، ما يعزز الشعور بالدونية لشريحة عانت كثيراً ولم تجد مخرجاً لها، بل تجمعت صور مضادة لها، تمثلت بشعور التفوّق العرقي لدى البيض والذي يولد غالباً احتقاناً يصعب السيطرة عليه . فعلى الرغم من وجود الآليات السياسية والقانونية التي حاولت الحد من المظاهر السلبية للتمييز، ظلت الفوارق متأصلة في السلوك المجتمعي لمختلف الشرائح وبخاصة لدى السود، الأمر الذي كوّن البيئات المناسبة لإعادة إنتاج العنف الاجتماعي بين فترة وأخرى، وآخرها ما حدث في غير ولاية أمريكية . إن إعادة التكوين في المجتمعات المتعددة، تتطلب مسيرة طويلة من التضحيات المتبادلة وبخاصة من الشرائح المتحكمة اقتصادياً وسياسياً، الأمر الذي لم يظهر في المجتمع الأمريكي حتى الآن، ما يثير تساؤلات مرعبة حول ديمقراطية النظام وقدرة الليبرالية الجديدة التي طرحت من غير مدرسة فكرية أمريكية بعد استلام زمام الأمور، في ظل الأحادية في النظام العالمي بعد انهيار المنظومة الاشتراكية . وبالتالي مشروعية الأسئلة التي توجه للنظم الليبرالية، وبخاصة قدرتها على ترجمة العديد من شعاراتها وبرامجها المتعلقة بالمساواة والعدالة الاجتماعية وتأمين فرص الحياة الكريمة . لقد ساد المجتمع الأمريكي قبل ست سنوات نشوة الديمقراطية وعبق النصر، بوصول رئيس أسود ومن أصول إفريقية وديانة إسلامية، واعتقد الكثيرون أن الولايات المتحدة انتقلت إلى القرن الحادي والعشرين بجلباب التسامح مع الماضي الأسود للتمييز العنصري، إلا أن الوقائع أثبتت عكس ذلك تماماً، فهل سيكون باراك أوباما هو الرئيس الأسود الأول والأخير في الحياة السياسية الأمريكية؟ إن مجمل الظروف الخارجية والداخلية التي تعيشها الولايات المتحدة تشير إلى صعوبة ردم الفجوة في مجتمعها التعددي، ما يفاقم المشكلة ويعقدها ويزيد من صورها النمطية في الحياة السياسية والاجتماعية اليومية . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/0567e96b-4851-411f-85b8-4110564678e0#sthash.Xz2fKryW.dpuf

17‏/12‏/2014

لبنان وشروط التفاوض لاسترجاع عسكرييه

لبنان وشروط التفاوض لاسترجاع عسكرييه د.خليل حسين أستاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية شرت في صحيفة الشرق الاوسط / لندن/ 16 /12/2014 ليست سابقة أن يدخل لبنان في متاهات الأزمات المتلاحقة التي لا أفق واضح لها، لكن أزمة العسكريين المخطوفين لدى تنظيم داعش وجبهة النصرة ، جعلت من الحكومة اللبنانية لقمة سائغة في أتون المفاوضات التي لا مثيل لها في تاريخ مفاوضات الدول مع الجماعات الإرهابية. وعلى الرغم من كثرة السوابق التي تمت لاسترجاع أسرى لبنانيين إن كان مع إسرائيل مثلا أو تلك المتعلقة بالأزمة السورية حاليا، إلا أن ثمة تخبط وضياع واضحين في السلوك التفاوضي اللبناني ، الذي يمكن تبرير بعض أوجهه لظروف ذاتية وموضوعية تتعلق بالأزمة نفسها، وبالأطراف الداخليين والخارجيين المعنيين فيها. في المبدأ، إن تفاوض الدول مع جماعات إرهابية يعتبر من اعقد وأدق طرق وأساليب المفاوضات على الإطلاق، بالنظر لطبيعة كل طرف، وقدرته على المناورة والمساومة تجاه القضايا المطروحة، إضافة إلى انعدام الضوابط الواجب توفرها لحسن سيرها والوصول فيها إلى نهايات محددة. فلبنان بدأ مفاوضاته بقنوات متعددة مع الخاطفين، يعكس كل منها وجهة نظر سياسية خاصة استغلها الخاطفون بدقة ، فاستعملها وسيلة للتفلت من أي التزام لطرف ضد طرف آخر، والمضحك المبكي في لبنان أن الجهات السياسية المتصارعة استعملت خلافاتها ونزاعاتها في اطر وسياقات المفاوضات نفسها، حتى أن عضوية خلية الأزمة التي شكلت لهذا الغرض جمعت مختلف الأطراف اللبنانية المتنازعة. ثمة شروط وشروط مضادة وضعها الخاطفون ، وهي بمعظمها شروط من النوع التعجيزي الذي يلغي ما تبقى من هيبة الدولة، ويجلها أسيرة مزاج وسلوك إرهابي لا يعرف احد كيفية التصرف معه ، أو كبح جماحه أو احتوائه، سيما وان الشروط التي تدفع بوجه الدولة يقابلها تهديد بذبح عسكري وهو أمر نفذ بخمسة من العسكريين تباعا وبطرق وحشية ومرعبة، تعبر عن همجية يستحيل التفاوض أو التعاطي معها بطرق اعتيادية. إضافة إلى ذلك إن شروط الخاطفين ليست مرتبطة بقرار أو إجراء تحدده الحكومة اللبنانية، بل ربطه الخاطفون بسوريا عبر الإفراج عن معتقلين لديها ، وفي ظل انقطاع التواصل الرسمي اللبناني السوري، يبدو هذا الأمر أكثر من تعجيزي، الأمر الذي يضطر معه لبنان لولوج قنوات خاصة لذلك بعيدا عن القنوات الرسمية المفترضة، ما يزيد الأمور تعقيدا. في الواقع ليس بمقدور لبنان مواجهة هذه القضية منفردا ، للعديد من الاعتبارات المتعلقة أصلا بالجماعات الإرهابية نفسها وطرق تعاملها مع قضية المخطوفين. صحيح أن لبنان يمتلك بعض الأوراق التفاوضية الوازنة إلا انه غير قادر على استثمارها بشكل جيد. فمثلا نفذ الإرهابيون تهديداتهم بذبح بعض الجنود، إلا أن الدولة اللبنانية عجزت عن تنفيذ أحكام بالإعدام صادرة بحق إرهابيين موقوفون لديها لأسباب كثيرة من بينها خلافات السياسيين اللبنانيين على ذلك. إن مجمل الأوراق التي يمتلكها الطرفان لا تسمح الاستثمار فيها إلى نهايات محددة تتعلق بالإفراج عن العسكريين، ما يستدعي البحث عن مسارات أخرى من بينها إدخال دول وقوى خارجية يمكن أن تؤثر على سلوك الخاطفين لإجبارهم على إطلاق سراح العسكريين المخطوفين. وعلى الرغم من اختلاف الظروف ونوعية القضايا، ثمة سوابق انتهجت في السابق ، وأدت إلى الإفراج عن مخطوفين كقضية الـ 19 لبنانيا الذين احتجزتهم فصائل سورية مسلحة في اعزاز ، وتم إطلاق سراحهم بعد إدخال عناصر خارجية إلى الأزمة، مما وفر البيئة المناسبة لعملية التبادل. طبعا ، يمتلك لبنان أوراق قوة يمكن الاستفادة منها بشكل كبير، إذا تم الاتفاق عليها بين اللبنانيين أولا، إلا أن ذلك يبدو متعذرا في الوقت الراهن ، ما يعزز فرضية السلوك باتجاه إدخال العناصر الخارجية إلى الأزمة للمساعدة في تفكيك طلاسمها إذا جاز التعبير. فالخاطفون لم ولن يستجيبوا لأي ضغط لبناني وفي أي ورقة يتم التعامل فيها والتفاوض عبرها، سيما وان الخاطفين يستعملون الرهائن كوسيلة ابتزاز يومية للبقاء على قيد الحياة في ظروف جبلية قاسية، وهم غير مستعجلين على إيجاد حل طالما أن المخطوفين بمثابة الأوكسجين الذين يتنفسونه عبرهم. إضافة إلى ذلك أن عامل الوقت يبدو حادا في آثاره على الخاطفين ، ما يفسر ظاهرة الإرباك الواضح والمتمثل بالتهديد بالذبح وهذا ما نفذ بكل برودة أعصاب ، الأمر الذي سيتكرر إذا لم يتم التعامل معه بجدية ووضوح وحزم .

