25‏/06‏/2011

كيف تدير سوريا ضغوط الازمة

كيف تدير سوريا ضغوط الأزمة؟
د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
صحيح ان تاريخ سوريا السياسي المعاصر يعج بالأزمات والضغوط الخارجية، لكن الصحيح أيضا ان دمشق سجلت أرقاما قياسية في قدرتها على إدارة الأزمات وتمكنها من الخروج منها بأقل الخسائر الممكنة إذ لم تكن الرابح الوحيد في نهايتها.فهل ستتمكن هذه المرة من فعل الأمر نفسه؟ أم سيكون للضغوط الخارجية والداخلية كلام آخر؟.
ربما سيكون الخطاب الأخير للرئيس السوري بشار الأسد الكلام الفصل في انعطافة الضغوط على النظام واتخاذها منحى آخر.فقد استعملت الدبلوماسية السورية كامل طاقتها في خلال الأشهر الثلاثة الماضية وباتجاهات متعددة وبأهداف متنوعة وبخاصة في دول الجوار الجغرافي السوري،كما الدولي. ولغاية الآن تمكنت من امتصاص الكثير من عناصر التفجير مع هذه الدول رغم وجود ملفات دقيقة وموثقة يمكن ان تفجِّر علاقات ولو كانت توصّف بالقوية ولدرجة العلاقات الإستراتيجية.
اعتمت دمشق أولا طريق الحل الأمني بعدما أيقنت ان ثمة نوايا لدى خصومها تتعدى الإصلاح إلى محاولة إسقاط النظام، ترافق ذلك مع اعتراف واضح من قمة هرم النظام ان ثمة إصلاحات ينبغي ان تأخذ طريقها وهي بدأت فيه عملا لا قولا ولو بعد حين. كل ذلك ترافق أيضا مع جهود دبلوماسية لافتة وفي عز استعار الأزمة.
في مطلع أيار زار وزير خارجيتها وليد المعلم بغداد، وهي العاصمة التي تشكل مدخلا سياسيا – امنيا وكذلك اقتصاديا لسوريا، وهي الساحة التي تشهد حراكا سياسيا عراقيا أمريكيا على قاعدة تجديد بقاء القوات الأمريكية لفترة أخرى، بعد فترة وجيزة قتل خمسة جنود أمريكيين في عملية ذات بعد سياسي لا أمني.
مؤخرا زار مساعد نائب الرئيس السوري،حسن تركماني أنقرة،وأوصل رسائل محددة مرفقة بملفات موثقة عن دور تركي في الأزمة، لكن دمشق لم تقطع صلاتها مع أنقرة في عز الضغوط وبادر الرئيس الأسد بتهنئة رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان لفوزه في الانتخابات التشريعية واعتبرت ان سياسته ذات طابع انتخابي،مع تمييزها للمنحى الذي اتخذه وزير خارجية تركيا احمد داوود اوغلو الذي يعتبر نتنياهو تركيا.في نفس الوقت قرأت دمشق نوعا من التمييز بين موقفي السياسيين الأتراك والعسكريين والأمنيين التي رأت في توجهات الأخيرين موقفا داعما لها على قاعدة العداء المشترك للإخوان المسلمين.وبذلك حاولت دمشق احتواء الموقف التركي والبناء عليه رغم وجود عناصر أكثر من تفجيرية.
في الجانب اللبناني وهو الأكثر حساسية لدمشق بعد معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق قبل عقدين من الزمن،ثمة أيضا ملفات موثقة،لكن دمشق لم تفتحها كاملة رغم دقتها،وهي متروكة لأوقات أخرى ربما سيكون استثمارها أهم وأوسع.ورغم ذلك وبصرف النظر عن النفي،فقد قرأت رسالة أردوغان جيدا حينما أهدى فوزه إلى بيروت ودمشق،فكانت ولادة الحكومة اللبنانية سابقة مدوّية في الحياة السياسية وفي ظل ظروف استثنائية.
علاوة على ذلك،ثمة رسائل واضحة في يومي النكبة والنكسة وجهت عبر الجولان وجنوب لبنان، وبصرف النظر عن الأثر والتداعيات، فان مثل تلك الرسائل وان كانت دبلوماسية الأبعاد ، فان آثارها الأمنية والعسكرية حركت الآلة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في شمال الأرض المحتلة ، مناورات واسعة وكأنها مقدمة لحرب قادمة،وهي بالفعل اذا ما انطلقت ستكون مخرجا لكل القوى في المنطقة.
إضافة إلى هذه السلة الدبلوماسية الوازنة في إدارة الأزمة، ثمة عنصران استراتيجيان اتكأت دمشق عليهما.الأول إيراني والثاني روسي. في المقلب الأول،ثمة معلومات دقيقة مفادها ان طهران ستكون معنية بأي أمر يهدد دمشق من جهة أنقرة، ،ويبدو ان أنقرة قد قرأت أبعادها بدقة. أما المقلب الروسي فالعلاقة هي بطبيعة الحال إستراتيجية بالنظر إلى حلم المياه الدافئة الذي يراود قياصرة روسيا الجدد كما القدماء،حيث لم يبق لموسكو في الشرق سوى قاعدة طرطوس،وهذا ما يفسر الموقف الروسي القوي بوجه مشاريع القرارات في مجلس الأمن.
حتى الآن لم يصدر أي موقف غربي وبالتحديد أميركي يطالب بإسقاط النظام،وجل ما في الأمر مطالبة الرئيس السوري بقيادة عملية الإصلاح،ما يفسر معرفة قوة وحجم النظام ودوره إقليميا ودوليا، وبالتالي عدم قدرتها على إسقاطه لا بالضربة القاضية ولا بالنقاط، وإنما هي عملية إضعاف ومحاولة هز الهيبة ليس إلا.
لقد أعادت دمشق مبدئيا السيطرة جنوبا وغربا وشمالا وشرقا، ولو استمر بعض الحراك الداخلي،إلا ان كلمة الأسد ستحدد بدورها السقف القادم الذي ستفرضه دمشق في مستوى إدارة الأزمة ليس داخليا وإنما إقليميا أيضا.
منذ العام 2001 وسوريا تتعرض لضغوط هائلة بدءا بوضعها على لائحة الدول المارقة مرورا بملف احتلال العراق وصولا إلى ملف لبنان ،معطوفا على ملفات الصراع العربي الإسرائيلي ومفاوضاته؛وفي جميع تلك المراحل تمكنت دمشق من بلع وهضم تلك الضغوط ، وتمكنت في كثير من الأحيان من استثمارها بفعالية كبيرة، وعلى الرغم من اختلاف ظروف الحاضر عن الماضي ،فثمة مؤشرات قوية ان سوريا ستتجاوز أزمتها المفتعلة ولو بخسائر موصوفة، إلا ان عِبَرَ الماضي تفيد أنها قادرة على التعويض في أماكن أخرى لا تقل أهمية لجهة الكيفية والنوعية عدا عن الكميةّ