04‏/02‏/2011

منظمة التجارة العالمية

الفصل العشرون
منظمة التجارة العالمية


القسم الأول

التأسيس والهيكلية ، الأهداف وشروط العضوية

د.خليل حسين
من كتاب السياسات العامة
دار المنهل اللبناني بيروت 2006


تعود نشأة منظمة التجارة العالمية الى الظروف الدولية التي نشأت في اعقاب الحرب العالمية الثانية كتعبير عن النية لبناء نظام عالمي جديد، عبر محورين أساسيين؛ سياسي تمثل بإنشاء هيئة الأمم المتحدة ، واقتصادي تمثل بالاتفاق العام لإلغاء التعريفة الجمركية والتجارة (الغات) ،حيث دخلت هذه الأخيرة حيز التنفيذ في العام 1948. وإذ تعتبر منظمة التجارة العالمية من أقوى المنظمات الاقتصادية المنشأة في القرن العشرين، فقد أشرفت على حسن تنفيذ جولة أورغواي (1986-1994)، وهي آخر جولة وأهم الجولات التي أدت إلى إنشاء المنظمة، لما توصلت إلى نتائج إيجابية حول إلغاء القيود الكمية المفروضة على الواردات، ولم تقتصر على تنظيم تجارة السلع بل شملت تجارة الخدمات وحقوق الملكية الفكرية، كما أفرزت آليات جديدة تتعلق بفض المنازعات التجارية.
أولا : تأسيس الغات (1947)
أفضت مفاوضات جولة جنيف الأولى عن 45 ألف امتياز جمركي بتكلفة عشرة مليارات دولار من التجارة، أي ما يقارب خمس إجمالي إنتاج العالم في تلك الأيام، كما وافقت الدول الـ 23 المشاركة، على ضرورة قبول بعض قواعد التجارة الموجودة في مسودة ميثاق منظمة التجارة الدولية، ورأت ضرورة إنجاز هذا الأمر بسرعة وعلى نحو مشروط لحماية قيمة الامتيازات الجمركية التي تم التفاوض بشأنها. وعرفت هذه الصفقة المشتركة لقواعد التجارة والامتيازات الجمركية في ما بعد باسم "الغات" أو الاتفاق العام للتعريفات الجمركية والتجارة. وأصبحت سارية في كانون الثاني 1948، في حين كان ميثاق منظمة التجارة الدولية لا يزال قيد التفاوض. وأصبحت الدول الـ 23 هي الأعضاء المؤسسة للغات (الأطراف المتعاقدين). وقد تركزت المفاوضات خلال هذه الجولة وجولات أنيسي 1949، وتوركي 1951، وجنيف 1956، وديلون 1961، حول التعرفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وفي الدرجة الأول بين الدول الصناعية .
جولة كنيدي (1964-1967)
أدت هذه الجولة إلى اتفاق "الغات" لمكافحة الإغراق، لكنها فشلت في الاتفاق على القضايا الزراعية في أول محاولة للتفاوض على التدابير غير الجمركية، كما رفضت الاتفاقات الأخرى غير الجمركية في الولايات المتحدة، وكذلك فشلت الاتفاقات حول مكافحة الإغراق وتقدير الجمارك، لأن قانون عام 1962 الخاص بالتوسع في التجارة لم يرد فيه ما يتعلق بالإجراءات غير الجمركية، ورفض الكونغرس الأميركي إقرار تشريع للاتفاقات.
جولة طوكيو (1973-1979)
تعتبر جولة طوكيو محاولة جادة لتوسيع وتحسين نظام "الغات"، فقد تمت صياغة أول مجموعة مبادئ غير جمركية لإدارة تقديم الدعم والرسوم التعويضية والمشتريات الحكومية وتقييم الجمارك وتراخيص الاستيراد والمستويات ورسوم مكافحة الإغراق والطيران المدني ومنتجات الألبان واللحوم.
وفي الجدول التالي ملخص لأهم القرارات التي تم التوصل اليها في جولات الغات السبعة :
السنة اسم ومكان الانعقاد الموضوعات عدد الدول
1947 جنيف التعريفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وخاصة بين الدول الصناعية 23
1949 أنيسي التعرفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وخاصة بين الدول الصناعية 13
1951 توركي التعريفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وخاصة بين الدول الصناعية 38
1956 جنيف التعريفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وخاصة بين الدول الصناعية 26
1960-1961
ديلون التعريفات الجمركية والإجراءات الحدودية الأخرى، وخاصة بين الدول الصناعية 26
1964-1967 كينيدي التعريفات الجمركية وإجراءات مكافحة الإغراق 62

1973-1979 طوكيو التعريفات الجمركية، والتدابير غير الجمركية، واتفاقات نطاق العمل 102
1986-1994


أورغواي


التعريفات الجمركية، والتدابير غير الجمركية، والقواعد، والخدمات، والملكية الفكرية، وتسوية المنازعات، والمنسوجات، والزراعة، وإنشاء المنظمة.. إلخ.
123

ثانيا :هيكلية المنظمة
للمنظمة هيكلية وآاليات عمل تشكل العامود الفقري للخروج بالتوصيات والمقررات وتنفيذها وأبرزها .
- المؤتمر الوزاري يعتبر المؤتمر الوزاري الذي يتألف من ممثلي جميع أعضاء منظمة التجارة العالمية رأس السلطة في المنظمة، الذي يجتمع مرة كل عامين على الأقل. وقد انعقد المؤتمر الوزاري الأول في كانون الأول 1996 في سنغافورة، وانعقد المؤتمر الوزاري الثاني في جنيف في أيار 1998، والثالث في سياتل بالولايات المتحدة الأميركية في كانون الأول 1999،وانعقد المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة تشرين ثاني 2001.اما الخامس فعقد في الصين 2005.
- الأمانة العامة تتكون من المدير العام للمنظمة وموظفين يتمتعون بالاستقلال عن الدول التي ينتمون إليها.