14‏/12‏/2014

المعلن والمضمر في “النووي الإيراني”

د .خليل حسين / المعلن والمضمر في “النووي الإيراني” / صحيفة الخليج الاماراتية 6-12-2014 مفارقة المفاوضات في البرنامج النووي بين طهران والغرب، تكمن في ازدواجية الصور التي يطلقها الطرفان، إن كان في الجانب المعلن منها، أو المضمر إيحاءً وتأويلاً . وفي كلتا الحالتين ثمة صور نمطية باتت مألوفة لدى الجانبين وهي بمثابة الإشارات التي يُحسن كل طرف استثمارها والبناء عليها لمراحل لاحقة، وإن اختلفت الأهداف والغايات منها، إن كانت مباشرة أو غير مباشرة . انتهت مفاوضات مسقط في سلطنة عمان وكأنها الفرصة الأخيرة قبل قيام الساعة، فيما الواقع غير ذلك تماماً، كان الجانب التقني للملف شبه منجز وهو ما يهم الغرب عامة و"إسرائيل" خاصة، فيما الجانب المتعلق برفع العقوبات هو أيضاً متفق عليه بصرف النظر عن حجمه وكمه النوعي والزمني، في وقت انتقلت فيه المفاوضات إلى جنيف لتختتم في الرابع والعشرين كما هو متفق عليه في إطار الاتفاق الثاني . والمفارقة هنا أيضاً اتفاق الطرفين على قاعدة "واقضوا حوائجكم بالكتمان"، في المعلن إعلان نوايا متمم لما سبق، وفي المضمر اتفاق على إغلاق ملف هذه الجولة في يونيو/ حزيران المقبل، ضمن آلية محددة لمسار وآليات التفاوض الفرعية تبدأ الشهر المقبل، على أمل التوصل إلى نهايات محددة أكثر دقة في مارس/ آذار المقبل قبل الوصول إلى خواتم واضحة في يونيو . في الجانب التقني المضمر، لم تتخل طهران عملياً عن التخصيب، لكن تم تحجيم العملية بكميتها وأيضاً بنوعيتها . وهو أمر لا يشكل خسارة استراتيجية لطهران، خاصة أن التفاوض هو على عدم زيادة أجهزة الطرد المركزي التي هي بمجملها تصل إلى التسعة عشر ألف جهاز، وهي علمياً وعملياً من الوسائل التي باتت تقليدية مقارنة مع وسائل أخرى، كما هو الحال مثلاً في "مجمع أراك" الذي يعمل بالمياه الثقيلة لإنتاج البلوتونيوم، وهي الوسيلة الأسرع والأهم تكنولوجياً مقارنة بتخصيب اليورانيوم . وهو ما تحاول الدول الست وبخاصة فرنسا التوصل إلى اتفاق محدد بشأنه . إضافة إلى ذلك ثمة جوانب متعلقة بآليات التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بادعاءات غربية حول منشأة في جنوب غرب إيران يجرى فيها تجارب وصلت إلى مراحل متقدمة وتشكل قلقاً "إسرائيلياً" شديداً . وفي هاتين المسألتين تمكنت إيران من تقديم بدائل مقنعة للغرب تخفف الهواجس والمخاوف الأمر الذي سيعمل على تظهيره بصوره النهائية في حدود آذار المقبل . وفي جانب إنهاء العقوبات المفروضة على إيران، قدمت الدول الست عرضاً يبدو مجزأ، لكنه يوصل إلى أهداف طهران العملية . لا رفع للعقوبات دفعة واحدة، وإنما على مراحل زمنية متقاربة ضمن كميات مالية تصل الواحدة منها إلى 700 مليون دولار، مترافقة مع حوافز تجارية ونفطية تراها طهران ضرورية في المجال الاقتصادي الراهن الذي بدأت آثاره تشكل أمراً ينبغي التوقف عنده . وفي الواقع تثار الأسئلة حول الدوافع التي جعلت واشنطن تبدي استعدادها للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي حتى لو أدى ذلك إلى تبرم حلفائها من العرب و"الإسرائيليين" . في الواقع لا بد من ملاحظة أن الإدارة الأمريكية لم تتمكن من إحباط مساعي إيران في المجال النووي من خلال العقوبات، كما أن العمل العسكري يبدو غير مضمون النتائج، في ضوء الحسابات العسكرية المعقدة والتداعيات المحتملة لذلك . كما لا تستطيع الإدارة الأمريكية الاستمرار في الحفاظ على تماسك المجموعة الدولية "5+ 1"، بخاصة أنها أخفقت مرة أخرى في العودة إلى مجلس الأمن لمتابعة البرنامج النووي، في ضوء معارضة موسكو وبكين، بل إن روسيا أعلنت مواقف واضحة بشأن استعدادها لرفع العقوبات عن طهران من جانب واحد، إضافة إلى عقد صفقات طويلة الأجل معها في الشقين النووي والاقتصادي . في المقلب "الإسرائيلي" الآخر، تبدو القراءة لما تم التوصل إليه قراءة متوترة يغلب عليها طابع التوجس كالعادة، باعتباره ملفاً لا ينبغي التوصل إلى حل فيه على قاعدة دبلوماسية، وتعتبره في أحسن الأحوال إعلاناً أفضل من اتفاق سيء يمكن التوصل إليه، وهذا ما ظهر واضحاً عبر تصريحات كثيرة للقيادات السياسية والعسكرية "الإسرائيلية" خلال المفاوضات وبعدها . في أي حال، تشكل الفترة المقبلة فترة بالغة الأهمية على المنطقة وملفاتها الملتهبة، وهي بمثابة بداية تشكل إطاراً لنظام إقليمي، فيه الكثير من المتغيرات التي سادت العقود الماضية، ويبدو من الواضح حتى الآن أن ترتيبات كثيرة ستظهر وتعيد النظر بالكثير من الصور التي سادت مؤخراً . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/b8876a44-c327-4b63-a261-dee61a64e197#sthash.1T0DGhVK.dpuf

