17‏/06‏/2011

حكومة لبنان وسوابقه

حكومة لبنان وسوابقه
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
نشرت في صحيفة الخليج الإماراتية بتاريخ 17-6-2011
www.drkhalilhussein.blogspot.com
ليست هي المرة التي يصنف فيها لبنان ببلد العجائب والغرائب،ولادة حكومة بعد خمسة أشهر من التكليف، دون سبب واضح للتأخير رغم تنوع وتعدد الأسباب، لكن الغرابة ليست في الولادة بحد ذاتها بقدر ما رافقها من تظهير صور ووقائع تلطى خلفها أطراف كثيرين ضمن الصف الواحد. والمفارقة الأغرب ان هذا الفريق تمكن من انجاز تشكيلة تعبر عن واقع أكثرية هشة قابلة للتغيير عند كل منعطف عادي وليس بالضرورة خطير والدليل على ذلك استقالة أحد أعضائها بعد ساعتين فقط من إعلانها .
السابقة في هذه الحكومة ،أنها تشكلت تقريبا من لون سياسي واحد،وهي المرة الأولى في عهد حكم الطائف التي لا يتم فيها اللجوء إلى حكومة وحدة وطنية تراعي تمثيل مختلف الشرائح السياسية والطائفية في لبنان.وفي الواقع ان فرصا كثيرة أعطيت للطرف الآخر للمشاركة لكنها هي من رفضت وأبعدت نفسها على قاعدة مواقف سياسية من الصعب الجمع فيها بين فئتين تقفان على طرفي نقيض في قضايا ومسائل إستراتيجية لا تكتية.
أما السابقة الثانية فتتصل بتمثيل الأحجام والأوزان والطوائف والمذاهب.فعلى سبيل المثال كذلك، تم خرق قاعدة المناصفة بين الطائفة السنية والشيعية،بحيث أعطي مقعد وزاري إضافي إلى الطائفة السنية ليس على قاعدة مذهبية أو طائفية،وإنما لأبعاد ذات بعد سياسي متصل بتمثيل المعارضة السياسية السنية السابقة ضمن الأكثرية الجديدة،وهي مفارقة بحد ذاتها، حيث الإعلان الدعائي لهذا التنازل هو من قبيل الوطني لا المذهبي أو الطائفي.علاوة على البعد الخارجي المتصل بأوضاع هذه الطوائف والمذاهب نفسها في بعض الأقطار العربية التي تشهد حراكا تغيريا يتكأ على مخاطر كبيرة متصلة بفرز مذهبي طائفي في غير قطر عربي.
وبصرف النظر عن هذه السوابق على أهميتها ودلالاتها،ثمة تحديات كثيرة ستواجه الحكومة في أوقات هي الأشد حرجا والتي يمر بها لبنان والمنطقة.وإذا كان البيان الوزاري الذي سيشكل التحدي الأول لجهة تحديد مواقف وعناوين كثيرة متصلة بالمقاومة والمحكمة والسياسة الخارجية وبالتحديد العلاقة مع سوريا، فان التحدي الأكبر يتمثل في قدرة الحكومة على تنفيذ مواقفها الفعلية وان تمكنت من تظهير بيانها الوزاري على الطريقة اللبنانية بحيث تعتبر كل الأطراف هي المنتصرة وان لا غالب ولا مغلوب وهي تسوية اعتاد عليها اللبنانيون مقتنعين لا مكرهين.
ثمة مؤشرات كثيرة مفادها ،ان لبنان سيتلقى مجموعة هائلة من الضغوط الخارجية المتصلة بالقرار الاتهامي للمحكمة الخاصة باغتيال الرئيس الحريري، علاوة على تحديد موقفه مما يجري حوله من حراك لن يسلم هو أيضا منه في فترات لاحقة، مرورا بالأوضاع الاقتصادية والمالية التي ستربك الحكومة بملفاتها المتشعبة،وانتهاء بمؤشرات التصعيد الإقليمي المتصل بالصراع العربي الإسرائيلي الذي ترجح تقارير كثيرة أن الصيف سيكون حار جدا بسببه.
باختصار،اذا كان ثمة العديد من المصالح الداخلية والإقليمية التي تقاطعت وفرضت إخراج هذه التشكيلة الحكومية، فمن باب أولى التنبه إلى وسائل إدارة النزاعات التي ستلعبها هذه الأطراف، فهل سيكون بمقدورها امتلاك هوامش واسعة تتيح لها ضبط المصالح في سلة متباينة الأهداف وهي في طبيعتها غاية في التعقيد؟ أم ان الأمور ستفلت من عقالها في لحظة معينة ويكون فرط عقدها مقدمة لأحداث إقليمية من الصعب ضبط أحداثها ونتائجها بسهولة؟أسئلة من الصعب الإجابة عليها في ظل رمال سياسية متحركة متنقلة من بلد عربي إلى آخر، وفي ظل استغلال واضح لإغراق هذه المنطقة في فوضى خلاقة كما نظَّر لها عتاة المحافظين الجدد الذين يحكمون البيت الأبيض بوجوه ولبوس مختلفة.
لقد تميّزت الحكومة الانتقالية التي تألفت بعد اغتيال الرئيس الحريري والتي ترأسها رئيس الحكومة الحالية، بتكوين بيئة سياسية امتدت فصولها لست سنوات تقريبا، تخللها أحداث مصيرية في تاريخ لبنان السياسي المعاصر، فهل ستكرر هذه الحكومة مسارا مختلفا؟أم سيعيد رئيسها التجربة السابقة بوسائل مختلفة؟ ان طبيعة الواقع اللبناني وما يحيط به من مؤثرات يصعب ضبطها وحصرها،والذي يفيد ان كل الخيارات لدى مختلف الأطراف واردة ، في بلد اعتاد أبناءه إتقان رقصات الموت على ما تبقى لهم من دولة فيها كل شيء سوى مقومات الدولة ،مؤسسات خاوية،وأرض متنازع عليها،وشعب تتقاذفه الأهواء والأنواء