- المجلس العام يضم ممثلين عن الدول الأعضاء في المنظمة، يجتمع مرة واحدة على الأقل شهريا، وله عدة وظائف منها تلك التي يسندها له المؤتمر الوزاري، كما أنه جهاز لفض المنازعات التجارية، وفحص السياسات التجارية. وتخضع له جميع المجالس الرئيسية واللجان الفرعية ومجموعات العمل.
- المجالس الرئيسة
تتكون المجالس الرئيسية من:
- مجلس تجارة السلع: ويحتوي على عدة لجان، منها اللجنة الزراعية ولجنة الإجراءات الوقائية ولجنة مراقبة المنسوجات ولجنة الممارسات ضد الإغراق.
- مجلس تجارة الخدمات: ويشرف على عدة مجموعات منها مجموعة المفاوضات حول الاتصالات ولجنة تجارة الخدمات المصرفية.
- مجلس حقوق الملكية الفكرية: ويهتم ببحث القضايا المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية ذات العلاقة بالتجارة.
- اللجان الفرعية
وتتكون من أربع لجان هي:
- لجنة التجارة والبيئة: وتعنى بدراسة تأثير التجارة على البيئة.
- لجنة التجارة والتنمية: التي تهتم بالعالم الثالث وبالأخص الدول الأقل نموا.
- لجنة القيود المفروضة لأهداف ترتبط بميزان المدفوعات: وتقدم الاستشارات بالقيود التي ترد على التجارة لأهداف ترتبط بميزان المدفوعات.
- لجنة الميزانية والمالية والإدارة: وتشرف على المسائل الداخلية للمنظمة.
وقد بلغت مساهمات الأعضاء عام 2000 حوالي 74 مليون دولار أميركن، حيث يتناسب حجم إسهام كل عضو مع أهمية تجارته الخارجية، اذ تبلغ حصة الولايات المتحدة الأميركية 15.7% من ميزانية المنظمة، بينما تبلغ مساهمة الدول الإسلامية 5.5%،دفعت ماليزيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة أكثر من ثلثي هذا المبلغ .
- مجموعات العمل
وتختص بدراسة الترشيحات لعضوية المنظمة، إضافة إلى مجموعة العلاقة بين التجارة والاستثمار والمجموعة المختصة بسياسة المنافسة.
ثالثا : وظائف المنظمة وأهدافها
للمنظمة أهداف ووظائف متعددة حاولت تحقيقها خلال العقود المنصرمة وأبرزها :
1 – ناد للمفاوضات المتعددة الطرف
من ابرز وظائف المنظمة جمع الدول في شبه منتدى أو ناد يتباحث فيه الأعضاء في شتى الأمور التجارية ويتفاوضون ضمن جولات متعددة الأطراف، فمن جهة تؤمن اجتماعات اللجان الفرعية الدورية في المنظمة فرصة للقاءات الدائمة بين ممثلي الأعضاء وتتيح المجال أمامهم لمناقشة المشاكل المهمة ومواكبة التطورات في شؤون منظمة التجارة، ومن جهة ثانية فإن منظمة التجارة العالمية تجمع الدول الأعضاء في جولات محادثات منظمة بشأن علاقاتهم التجارية المستقبلية. وقد ورثت منظمة التجارة العالمية فكرة المفاوضات الدورية متعددة الأطراف عن سلفها "الغات"، كما تهدف إلى تحقيق مستوى أعلى من التحرير ودخول الأسواق في القطاعات المعنية.
2 - تحقيق التنمية
تسعى المنظمة إلى رفع مستوى المعيشة للدول الأعضاء والمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية لجميع الدول وبخاصة النامية التي يزيد عدد أعضائها في المنظمة عن 75% من عدد الأعضاء، وتلك التي تمر بمرحلة انتقالية إلى اقتصاد السوق، وتمنح المنظمة الدول النامية معاملة تفضيلية خاصة، فتعطيها فترات سماح أطول من تلك التي تمنحها للدول المتقدمة، كما تقدم لها مساعدات تقنية والتزامات أقل تشددا من غيرها، وتعفى الدول الأقل نموا من بعض أحكام اتفاقيات المنظمة.
3- مراقبة اتفاقية اورغواي
أنيط بالمنظمة تنفيذ اتفاقية أورغواي، والتي تحتاج لحسن سير أعمالها إلى إطار مؤسساتي سليم وفعال من الناحية القانونية على خلاف الغات.
4 - حل الخلافات بين الدول
لم تكن آلية الغات كافية لفض المنازعات بين الدول الأعضاء التي قد تنشأ بسبب الاختلاف حول تفسير أحكام واتفاقيات جولة أورغواي نظرا لكثرتها وتشعبها وبسبب المشاكل التي عانت منها على مدى الخمسين عاما الماضية، لذلك كان من الضروري إنشاء آلية فعالة وذات قوة رادعة، تمثلت هذه الآلية في منظمة التجارة العالمية.
5 - إطار للتواصل بين الأعضاء
تلعب الشفافية دورا هاما في تسهيل المعاملات التجارية بين الدول، وبخاصة مع تعدد التشريعات وتنوع القطاعات التجارية والابتكارات، لذلك تفرض معظم اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على الدول الأعضاء إخطار غيرها بالتشريعات التجارية وغيرها من الأنظمة والأحكام ذات العلاقة ويخاصة المؤثرة في شؤون التجارة الدولية، كما تلعب الاتفاقية الخاصة بمراجعة السياسات التجارية للدول الأعضاء بشكل دوري دورا مهما في هذا المجال، فهي تتيح الفرصة للدول الأعضاء الإطلاع على النظام التجاري لكل دولة على حدة ومناقشة جميع جوانبه وإبراز النواحي التي قد تتعارض مع الحقوق والواجبات التي تفرضها اتفاقيات المنظمة .