بوتين وقمة العشرين

د . خليل حسين / بوتين وقمة العشرين / 28-11-2014 في القمة ما قبل السابقة التي عقدت في موسكو، كانت الأزمتان الأوكرانية والسورية في أوج صعودهما، وكانت المواقف الدولية بحاجة لمخرج ما يعيد توازن القوى في التقديمات والتنازلات المتبادلة، إلى حد ترضى به الأطراف الرئيسة الفاعلة في الأزمتين، دون ضرورة موافقة أصحاب الأزمتين نفسيهما . قطف بوتين اللحظة المناسبة فقدم إيقونة السلاح غير التقليدي السوري المتمثل بالسلاح الكيميائي والبيولوجي هدية مجانية لطرف ثالث هو "إسرائيل"، فكان التلقف الغربي وسكوته المؤقت في الأزمة الأوكرانية، ضُم القرم بصرف النظر عن غطائه القانوني، وظلت الأزمة قائمة بين الغرب وموسكو، دون تحديد أطر وآليات محددة لحلها، زادت الأمور تعقيداً في مجمل الملفات الإقليمية بدءاً من المجال الحيوي الروسي، مروراً بالشرق الأوسط، وصولاً إلى شرق آسيا وغيرها، والملفت في السلوك الروسي هنا البحث الدائم عن ملفات للمقايضة وشراء الوقت ولو كان مكلفاً . في قمة العشرين الأخيرة في أستراليا، عبّر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن حنقه وسخطه من الضغوط الغربية وبخاصة الأمريكية عليه، بالانسحاب الدبلوماسي قبل الاتفاق على البيان الختامي، متذرعاً بحاجته للنوم، وهو أسلوب تهكمي يعكس واقع روسيا بوتين وعدم قدرتها على فرض ما تريد في بعض الملفات ومن بينها الأوكرانية تحديداً . باعتبار أن باقي الملفات هي قابلة للأخذ والرد في حدود معينة وفي بعض جزئياتها . في ملف الأزمة الأوكرانية، قدّم بوتين طرحاً مبتكراً من الطريقة السويسرية والنمساوية في مرحلة الحرب الباردة في القرن الماضي، على قاعدة فيدرالية أوكرانية لحل عقدة الأقليات في الداخل ومنها الروسية، مقرونة بحياد في الخارج بين الأحلاف بهدف إبعادها عن المنافسات والمناكفات الإقليمية والدولية الحاصلة . وإذا كانت ظروف الأوضاع الأوروبية السابقة سمحت بتمايز النمسا وسويسرا بحيادهما، فهل ثمة ظروف متشابهة تسمح بمثل هذا التمايز لأوكرانيا حالياً؟ وما هو الموقف الآخر من ذلك؟ ثمة قول يُتندر به مفاده: "يحج والناس راجعة" وهذا ما ينطبق على الرئيس بوتين، فالنمسا وسويسرا تخلتا عن حيادهما، بعدما أصبح الحياد مستحيلاً في هذا الزمن، الذي تحكمه شبكات معقدة جداً من المصالح، بصرف النظر عن الخلفيات الإيديولوجية أو العرقية أو القومية أو غيرها . وبالتالي إن طرح الحياد الأوكراني غير قابل للتطبيق لا من الوجهة الذاتية المتعلقة بظروف أوكرانيا وقدرتها على فرضه إذا تم التوافق عليه، ولا من الوجهة الموضوعية غير المتوفرة أصلاً والمتمثلة برفض الأطراف الإقليميين والدوليين، وهما شرطان أساسيان ولازمان لنجاح المشروع . في الواقع قدّم بوتين مشروعه بشكل لا يمكن القبول به، حتى وإن اقتنع الآخرون به، فهو حيّد منطقة القرم عن المشروع، معتبراً أنها ضُمت نهائياً إلى روسيا، وهي المنطقة المختلف عليها في الأصل بصرف النظر عن حجم ووزن وتعداد الروس في باقي الأقاليم الأوكرانية , وهو الأمر الذي لم يهتم به الغرب لا من قريب ولا من بعيد، بل كان مجالاً لإطلاق المواقف التي تزيد منسوب التوتر بين موسكو والغرب، أقلها تشبيه روسيا بوتين، بالخطر على العالم مثل فيروس إيبولا أو داعش ! وهي توصيفات تعكس مدى حجم الأزمة بين الطرفين . في أي حال، إن الأزمة لا تبدو في طريقها للضمور أو التراجع النسبي، وبالتالي إن الطرفين سيبحثان عن وسائل أخرى إما للاحتواء أو التصعيد وهو الأرجح، لكن على قاعدة التفتيش مرة أخرى على سلة من التنازلات المتبادلة، فيها نوع من المكاسب والخسائر، القابلة للتعويض في بعض جزئيات من ملفات أخرى لا تزال عالقة، ومن بينها الملفات العربية وبالتحديد السورية . فهل ستشهد الفترة القادمة خلط بعض جزئيات الملفات الإقليمية لبلورة خارطة طريق روسية للتعامل مع الغرب؟ إن مشكلة موسكو تكمن في امتلاكها من القوى التي يمكن أن تمكنها في يوم من الأيام العودة إلى الساحة الدولية كقوة عظمى منافسة للولايات المتحدة، لكنها في نفس الوقت أيضاً وأن امتلكت الوسائل المشروعة، فهي بحاجة إلى مزيد من الوقت لتقبل العالم لطموحاتها وتطلعاتها، ذلك رغم وجود الكثير من الممتعضين والمناوئين للسياسات الأمريكية، والتي لم تعرف موسكو كيف تستغل هذه الميزة المجانية . في أي حال ظلت قمة العشرين وأن توصلت إلى تقديم العديد من الرؤى لبعض المسائل الدولية، محطة جمعت قادة كبار الدول، والطريف فيها هذه المرة، حجج النعاس الذي غلب على صاحب الوجه الرخامي . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/2cccc60e-232a-4738-98b6-bfd6456f4063#sthash.Ey16QCBP.dpuf

النووي الإيراني بين التمديد والتحجيم

د .خليل حسين /النووي الإيراني بين التمديد والتحجيم / صحيفة الخاليج الاماراتية 19-11-2014 الطرفان الإيراني والغربي مضطران لتحديد أطر واضحة لمستقبل ملف طهران النووي الذي يرتبط بالكثير من القضايا التقنية ظاهرياً، والسياسية الإقليمية مضموناً، وفي هذه الحال من الطبيعي أن يصل أسلوب التفاوض وتقديماته المتبادلة إلى خطوط تبدو صعبة للطرفين . في المبدأ، وإن بدت مفاوضات مسقط الأخيرة نوعاً من سياسة حافة الهاوية التي تنطوي على شد وجذب تعدى الإطار التقني للملف، إلى سياسات متبادلة برزت مظاهرها في الرسائل المتبادلة بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما، والمرشد علي الخامنئي، على قاعدة المشاركة في الحرب على الإرهاب . وإذا كان هذا الملف يعتبر مدخلاً للشراكة الغربية الإيرانية مستقبلاً، إلا أنه من المبكر التحدث عن تفاصيله في ظروف تغرق فيها المنطقة بكثير من أزمات مزمنة متشابكة ومعقدة لجهة المصالح وكيفية التعاطي معها لحلها . في الجانب التقني للمفاوضات، ما زالت المواقف عند حدها الأولي، طهران واصلت التشدد في مطالبها لجهة إبقاء أجهزة الطرد المركزي عند الحد الفعلي الذي تمتلكه، مع تقديم ليونة في عدم زيادتها، ذلك بالتوازي مع تقديم تسهيلات أخرى في إجراءات الرقابة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية . في مقابل الاقتراحات الغربية المتمثلة بتخفيض عدد أجهزة الطرد إلى عدة آلاف لا تتجاوز الخمسة، مع نقل وتخزين كميات اليورانيوم المخصب إلى روسيا ومساعدة هذه الأخيرة بإمداد طهران بالكميات التي تحتاج إليها في النسب التي تتخطى الخمسة في المئة . ما يعني أن إطار المفاوضات ظل في بدايته، رغم إصرار الطرفين على التوصل لأطر أخرى ولو كانت جزئية، ضمن سلة متكاملة يمكن تظهيرها في جولات مقبلة . وإن كان الجانب التقني على أهميته الإقليمية وبخاصة إلى الجانب "الإسرائيلي"، فإن ملفات أخرى يربطها الطرفان في سياق الحل النهائي للملف النووي، وعليه ستشهد الجولة المقبلة مزيداً من المزج والخلط التقني بالسياسي، على قاعدة عدم فصل القوة التكنولوجية عن الثقل السياسي للدول، وهو اعتبار غربي كما هو إيراني، ومن الصعب تجاهله والقفز فوقه في أية تسوية محتملة مستقبلاً . إضافة إلى ذلك، ثمة معطيات إضافية مستجدة لدى الطرفين الأمريكي والإيراني، ستدفعهما إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على أي خطوات حاسمة، من بينها سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ مؤخراً، والواقع الذي يمكن من خلاله عرقلة الإدارة الأمريكية الديمقراطية ومنعها من التوصل إلى اتفاقات نهائية قبل سنتين من الانتخابات الرئاسية، في مقابل تربص المتشددين في إيران بالسلوك التفاوضي والسياسي للإصلاحيين، وعليه يبدو أن ثمة مصلحة متقاطعة لكل من الطرفين للتوصل إلى إنجاز ما، ولو كان جزئياً يحمي المفاوضات نفسها من الانهيار أولاً، ويحمي البيئة السياسية الداخلية لكلا الطرفين من مراقبة المتشددين . في أي حال من الأحوال، ثمة مصالح متقاطعة يبحث الطرفان إلى عدم ضياعها، وبالتالي إيجاد فرص أخرى للتواصل على قاعدة عدم الخسارة الكاملة والربح الكامل . تبدو طهران مضطرة لتقديم شيء ما في الجانب التقني، مقابل حاجتها للجانب الاقتصادي الذي أرهقته العقوبات مترافقاً مع كسب في ملفات سياسية وأمنية إقليمية تحاكي طموحاتها، مقابل مرونة غربية في الجانبين السياسي والاقتصادي لمصلحة التشدد في الجانب التقني الذي يريح الغرب ويطمئن "إسرائيل"، ويعطي الانطباع للطرفين بثقة غير المهزوم الذي يحاول قطف النصر الذي لم تكتمل شروطه حتى الآن . في أكتوبر/تشرين الأول ،2013 تم التوصل إلى اتفاق إطاري، جرى بعض التقدم الخجول فيه، وصولاً إلى تمديد ثان حتى 24 الحالي، يبدو أن الطرفين بحاجة إلى مزيد من الوقت لإنجاز اتفاق مبدئي جزئي، وهو أفضل السيناريوهات المطروحة جدياً وعملياً، على قاعدة أن قضم الحل قطعة قطعة، أفضل من بلعه من دون هضم، وهو مسار يعرف الطرفان كيفية المضي فيه والاستفادة منه ولو اتخذ أشكالاً وأنواعاً من الشد والجذب السياسي والأمني في المنطقة . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/ef5356e8-852f-4d9a-be4b-aaff7800e036#sthash.ljTuTvHe.dpuf