رابعا : شروط العضوية
ليست العضوية في المنظمة مفتوحة، بل تخضع لشروط وقواعد تعتبر قاسية في بعض الأحيان على بعض الدول أما ابرز الشروط فهي :
1- تقديم تنازلات للتعربفات الجمركية
تشترط منظمة التجارة العالمية على الدولة الراغبة في الانضمام إليها تقديم جدول للتنازلات يحتوي على تعريفات جمركية تشكل التزامات لا يمكن رفعها من حيث المبدأ إلا في حالات خاصة.
2- تقديم التزامات في الخدمات
تقدم الدولة جدولا بالالتزامات التي ستتبعها في قطاع الخدمات يشتمل على قائمة بالحواجز والشروط التي تعترض القطاعات والنشاطات المهنية الخدماتية ووضع جدول زمني لإزالتها.
3- الالتزام باتفاقيات منظمة التجارة العالمية
تتعهد الدولة الراغبة في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بالتوقيع على بروتوكول انضمام يشمل الموافقة على تطبيق والتزام جميع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية (ما عدا اتفاقية المناقصات الحكومية واتفاقية الطائرات المدنية فإنهما من الاتفاقيات الاختيارية)، أي عليها أن توافق على اتفاقيات جولة أورغواي. وبمعنى آخر أنه لا سبيل أمام الدولة للاختيار بين الاتفاقيات بعكس ما كان سائدا أيام الغات وخاصة بعد جولة طوكيو حيث لم توقع معظم الدول النامية على نتائجها التي تمثلت باتفاقيات خاصة.
وفيما يتعلق بإجراءات الانضمام فيتم قبول دولة ما في عضوية المنظمة باعتماد إحدى طريقتين أو الجمع بينهما هي:
- الطريقة الأولى: تتلقى الدولة المعنية رسائل من لجنة مخصصة للنظر في طلبات العضوية الجديدة، تكون في الغالب مكونة من الدول الصناعية الكبرى، إضافة إلى أهم الدول ذات العلاقات التجارية مع الدولة الراغبة في اكتساب عضوية المنظمة، وتشمل الطلبات قائمة بالسلع والخدمات التي ستشهد تخفيضا في تعرفاتها الجمركية.
- الطريقة الثانية: تتقدم الدولة الراغبة في العضوية بنفسها بقائمة تشمل تخفيضات في التعريفات الجمركية تكون أساسا للتفاوض.
وفي بعض الأحيان تتبع الطريقتان معا فتتقدم الدولة المعنية بقائمة لتخفيض التعرفات الجمركية، وفي الوقت نفسه تتلقى قائمة من اللجنة المشكلة للنظر في العضوية بقائمة بالتخفيضات المطلوبة.
لقد واجهت الدول العربية أسئلة عدة حول انضمامها إلى المنظمة وما هي الالتزامات التي يمكن أن تواجهها في ما يتعلق بالعلاقة مع عضوية إسرائيل في المنظمة؟ وهل تشترط منظمة التجارة العالمية التطبيع معها؟ وهو التخوف الذي راود بعض الدول العربية، فمن الناحية القانونية الصرفة أن وجود دولة ما في المنظمة لا يجبرها على التطبيع التجاري معها، وذلك استنادا إلى الاستثناء المذكور في المادة (13)من اتفاقية مراكش لتأسيس منظمة التجارة العالمية (المادة 33 من اتفاقية الغات السابقة)، الذي يسمح لدولة ما بـ "عدم تطبيق" الاتفاقية تجاه دولة أخرى شرط إبلاغها عن ذلك قبل موافقة المجلس العام (المؤتمر الوزاري) على الانضمام. وبالنسبة لمستقبل مكاتب المقاطعة، التي تثيرها الولايات المتحدة عند الحديث عن انضمام دولة عربية جديدة إلى المنظمة، فإن الرد على هذا التخوف يتمثل في سعي الدول العربية عن طريق هذه المكاتب إلى إجبار إسرائيل لتطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967،على قاعدة أن تشريعات الأمم المتحدة تسمو على أي اتفاقيات أخرى تتعارض أو تتناقض معها لجهة الالتزامات .
خامسا :المؤتمرات الوزارية
يعتبر المؤتمر الوزاري الذي يتألف من ممثلي جميع أعضاء منظمة التجارة العالمية رأس السلطة في المنظمة. ويجتمع المؤتمر الوزاري مرة كل سنتين على الأقل، فقد انعقد مؤتمره الأول في سنغافورة في الفترة من 9-13 كانون الأول 1996. وانعقد المؤتمر الثاني في جنيف بسويسرا في الفترة من 18-20 أيار 1998. وانعقد الثالث في سياتل بالولايات المتحدة الأميركية في الفترة من 30 تشرين الثاني إلى 3 كانون الأول 1999. والمؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة عاصمة قطر في الفترة من 9-13 تشرين الثاني 2001.فيما الخامس عقد في هونغ كونغ في كانون الأول 2005.
المؤتمر الوزاري الأول في سنغافورة عام 1996
اشترك في هذا المؤتمر وزراء التجارة والخارجية والمالية، والزراعة لأكثر من 120 دولة عضوا في المنظمة. وهو الأول منذ دخول المنظمة حيز التنفيذ في كانون الثاني 1995. وشمل هذا المؤتمر اجتماعات قانونية وجلسات عمل ثنائية وجماعية بين الدول الأعضاء. وناقشت هذه الاجتماعات والجلسات المسائل المتعلقة بجدول أعمال المنظمة خلال السنتين الأوليين من نشاط وتنفيذ اتفاقات جولة أورغواي.
وكان على جدول أعمال المؤتمر الوزاري الأول موضوعات مطروحة كثيرة وصل عددها إلى أكثر من 20 بندا من أهمها :
- مشكلة الحقوق الاجتماعية .
- النمو الاقتصادي والتجاري .
- معايير العمالة المعروفة دوليا .
- التحديات التي تواجه دمج الاقتصاد العالمي .
- النمو الاقتصادي والتجاري .
- أزمة تهميش الدول الفقيرة .