أسباب تصاعد الحركات الأصولية

د . خليل حسين /أسباب تصاعد الحركات الأصولية/ صحيفة الخليج الاماراتية 15-11-2014 ثمَّة العديد من الأسباب الذاتية والموضوعية التي ساعدت في تصاعد الأحزاب والحركات الأصولية في المنطقة العربية . فوصول الجمهوريون وبالتحديد فئة "المحافظون الجدد" إلى السلطة في الولايات المتحدة، شكَّل تحوّلاً دراماتيكياً في السياسات الخارجية الأمريكية وبخاصة تجاه الشرق الأوسط، والذي أدّى إلى تشكيل بيئة مواجهة وصلت إلى حدود استعمال القوة العسكرية في مواجهتها . فاجتياح "إسرائيل" على سبيل المثال للبنان في العام 1982 وعدوان تموز ،2006 والعدوان على غزة 2008 و2010 و2014 وبدعم أمريكي واضح، نقل منطقة الشرق الأوسط من ضفة إلى أخرى، تميّزت بمواجهات دامية وأسست لبيئات سياسية واجتماعية متطرِّفة نظرت إلى الولايات المتحدة نظرة عداء كونها تشكل الداعم الاستراتيجي ل "إسرائيل" في المنطقة . وسرعان ما ترسخ هذا الاتجاه في عقد الثمانينات من القرن الماضي وما تلاه . كما ساعد الوضع السالف الذكر، بشكل مباشر على إحياء إيديولوجيات ذات طابع أمني عسكري، ومرد تلك الاحتلالات التي ظهرت في غير منطقة في الشرق الأوسط، بدءاً من لبنان وصولاً إلى أفغانستان والعراق، الأمر الذي أوجد غطاءً شرعياً اجتماعياً حاضناً للأحزاب والحركات التي واجهت الوضع القائم آنذاك . كما أن فشل الأحزاب القومية العربية والشيوعية في تحقيق الآمال التي وعدت بها شعوبها، أدى إلى واقع اجتماعي سياسي تعبوي مختلف، سرعان ما تحولت الجماهير العربية والإسلامية عن أحزابها ومضت باتجاه الأحزاب الراديكالية التصورات، والتي تمثلت بالأحزاب ذات التوجه الديني وحتى المذهبي . وتشكل قدرة هذه الأحزاب التعبوية الهائلة بحكم الأدوات والوسائل التي تستعملها وبخاصة الدينية منها، جعلها بحراً كبيراً لاستيعاب جماهيرها في الوقت الذي تميّزت بحسن تقديماتها وحل مشاكل جماهيرها، الأمر الذي رسّخ فكرة نجاحها في الذاكرة الجماعية لمناصريها، وبالتالي تأييدها والاندماج في صفوفها بصرف النظر عن دقة وصوابية طروحاتها تجاه الأزمات التي ينبغي اتخاذ مواقف فيها . إن فشل الأنظمة الحاكمة في تقديم أي أمر وعدت به، أدّى إلى تهميش دورها ورعايتها المفترضة لناسها ومواطنيها، ما سهّل للأحزاب البديلة الحلول مكانها وقيادتها للسياسات الداخلية والخارجية للدولة، حتى باتت سلطات الأنظمة هيكلاً فارغاً من دون مضمون، الأمر الذي سهل عملياً تآكلها من الداخل تمهيداً لانهيارها . كما أن فشل مشاريع السلام المقترحة أمريكياً أدّى بشكل أو آخر إلى تقوية مواقف الأحزاب الدينية، التي توصف عادة بالراديكالية أو بالأصولية، ما عقَّد الأوضاع القائمة من دون ظهور محاولات جديدة قابلة للحياة . إن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه معظم الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط، باتت قاب قوسين أو أدنى لتغيير العديد من أنظمتها التي استهلكتها عبر عقود طويلة . بل إن مجمل الثورات العربية القائمة حالياً تعبّر عن انعكاس موضوعي لواقع الحال التي وصلت إليها هذه الأنظمة وعدم قدرتها على تقديم أي بديل للأمر الواقع التي تعيش فيها جماهيرها . صحيح أن عمليات التغيير يمكن أن تؤدي إلى استقرار سياسي واجتماعي، لكنه ليس بالضرورة قادر على إنتاج وقائع وأوضاع يمكن أن يبنى عليها لبيئة سلمية في الشرق الأوسط . ومرد ذلك أن هذه الثورات في الأعم الأغلب، سوف تتجه بعكس ما كان عليه الأمر مع الأنظمة السابقة، وبالتالي عودة التشدد إلى الحياة السياسية العربية في ظل إعادة تموضع الأحزاب المتشددة بين الثورات القائمة وشرائح الشباب المحرك لها . من هنا يثار السؤال الأهم، ما العمل؟ هل ثمة حاجة ملحة وضرورية لإعادة صياغة فكر قومي عربي يتلاءم والمتغيرات الحاصلة في مجتمعاتنا وأنظمتنا العربية، أم أن أخطاء وخطايا ممارسات الأحزاب والحركات القومية في وطننا العربي، باتت راسخة في الوعي والعقل الجماعي العربي، ما يبعد هذا الاحتمال الحل، وبالتالي بقاء الحركات والتنظيمات المنافسة لها هي البديل رغم صورها السوداء في عقول معظم المجتمعات العربية، خاصة بعد ظهور "داعش"، وما حاولت ترسيخه من صور نمطية مظلمة . يبدو أننا نحن العرب نمر بأزمات خطرة وحرجة، من الصعب احتوائها وتقديم بدائل سريعة قابلة للحياة . ويبدو أننا ما نمر به اليوم هو تكرار إلى حد كبير للذي مرت به المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى، ويبدو مرة أخرى أننا بحاجة نحن العرب لقراءة دقيقة لما مرَّ به غيرنا من شعوب وأمم، وبالتالي محاولة فهم دقيق للاستفادة من هذه التجارب، لكن معروف عنا أننا أمة لا تقرأ، وإذا قرأت وفهمت لا تعرف كيف تستفيد من أخطاء غيرها، إنها حقاً مصيبة! - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a2015e22-cade-4395-bb2b-e8233c7f23f4#sthash.oQddqAMV.dpuf