- دور المنظمة والقبول فيها .
- اتفاقات تسوية المنازعات .
- تنفيذ اتفاقات المنظمة .
- مواضيع التجارة والبيئة والخدمات والمفاوضات .
- اتفاقات تكنولوجيا المعلومات والمواد الصيدلانية .
- المنافسة والاستثمار .
أما أهم الإعلانات الصادرة عن المؤتمر الأول فأبرزها :
أولا: الإعلان الوزاري لدعم المنظمة كمنتدى للتفاوض ومواصلة تحرير التجارة ضمن نظام القواعد المعمول به في المنظمة، وكذلك مراجعة وتقييم السياسات التجارية وخاصة من أجل:
- تقييم تنفيذ الالتزامات بموجب اتفاقات وقرارات منظمة التجارة العالمية.
- مراجعة المفاوضات المستمرة وجدول الأعمال.
- متابعة التطورات في التجارة الدولية.
- مواجهة تحديات الاقتصاد العالمي المتطور.
ثانيا: الإعلان الوزاري الخاص بالتوسع في تبادل منتجات تكنولوجيا المعلومات بين الدول الأعضاء.
المؤتمر الوزاري الثاني في جنيف بسويسرا 1998
تضمن جدول أعمال المؤتمر الوزاري الثاني :
-الموافقة على الاتفاق الخاص بعمل المنظمة.
- تصريح رئيس المجلس العام حول تقرير المجلس، وتصريح مدير عام المنظمة حول التطورات في نظام التجارة الدولية ونتائج ومتابعة الاجتماع الخاص بالدول الفقيرة.
- استعراض أنشطة المنظمة ومناقشات بين الوزراء حول تنفيذ اتفاقات المنظمة في الاجتماع المغلق.
- بيانات رؤساء الدول والحكومات، ومناقشات الوزراء حول النشاطات المستقبلية للمنظمة في الاجتماع المغلق.
- الإجراءات المتخذة من قبل الوزراء.
- تحديد زمان ومكان المؤتمر الوزاري التالي.
- الإعلانات الوزارية الصادرة عن المؤتمر الثاني :
أولا:الإعلان الوزاري الخاص بنظام التجارة بين أكثر من دولتين:
يؤكد هذا الإعلان على أهمية مساهمة هذا النظام خلال 50 عاما في النمو والتوظيف والاستقرار من خلال تشجيع تحرير التجارة والتوسع فيها وتهيئة المناخ الملائم للعلاقات التجارية الدولية وفقا للأهداف المتضمنة في ديباجات الاتفاق العام حول التعريفات والتجارة واتفاق منظمة التجارة العالمية.
ثانيا: الإعلان الوزاري الخاص بالتجارة الإلكترونية العالمية:
يؤكد هذا الإعلان على نمو التجارة الإلكترونية العالمية وفتحها آفاقا جديدة للتجارة وحاجة الدول النامية لها على الصعيد الاقتصادي والمالي والتنموي. كما يؤكد الإعلان على ضرورة قيام المجلس العام بتقديم تقرير حول تقدم برنامج العمل ومواصلة الدول الأعضاء في ممارستها الحالية بعدم فرض رسوم جمركية على أجهزة الإرسال الإلكترونية.
المؤتمر الوزاري الثالث في سياتل بالولايات المتحدة عام 1999
أهم الموضوعات التي طرحت أمام المؤتمر الوزاري الثالث في سياتل هي :
• مسألة تطبيق اتفاقيات جولة أورغواي.
• المناقصات الحكومية.
• التجارة الإلكترونية.
• تمديد فترات السماح الممنوحة للدول النامية.
• معايير العمل والتجارة.
• المعاملة التفضيلية للدول الأقل نموا.
• البيئة والتجارة.
• الكائنات المحورة وراثيا .
• التجارة والاستثمار.
• الزراعة.
• الخدمات.
• المنافسة والتجارة.
• تسهيل التجارة
المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة تشرين الثاني 2001
لقد تأثر هذا الاجتماع بالعديد من العوامل أبرزها ، أحداث 11 أيلول في الولايات المتحدة الاميركية وما أفرزته من مواقف وانعكاسات على الصعيد الدولي واعادة النظر بالنظام الدولي لا سيما الاقتصادي منه والمتعلق بشكل رئيسي بدور منظمة التجارة العالمية في هذا المجال تحديدا، إضافة إلى ذلك فشل المؤتمر السابق في سياتل بالولايات المتحدة مقارنة مع الآمال المعلقة عليه من الناحية العملية ؛ وبصرف النظر عن مستوى الخلافات وحجمها التي ظهرت في أعمال المؤتمر حول العديد من القضايا، فقد تمكن المؤتمرون من التوصل إلى العديد من الاتفاقات حول المواضيع الخلافية وأبرزها :
- في المجال الزراعي : ظل الخلاف بين واشنطن ومجموعة كبيرة من الدول الاوروبية وعلى رأسها فرنسا، وقد تجلى ذلك في البيان الختامي الذي وضع التخفيض التدريجي للصادرات الزراعية ضمن قوسين للتدليل على التباين القائم؛ ويقضي النص بأن الدول الأعضاء "بالاستناد إلى الأعمال التي أنجزت حتى اليوم تتعهد بإجراء مفاوضات شاملة تهدف إلى: إدخال تحسينات كبيرة فيما يتعلق بالوصول إلى الأسواق، وخفض كل أشكال الدعم للصادرات (بهدف سحبها نهائيا)، وخفض كبير في الدعم الداخلي الذي يسبب خللا في المبادلات" .