النازحون السوريون في لبنان ومؤتمر برلين

د .خليل حسين / النازحون السوريون في لبنان ومؤتمر برلين / الخليج الاماراتية 6-11-2014 لا يكفي لبنان من الأزمات القاتلة ليزداد عليها ملف يمس كيانه إن لم يكن وجوده، وهذا تقريباً ما بات يجمع عليه اللبنانيون على مختلف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية والطائفية والمذهبية . فلبنان الذي احتضن وعبر سياسة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، ما يقارب نصف عدد سكانه من اللاجئين السوريين والفلسطينيين، ما بات يهدد فعلاً التركيبة الديموغرافية للبنانيين التي تعاني أصلاً خللاً واهتزازاً اجتماعياً أدى في غير مناسبة، إلى إشعال أزمات وطنية حادة تطورت غالباً إلى صراعات مستترة أحياناً، ومكشوفة أحياناً أخرى . ولبنان الذي يعاني أساساً أزمات اقتصادية واجتماعية يضاف إليها الأمنية، بات عاجزاً عن الاستيعاب القسري لموجات النازحين، وهو في الواقع غير قادر لأكثر من سبب على تطبيق ما يتخذه من قرارات حتى تلك المتعلقة بوقف استقبال النازحين، وهو الملف الذي حمله رئيس الوزراء، تمام سلام، إلى مؤتمر برلين، لعل وعسى أن يجد مخرجاً للوضع المأساوي القائم . جل ما كان متاحاً هو السماع لأفكار ومقترحات مرتبطة أولاً وأخيراً بمواقف الدول الوازنة في هذا الشأن، من بينها إنشاء مخيمات في مناطق آمنة على الحدود اللبنانية السورية لإيواء وتنظيم اللاجئين في مقدمة للعودة إلى مناطقهم الأساسية في سوريا، وهو أمر اعتبره المؤتمر، مرتبطاً بالحل السياسي للأزمة السورية، ما يعني أن الموضوع بآليته التنفيذية أمر مؤجل من الصعب التكهن بتوقيته ولا حتى بداياته أو نهاياته المحتملة . وبصرف النظر عن هذه الحيثية أو تلك التي سادت المؤتمر، تمكن لبنان عملياً من عدم الوقوع في فخ التوقيع على اتفاقية 1951 للاجئين، والتي تجعل من لبنان بلداً مستقبلاً ومستوعباً للنازحين واللاجئين، وبما يترتب عليه من واجبات ومسؤوليات دولية لو وقع عليها، وهو أمر من الصعب على لبنان تحمل نتائجه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في ظل ظروفه الحالية وحتى المستقبلية . فاللاجئون وفقاً لهذه الاتفاقية تمنح لهم حقوق تصل إلى حد التوطين والاندماج الاجتماعي، ما يعني أن اللبنانيين في لبنان سيصبحون جالية لبنانية في بلدهم، كبقية الجاليات الموجودة فيه، الأمر الذي سيشكل تهديداً لكيانه ووجوده الذي أنشئ في عام 1920 وفق تركيبة جيو طائفية ومذهبية دقيقة، راعت الكثير من التوازنات الطائفية والمذهبية، فكيف بالإمكان إضافة ما يوازي نصف سكانه إلى هذا الخليط الهجيني التركيب الذي لم يعرف طعم اللحمة الوطنية الحقيقية منذ تأسيسه . في عام 1969 شُرع الوجود المسلح الفلسطيني وما رافقه من نزوح بعد معركة أيلول الأسود في الأردن، عبر اتفاق القاهرة، الذي يعتبره بعض اللبنانيين السبب الأساسي لانطلاق الحرب الأهلية، اليوم يتوجس اللبنانيون خوفاً مما ينصب لهم من محاولات لتشريع وتنظيم الوجود السوري في لبنان، باعتباره سيصبح واقعاً مؤثراً في المستقبل كما حدث مع الفلسطينيين بدءاً من العام 1948 في لبنان، وتحولوا من لاجئين إلى فئة اجتماعية يصعب تصنيفها القانوني أو وضعها العملي . لم يكن مؤتمر برلين سوى محطة من محطات أزمة اللاجئين السوريين وغيرهم في لبنان، ولم يتمكن لبنان من إقناع المشاركين وهم أربعون دولة واثنتا عشرة منظمة بوجهة نظره، وجل ما تمكن من تحقيقه وعد مالي بثمانية ملايين دولار، وهولا يسمن ولا يغني من جوع، في بلد وصلت نسبة العجز فيه إلى مستويات مرعبة، وازدياد نسبة مواطنيه الذين يعيشون فيه إلى ما دون خط الفقر، إضافة إلى الضغط الأمني والاجتماعي والنفسي المرعب . وُعد لبنان بمتابعة المؤتمر في التاسع من ديسمبر/ كانون الأول المقبل، لكن من يعرف ماذا سيحدث في لبنان إلى ذلك الحين، ثمة تطورات أمنية وعسكرية متسارعة، فكيف سيكون عليه حال هذا الملف؟ وهل المجتمع الدولي جاد في تسوية مثل هذه الملفات؟ أم أن الأمر لا يعدو بحثاً عن مجموعة من الملفات تزيد الأمر تعقيداً في لبنان لتسهيل انفجاره من الداخل حين يراد له ذلك، يبدو أن الأمر كذلك . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/07a3e942-6d71-4d0a-9a3f-846378f7954b#sthash.daFUyVdv.dpuf