- حقوق الملكية الفكرية وحصول الدول النامية على الأدوية: وتوصل البيان إلى نص تسوية حول حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة وعلاقتها مع الصحة العامة للدول غير الغنية بقيادة البرازيل والهند، بأن تتمكن من إنتاج أدوية خارج براءات الاختراع في إطار سياساتها للصحة العامة لمواجهة الأوبئة مثل الإيدز والسل والملاريا. وتقضي وثيقة منفصلة عن "اتفاقات حقوق الملكية الفكرية" بأن الدول الأعضاء "متفقة على أن اتفاقات حقوق الملكية الفكرية لا تمنع وينبغي ألا تمنع الأعضاء من اتخاذ إجراءات لحماية الصحة العامة", وهو المبدأ الذي تطالب به الدول النامية. كما سمح النص للدول التي تواجه أوبئة بأن تضع بنفسها تعريفا لما يعتبر "وضعا طارئا".
- في مجال النسيج أكد البيان على ضرورة التسريع الفعلي لإزالة القيود المتعلقة بتحديد الحصص المفروضة على الصادرات النسيجية، وهو ينص على أن "بنود الاتفاق (حول المنسوجات والألبسة) التي تتعلق بالدمج المسبق للمنتجات وإزالة القيود المتعلقة بالحصص، يجب أن تستخدم فعليا". وقد تقدمت بهذا الطلب بعض الدول النامية التي تطالب بإلغاء القيود بأسرع ما يمكن متهمة الدول الصناعية بالتباطؤ في تطبيق النصوص الموجودة أصلا .
- وفيما يختص بمكافخة الإغراق فقد نص البيان على إجراء مفاوضات لبحث قواعد مكافحة الإغراق، وقد قبلت الولايات المتحدة بذلك بعد أن كانت تعارضه بشدة. وتتم المفاوضات على مرحلتين حيث يتم في البدء التعريف بالتدابير الواجب توضيحها, ومن ثم تحسينها. كما تمّ التأكيد على إنه "نظرا للتجربة وللتطبيق المتزايد لهذه الإجراءات (..) يتم الاتفاق على إجراء مفاوضات بهدف توضيح وتحسين قواعد (عدم الإغراق) (..) مع حماية المبادئ الأساسية لهذه الاتفاقات وفاعليتها وأهدافها (وأدواتها) (وإجراءاتها)، مع أخذ احتياجات المشاركين في التنمية في الاعتبار" .
- أما الجانب الاجتماعي فقد اكتفى النص "بالإشارة إلى الأعمال الجارية حاليا في منظمة العمل الدولية حول البعد الاجتماعي للعولمة"، ويضيف أن منظمة العمل هي "الهيئة المناسبة من أجل حوار معمق حول مختلف جوانب هذه المسألة". ويعد هذا النص مخيبا لطموحات الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بالبعد الاجتماعي. اذ رغب الأوروبيون في اعتماد لهجة أشد فيما يتعلق بمعايير العمالة، ولا تتضمن الفقرة كلمات بين قوسين وهو ما يعني الموافقة عليها.
- المؤتمر الوزاري الخامس هونغ كونغ كانون الأول 2005
توصلت الدول الأعضاء في المنظمة 2005 إلى اتفاق للإبقاء على آمال المنظمة بالتوصل إلى اتفاقية شاملة لتحرير التجارة في عام 2006.غير أن منظمات المجتمع المدني وهيئات رقابة التجارة اعتبرت أن هذا الاتفاق يهدد التنمية في الدول النامية، ويخاطر بأعمال الملايين من الفلاحين والعمال والصناعات المحلية الضعيفة التي لن تقوى على منافسة الشركات الغربية العملاقة .

ويحدد الاتفاق عام 2013 موعدًا نهائيًّا لإلغاء دعم الصادرات الزراعية في الدول الغنية ويعرض مساعدات في مجال التصدير لأفقر دول العالم، كما يخفف بعض معاناة منتجي القطن في إفريقيا. ويشمل الاتفاق مجموعة متواضعة من خطوات فتح الأسواق تحول دون انهيار جولة محادثات الدوحة لتحرير التجارة العالمية عام 2001.
بنود اتفاق التسوية
ففي مجال الزراعة، تم الاتفاق على الإلغاء التدريجي بحلول عام 2013 للدعم الذي تقدمه الدول الغنية لصادراتها بما في ذلك المتضمن في برامج المساعدة الغذائية الأمريكية، وأية مساعدات متضمنة في أنشطة الشركات التجارية الاحتكارية في أستراليا ونيوزيلندا وكندا وأيضًا تلك الخاصة بالاتحاد الأوربي. وبالنسبة للقطن سيتم إلغاء دعم الصادرات من قبل الدول المتقدمة في 2006 . وفيما يتعلق بقطاع التنمية تم الاتفاق على أن تحصل الدول الأقل نموًّا على حق دخول بدون جمارك وبدون حصص محددة لنسبة 97% من صادراتها لأسواق الدول المتقدمة بداية من عام 2008 أو عند تطبيق أية اتفاقية نهائية لتحرير التجارة يتم إقرارها .
مخيب للآمال
في المقابل علق فيل بلومر رئيس قسم التجارة في منظمة أوكسفام العالمية على الاتفاق قائلاً: "إن النص الأخير للمؤتمر محبط بعمق ويُعَدّ خيانة لوعود التنمية"، وأضاف: "لقد انتصرت مصالح الدول الغنية مرة أخرى واضطرت الدول النامية للمحاربة بيأس فقط لمجرد إبقاء بعض من اهتماماتها وقضاياها على طاولة المفاوضات".
ويعتبر أهم ما نتج عنه المؤتمر هو إلزام الدول الغنية بدراسة تفكيك أحد أنواع الدعم فقط وهو الدعم الذي يقدمونه لمصدريهم الزراعيين للصادرات، بينما سمح البيان، وهو ما خيب الكثير من الآمال، لهذه الدول بالإبقاء على الدعم الداخلي لمزارعيهم على حاله الذي يصل إلى عشرات المليارات من الدولارات سنويًّا .

القسم الثاني
عولمة المال والاقتصاد والمنظمات المقابلة
تتمثل السمات الرئيسة للاقتصاد العالمي في وقتنا الراهن بحركة السلع والخدمات ورأس المال والمعلومات والأيدي العاملة عبر الحدود الوطنية والدولية، وقد ساعد في ذلك التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصالات بحيث بدا العالم قرية كونية يسهل فيها معرفة أي شيء والوصول إليه بكلفة رمزية تكاد لا تقاس بما سبق. وتتماثل هذه السمات مع ما تدعو إليه منظمة التجارة العالمية ، كما تتناسق مع النظام الاقتصادي الدولي الذي ظهر فيه هيمنة النظام الرأسمالي الحر ومبادئه وقواعده بعد سلسلة التحولات السياسية الدولية في العقد الأخير من القرن العشرين والمتمثل في انهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته الاشتراكية والازدياد المتسارع لحركة رؤوس الأموال في الأسواق المالية العالمية وظهور التكتلات الاقتصادية الإقليمية الكبرى، وصولا إلى تشكيل المثلث الاقتصادي للنظام الاقتصادي العالمي المتمثل بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية التي تعتبر الأداة والوسيلة الهامة لتنظيم وتشجيع التجارة العالمية وبالتالي إسهامها المباشر في عولمة الاقتصاد .
أولا : تحولات الاقتصاد العالمي في ظل المنظمة
إن إنشاء المنظمة بعد مفاوضات شاقة, جاءت نتيجة للأوضاع التي ميزت العالم منذ بداية التسعينيات كما أسلفنا، والمتمثلة في العولمة وتشابك الاقتصاديات وارتباط مصالح العديد من الدول النامية بالدول المتقدمة والشركات الكبرى العابرة للقارات وازدياد دور المؤسسات الدولية في رسم مسار التنمية للدول النامية والتحكم فيه، هذا بالإضافة إلى سعي دول الشمال الغنية الاستحواذ على النصيب الأوفر من الاقتصاد العالمي لما تمتلك من شركات ضخمة لها فروعها المنتشرة في أنحاء العالم، والتي أصبحت تتحكم في جزء كبير ومتزايد من عمليات الإنتاج وتوزيع الدخل العالمي, وكذلك سعي تلك الدول لاستيعاب مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية ولو على حساب دول الجنوب. كل ذلك إضافة إلى غيرها من الأسباب ساهم في ظهور العولمة بأوجهها المختلفة الثقافية والسياسية والاقتصادية والمالية ، والتي يرى البعض قي الأخيرة ابرز مظاهر العولمة حيث زادت رؤؤس الأموال الدولية أضعاف المرات ما معدل نمو التجارة والدخل العالميين .
1- مظاهر العولمة المالية
هناك العديد من هذه المظاهر أهمها :
- تعاظم دور رأس المال ، حيث صناعة الخدمات المالية بعناصره المصرفية وغير المصرفية ، وبحيث أصبح الاقتصاد العالمي تديره وتتحكم به رموز البورصات العالمية مثل داو جونز ، ناسدك، نيكاي، داكس وغيرها، والتي بواسطتها تنقل الأموال من مستثمر إلى آخر داخل الدولة أو بين الدول دون إي عوائق أو صعوبات.
- ازدياد فوائض رؤوس الأموال الباحثة عن استثمارات بمعدلات أرباح عالية ، وهي بطبيعة الأمر مدخرات غير مستثمرة في دولة المنشأ لرأس المال ، الأمر الذي يدفعها للبحث عن استثمارات خارجية على المستوى الدولي .
- ظهور وسائل جديدة استقطبت أصحاب رؤوس الأموال،مثل المبادلات ( SWAPS) الخيارات (OPTIONS) المستقبليات FUTURES إلى جانب الوسائل التقليدية في الأسواق المالية كالسندات والأسهم وغيرها .
- التقدم التكنولوجي الهائل بحيث يسمح للمستثمر من المتابعة الدقيقة لأمواله وتحركاتها الاستثمارية لحظة بلحظة ، حيث جميع الأسواق المالية مرتبطة ببعضها البعض مما ييسر عملية الفعل ورد الفعل على اي عملية مالية مرغوب بها .
2- مزايا ومخاطر العولمة المالية
يرى أنصار العولمة أن مزايا عديدة يمكن أن تتحقق للدول النامية والمتقدمة على السواء وأبرزها :
- بالنسبة للدول النامية
تسطيع الدول النامية من خلال الانفتاح المالي الوصول إلى الأسواق المالية الدولية بهدف الحصول على ما تحتاجه من أموال لسد العجز في الموارد المحلية، أي قصور المدخرات عن تمويل الاستثمارات المحلية, الامر الذي سيؤدي إلى زيادة الاستثمار المحلي وبالتالي معدل النمو الاقتصادي. كما يفسح المجال في تخفيف تكلفة التمويل بسبب المنافسة بين الوكلاء الاقتصاديين. اضافة الى ذلك تؤدي الإجراءات التي يمكن ان تتخذ لتحرير وتحديث النظم المصرفية والمالية ، وخلق بيئة مشجعة لنشاط القطاع الخاص وكذلك الحد من ظاهرة هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج، كما تساهم الاستثمارات الأجنبية على تحويل التكنولوجيا الى الدول المستثمر فيها .
- بالنسبة للدول المتقدمة
تسمح العولمة المالية للبلدان المصدرة لرؤوس الأموال (وهي في الغالب الدول الصناعية الكبرى) بخلق فرص استثمارية واسعة أكثر ربحية أمام فوائضها المتراكمة، وتوفر ضمانات لأصحاب هذه الأموال وتنويعا ضد كثير من المخاطر من خلال الآليات التي توفرها الأدوات المالية.