سيكيولوجيا الارهاب الداعشي

د.خليل حسين / سيكيولوجيا الارهاب الداعشي/ صحيفة الخليج الاماراتية 27-10-2014 بات من المؤكد في سياقات علم الإجرام، أن الإرهاب بمختلف مظاهره ووسائله وأنواعه وأدواته، ظهر منذ بدء تأسيس المجتمعات البشرية، بعضها ساد وحقق نتائج محددة، وبعضها الآخر انتهى وتلاشى دون ترك أثر فاعل يذكر . واليوم يعيش العالم بأسره وبخاصة المناطق العربية والإسلامية، مظاهر إجرام "داعشي" هو الأشد عنفاً وسوءاً وتداعيات، ولم يسبقه في ذلك في تكريس صوره النمطية إلا الإرهاب الصهيوني، فيما نحن العرب والمسلمين ما زلنا مختلفين حول جنسه وكيفية محاربته، بعدما بات يهدد العقل العربي والإسلامي في سلوكه وخياراته وطريقة تعاطيه مع الوقائع المستجدة بشكل متسارع . والذي يتميز به الإرهاب الداعشي ليس وحشيته ووسائل زرع رعبه، وإنما تميزه وبشكل لافت عن غيره، باللعب وعبر وسائل نفسية يظهرها بأطر دعائية فيها الكثير من الحنكة والدهاء، ولا نقصد "داعش" هنا بالتحديد، بقدر ما نسلط الضوء على هذه الظاهرة الاستثمارية التي يمكن الاستفادة وبنسب عالية جداً منها . لقد أجادت "داعش" لعبة الميديا لاختراق العقل والذاكرة العربية والإسلامية، فقد لجأت مثلاً إلى تصوير عمليات الذبح، والرجم، وبطرق تصويرية وأنماط متقدمة جداً، بالنظر لاعتقادها المسبق أن من تمارس عليهم إرهابها هم كفرة في الأساس، ويجوز قتلهم واسترقاقهم وسبي نسائهم . لماذا تقدم "داعش" الصورة والصوت، لترويج أفعالها الإرهابية؟ بكل بساطة لدب الذعر والخوف على من يمارس الفعل عليهم، وبصرف النظر عن البيئة التي ينتمون إليها، اقتصادياً واجتماعياً وعقائدياً . لكن ثمة جانب آخر لهذه القضية، وهو تخدير العقل العربي بسلوك يعتاد عليه مع الوقت ولا يصبح أمراً اجتماعياً محرجاً . وإذا كان الإطار العام يبدو بتعميم الرعب والخوف، فإن الجانب الأكثر فاعلية يمارسه عبر انتقاء ضحاياه بدقة، وإن يكن الظاهر جماعات أكثر منها أفراداً . فالمهم هنا استغلال خصائص الضحية بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستغلال المزدوج في بعض الحالات، ذلك كما حدث مثلاً مع الأقلية المسيحية والازيدية في العراق، وهي حالات يراد منها التعميم على جميع الأقليات المذهبية والدينية في المجتمع العربي . والأمر ينطبق أيضاً على الأقليات القومية كما حدث مع الأكراد وما يجري حالياً في كوباني . والأخطر من ذلك كله، يبحث عن الصور الإجرامية الأكثر استفزازاً، ويطبقها في مكان وزمان محددين، وليس بالضرورة الإعلان عنها أو عرضها في وقتها، وإنما يمكن تركها لظروف تكون الاستفادة منها أكثر رعباً وخوفاً، كما تم عرض رجم امرأة، كان نفذ الحكم فيها قبل أشهر عدة . والأخطر من ذلك، أنه يتلبس لبوس الدين في الشرع والشريعة على ضحاياه . إن مقاربة بسيطة لتلك الصور النمطية، تثبت أنه لعب ويلعب على عامل الوقت لترسيخ سلوك نفسي اجتماعي في العقل الباطني العربي، مفاده أن لا رد لهذا القدر، فإما الاستسلام والانهزام، وإما مواجهة القتل بأبشع صوره ووسائله . وهو وضع يكون فيه الفرد وكذلك المجتمع، في حالة يأس واكتئاب وجودي، ما يسهّل ممارسة ضغوط نفسية اجتماعية أخرى عليه تزيده ضياعاً واستسلاماً . وإذا كان بيت القصيد في الإرهاب "الداعشي"، الإخضاع والخنوع، فإن مكمن التصدي له هو التصميم على مواجهته، وعدم القبول بأمر واقع يحاول فرضه . وسر القضاء على هذا النوع من الإرهاب هو الاقتناع بسهولة كسره، باعتباره نمراً من كرتون أولاً، وثانياً التأكد من أنه لا يعدو كونه حالة استثمارية يُعمل به لأهداف محددة، وسرعان ما يتم التخلي عنه بعد قضاء مستلزمات الظروف والبيئة التي يتم وضعه بها . إن سيكيولوجيا الإرهاب "الداعشي"، أمر ليس بالسهل القضاء على نتائجه وتداعياته أينما حل وأجرم، إنما الأكيد أن الإجماع البشري على خطورته وضرورة القضاء عليه، يعطي دفعاً إضافياً لكل متضرر ومتوجس العمل لمواجهته ولو باللحم الحي . ثمة تطابق كامل بين الإرهاب الداعشي والصهيوني، وقد لعبت هذه الثانية على العامل النفسي للقضاء على العرب الفلسطينيين خلال أكثر من ستة عقود ولم تتمكن، بفضل المواجهات الجادة لها، واليوم ربما التجربة ستتكرر مع الصهيونية الجديدة، المتلبسة لبوس "داعش" وأخواتها في المنطقتين العربية والإسلامية . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/a5fa7f83-772a-44e0-b20c-eba7548b3d8f#sthash.1zBwypXD.dpuf