أما مخاطر العولمة المالية فتبدو في مظاهر كثيرة ابرزها :التقلبات المفاجئة للاستثمارات الأجنبية (خصوصا قصيرة الأجل مثل استثمارات الحافظة المالية). والتعرض لهجمات المضاربة القوية التي من الصعب مواجهتها ؛ وهروب الأموال الوطنية الى الخارج؛ ودخول الأموال القذرة (غسل الأموال) ؛ وإضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة المالية والنقدية
إن دور الاستثمارات الأجنبية الخاصة في الدول النامية تأتي لخدمة التجارة الخارجية على خلفية تحقيق ربح كبير وسريع، فهي تعمل على تدعيم التقسيم الدولي القائم ولا تغيره لصالح الدول النامية، إذ إن رأي أنصار منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية الأخرى بأن تحرير التجارة والاستثمارات الأجنبية يسهم بشكل فاعل في تحقيق النمو الاقتصادي للدول تواجهه تحفظات كثيرة، فغالبا ما يكون النمو الجيد للاقتصاد هو الذي يأتي بالاستثمارات الأجنبية الخاصة وليس العكس, حيث إن هذه الاستثمارات شأنها في ذلك شأن القروض الخارجية الممنوحة من طرف المؤسسات المالية الدولية ، تذهب إلى الدول التي نجحت بالفعل في رفع معدلات نموها أكثر مما تذهب إلى الدول التي تحتاج إلى هذه الأموال لرفع معدل نموها, كما يشهد بذلك توزيع هذه الاستثمارات بين مناطق العالم .
وإذا نظرنا إلى تركيبة هذه الأموال فإننا نلاحظ المكانة الكبرى للاستثمارات الأجنبية المباشرة والتزايد المطرد للاستثمار في الحافظة المالية على حساب القروض التجارية الأخرى ، وهو ما يعكس رغبة الدول المستقطبة لهذه الأموال في مثل النوعين الأولين لكونهما يخلقان فرصا جديدة للتمويل والتشغيل دون إثقال الديون الخارجية للدول.
ثانيا:التدابير الواجبة للاستفادة من أوضاع الاقتصاد العالمي
إن تصنيف الدول النامية ووضعها في فئة معينة لا يعني بالضرورة ان جميعها تعاني من نفس المشاكل وبالتالي وجوب تعميم الإجراءات الواجب اتخاذها لتحسين أوضاعها ، أو الاستفادة من الفرص المتاحة والتي يمكن استغلالها ببعض التدابير ؛ بل ان لكل دولة خصائص معينة لجهة المشاكل التي يعانيها وضعها الاقتصادي والمالي وبالتالي ما يصلح لدولة ما لا يصلح بنفس النسبة لاخرى، الا انه يمكن استخلاص نقاط مشتركة تساعد هذه الدول على تجاوز بعض مشاكلها وتؤمن لها بيئة ملائمة للاستفادة من الامكانات المتاحة لها وابززها :
1- العمل على توفير سياسة عامة مستقرة وهادفة إلى احتواء أزماتها الاقتصادية قدر الامكان ، الأمر الذي يتيح أجواء من الثقة بجدوى الحلول الممكنة والمتاحة مما يشجع الأطراف الخارجية على الدعم المطلوب.
2- إدارة المؤسسات العامة والمرافق الحكومية بكفاءة عالية الأمر الذي يتيح أجواء الثقة للشركات الداخلية والخارجية لتحريك استثماراتها ، ومحاولة إيجاد عناصر إضافية وحوافز مشجعة لذلك منها على سبيل المثال: بيئة قانونية مناسبة عبر تشريعات تواكب ما يتطلبه الاقتصاد كتشريعات تخصيص بعض المرافق التي تشكل ضغطا مستمرا على مالية الدولة وكذلك إيجاد تشريعات تشجع على المنافسة، والعمل على ضمان شفافية المؤسسات المالية والاقتصادية ، ومحاربة الفساد والرشوة.
3- العمل على دعم القطاع المصرفي من خلال تشريعات مناسبة تتيح له مرونة العمل في الداخل والخارج ، إذ أن التجارب أثبتت أن الدول التي اهتمت بهذا القطاع تمكنت من تجاوز العديد من التغيرات الفجائية التي واجهتها بأكلاف معقولة .
4- إن إجراء إصلاحات سياسية ضمن سياسة عامة واضحة ومحددة آمر من شأنه المساعدة على إلغاء الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في الدولة ويعتبر عاملا أساسيا في عملية التنمية، إضافة إلى ذلك إن عملية إشراك الفئات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة في صناعة القرارات في الدولة أمر يسهم في التخفيف من المعارضة الداخلية لأي سياسة عامة فيما يتعلق بالاستثمارات الخارجية وهذا ما تعاني منه غالبية الدول النامية خوفا وتوجسا, من الانعكاسات السلبية لعولمة المال والاقتصاد .
5 – إن مسيرة التنمية في الدول النامية مرتبطة بتحقيق معدلات نمو اقتصادية مرتفعة تفوق معدلات النمو الديمغرافي لتضييق الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة، الأمر الذي يتطلب تحقيق تطوير الكفاءات والكوادر (رأس المال البشري) القادرة على توليد التقانة الأكثر ملاءمة لظروف هذه الدول، وذلك من خلال التركيز على عنصري التعليم والبحث العلمي.
ثالثا: التكتلات الإقليمية في مواجهة المنظمة والعولمة
بصرف النظر عما إذا كان من بين أهداف إنشاء التجمعات الإقليمية، مواجهة منظمة التجارة العالمية أو عولمة الاقتصاد والمال ، فان العديد من بين هذه التجمعات قد لعبت دورا بشكل آو بآخر في تحرير التجارة والعولمة في مختلف مجالاتها على الأقل في محيطها الإقليمي ، وأسست عبر علاقاتها مع الغير إن كان من أعضاء المنظمة أو غيرها البيئة التي ستساعد على المزيد من التحرير التجاري وتحرك رؤوس الأموال ، وان كان لكل تجمع ظروفه الخاصة وأهدافه المختلفة عن غيره من التجمعات .