النووي الايارني بين التهديد والتمديد

د.خليل حسين النووي الايارني بين التهديد والتمديد / صحيفة الخليج الاماراتية 18-10-2014في وقت تتصاعد فيه التصريحات حول مستقبل مفاوضات إيران النووية مع الدول الست، واحتمال تمديدها لفترات أخرى، تتصاعد وتيرة تأجيج الأزمات وملفاتها في المنطقة . وعلى وقع التفاوض على حافة الهاوية، تظهر بؤر التصعيد الاستثماري في غير منطقة وفي غير ملف، فما هي إمكانية التمديد؟ وما حقيقة التهديدات المتبادلة ولو بالواسطة؟ والى أين تتجه الأمور؟ في نوفمبر/ تشرين الثاني العام الماضي، وفي خضم الأزمة السورية وتبدد مسلسل جنيف السوري، تم التوصل إلى اتفاق إطار بين طهران ومجموعة الست، سقفه الزمني يوليو/تموز العام ،2014 بهدف التوصل إلى حل نهائي . وفي تلك الفترة تصاعد النزاع الداخلي على السلطة في العراق وتم إبعاد نوري المالكي الذي استبدل بحيدر العبادي، ترافق ذلك مع تمديد جزئي حتى 24 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل . وعلى الرغم من عدم الإفصاح لا تلميحاً ولا تصريحاً عن خطوات نوعية في مسار المفاوضات، تم الإيحاء بأن مسار المفاوضات يتطلب قفزات نوعية يبرر التمهيد لوقت إضافي مستقطع لمتابعة المفاوضات . وفي وقت شهد اليمن تطورات نوعية في مسار أزمته الداخلية ببعدها الإقليمي وسيطرة الحوثيين على مناطق استراتيجية على البحر الأحمر، ما مهّد لبيئة إمكانية تمديد المفاوضات على قاعدة أن الاتفاق الإطاري شهد تفهماً متبادلاً يستوجب أحكاماً غير نهائية في هذه الفترة . وسط ذلك، كله تمدد تنظيم "داعش" باتجاهات إقليمية موجعة للفواعل الأساسيين، إن كان في العراق أو سوريا، وكذلك التمهيد إلى إدخال لبنان أيضاً في لعبة الشد والجذب الإقليمي، وهو المكان الأكثر حساسية لطهران، وبرز ذلك عبر افتعال معارك عرسال في سلسلة لبنان الشرقية المواجهة للقلمون السوري، إضافة إلى جبهة الجنوب باتجاه مزارع شبعا والعملية التي تبنتها المقاومة ضد "إسرائيل"، الأمر الذي اعتبر محاولة للتأثير في إمكانية تغيير قواعد الاشتباك وإدارة الأزمات في المنطقة من البوابة اللبنانية عبر "إسرائيل" تحديداً، المعني المباشر في تأزيم الملف النووي الإيراني وإيصاله إلى أماكن غير مرغوبة أمريكياً أو أوروبياً . إن إمكانية إدخال تنظيم "داعش" كحالة استثمارية في الملف النووي الإيراني من البوابة اللبنانية، أمر وارد بنسب عالية، وهي الورقة التي تحرص طهران على عدم اللعب بها في لبنان تحديداً، ويبدو أن الورقة الأصعب التي سترمى في سلة التجاذبات المقبلة هي معركة الشمال اللبناني بدءاً من جرود عرسال مروراً بعكار وصولاً إلى طرابلس، وهي المنطقة التي تتيح ل"داعش" الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط وما يعنيه هذا الوصول من خلط أوراق استراتيجية في المنطقة توازي إن لم يكن أكثر وصول الحوثيين إلى مياه البحر الأحمر . إن عمليات ربط الجغرافيا السياسية بأزمات المنطقة وملفاتها، باتت واضحة وأمراً مرغوباً فيه من كافة الفواعل الإقليمية، لما لها من تأثير مباشر في اتخاذ قرارات مصيرية، وهذا ما أجادته وتجيده القوى صاحبة المصلحة بذلك . وإذا كان الكثير من الملفات يحتاج إلى المزيد من الوقت والمزيد من تبادل التهديدات الموجعة، فإن حسم بعضها أو معظمها، أمر يبدو بعيد المنال، لذا فإن تبادل الضغوط وبخاصة في الجغرافيا السياسية للمنطقة أمر بات من مسلمات إدارة أزمات المنطقة، ومنها الملف النووي الإيراني، وعليه فإن إدارة الأزمات بالأزمات هي السمة الأكثر وضوحاً في هذه المرحلة . لم يعد هناك متسع للوقت قبل استنفاد الوقت المستقطع من عمر التمديد الأول للمفاوضات النووية الإيرانية، الذي سينتهي في الرابع والعشرين من الشهر المقبل، في وقت يتزايد فيه منسوب التهديدات الموجعة للأطراف كافة، فهل ستتمكن أطراف الملف النووي من اجتراح وسائل أخرى لتمديد المفاوضات؟ أم أن الطرف "الإسرائيلي" الأكثر تضرراً بهذا الملف سيعمد إلى إجبار واشنطن على خلط الأوراق مجدداً؟ يبدو أن عملية مزارع شبعا الأخيرة في الأراضي اللبنانية المحتلة رسالة واضحة ل"إسرائيل" في هذا المجال، ويبدو أن القيادتين السياسية والعسكرية "الإسرائيليتين" قد قرأتاها جيداً، ما يعني أن احتمال تمديد المفاوضات بين طهران والدول الست بات أمراً واقعاً ومرغوباً فيه . - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/d36be1c1-6c93-496b-a1b1-e02e1dabcd61#sthash.MTaRpoTr.dpuf