1 - الاتحاد الأوروبي
يشتمل مشروع الوحدة الأوروبية على كامل عناصر الوحدة الاقتصادية ، من التبادل التجاري بين الدول المنضوية تحت الاتحاد مرورا بالعملة الموحدة ، وتوحيد السياسات المالية والضريبة والنقدية والاجتماعية وغيرها، وقد تمكن الاتحاد من الذهاب بعيدا في مشروع الاتحاد بصرف النظر عن مستوى الآمال المحققة ؛ الا ان النقطة الجوهرية في هذا المجال تكمن في هل أن الاتحاد تمكن من اخذ الموقع المتمايز في النطاق الدولي ومواجهة التحديات التي تواجهه ، آو تنتظر منه الإجابة عليها؟ ففي الجانب الاقتصادي وان تمكن من إنجاز بعض الملفات الهامة كتوحيد العملة وغيرها، إلا أن الكثير من الصعوبات لا زالت تواجهه على الصعيد الداخلي للاتحاد ، كمستوى النمو والدخل وغيرها في كل دولة ، إضافة إلى التباين الحاد بين أقطابه على الكثير من المسائل الدولية الاقتصادية والسياسية ، الأمر الذي حد من اتخاذه الموقع الموازي لحجم قوته بمواجهة تحديات النظام الاقتصادي والسياسي العالمي .
ولقد حاول الاتحاد الأوروبي السعي لربط شبكات من التعاون أو الشراكة مع أطراف أقل نموا، وفي هذا المجال نلاحظ محاولات الاتحاد الأوروبي التوسع نحو الجنوب (بلدان أوروبا الشرقية والوسطى ودول جنوب حوض البحر الأبيض المتوسط..) واتفاقية التبادل الحر لأميركا الشمالية، ذلك في اطار محاولاته التأثير قدر الامكان على السياسات الاقتصادية الدولية المتنامية في اطار المنظمات المالية الدولية التي ليس له اليد الطولى فيها .
2 - تكتل النافتا
تأسس هذا التجمع الاقتصادي سنة 1994، وضم الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، والملاحظ أن أطرافه غير متكافئة، فنجد فيه المكسيك كبلد نام إلى جانب أقوى اقتصاد عالمي (الولايات المتحدة)، الأمر الذي يخفي اختلاف الأهداف المرجوة من اتفاق تحرير التبادل.
فبالنسبة للمكسيك، تهدف الشراكة مع أطراف شمالية قوية إلى الرغبة في تحقيق أهداف داخلية على الصعيد الاقتصادي والسياسي والوصول إلى أسواق الدول الشريكة وجلب الاستثمار والتكنولوجيا، وبالتالي تحسين معدل النمو الاقتصادي. فيما بالنسبة الولايات المتحدة تطلعت من خلال هذا الاتفاق إلى مواصلة سياساتها التجارية الدولية ومحاولة إقامة تكتل مواز للقوة الصاعدة للأوروبيين, بالإضافة إلى الرغبة في الاستفادة من اليد العاملة المتواضعة في المكسيك بشكل خاص
لكن احد الأهداف الحقيقية هو محاولة تقديم المكسيك كنموذج في الانفتاح الخارجي للدول النامية، وبالتالي جذب أطراف أخرى إلى فتح أسواقها أمام السلع والخدمات، وبالتالي الدخول في منظمة التجارة العالمية.
وأخيرا بالنسبة لكندا، فقد سعت ألا تبقى معزولة في محيطها القريب (أميركا الشمالية) والاستفادة من ميزاتها النسبية في بعض المجالات (الاتصالات, النقل, التكنولوجيات الحديثة..).
أن تجربة هذا التكتل تعتبر حديثة العهد نسبيا مقارنة بتجربة الاتحاد الأوروبي مما يعوق تحليل انعكاساته, لكن يلاحظ أن هذا الاتفاق يهتم بالجانب التجاري فقط, حيث لا يفترض وجود تنسيق للسياسات الأخرى (المالية والنقدية) بين الدول الأعضاء عكس الاتحاد الأوروبي حيث التكامل على جميع الأصعدة.
3 - تكتل آسيان
يهدف تكتل رابطة دول جنوب شرق آسيا إلى بناء اقتصاد متكامل يرتكز أساسا على تشجيع الصادرات وزيادة التبادل التجاري بين دول المنطقة. وقد نجح هذا التكتل في الرقي باقتصاديات المنطقة إلى صفوف الدول المصنعة حديثا أو الناشئة، ويعود ذلك إلى سياسة هذا التجمع الموجهة إلى الخارج والجاذبة لرأس المال الأجنبي .
فقد ارتفع متوسط نصيب الفرد في منطقة شرق آسيا بالأسعار الحقيقية بنسبة تراوحت من 4% إلي 6% سنوياً منذ الستينات ، ففي المدة من 1960 إلي 1990 حققت أعلي ثمانية اقتصاديات آسيوية معدلات نمو كانت أسرع ثلاث مرات من معدلات نمو اقتصاديات أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، وأسرع خمس مرات من معدلات نمو اقتصاديات أفريقيا جنوبي الصحراء.
وقد ساعد هذا النمو الاقتصادي القوي إلي قفزات في ارتفاع مستويات المعيشة، فعلي سبيل المثال كانت أوضاع كوريا الجنوبية في الستينات شبيهة بأوضاع العديد من بلدان غرب أفريقيا من حيث درجة التنمية الاقتصادية، أما اليوم فإن مواطني كوريا الجنوبية يتمتعون بدخل يتكافأ في المتوسط مع متوسط دخل سكان البلدان الأوربية. وشهدت سنغافورة تحولاً كبيرا حتى أصبحت مركزاً هاماً من مراكز الثقل في عالم التجارة والتكنولوجيا. وفي الصين حقق متوسط نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي زيادة قدرها أربعة أمثال تقريباً في غضون 20 عاماً فقط، ونتيجة لذلك خرج ما يقرب من 160 مليون نسمة من سكان الصين من شريحة الفقر المطلق الذي يحدد بالمستوي الذي يكون فيه متوسط دخل الفرد أقل من دولار واحد يومياً. وفي إندونيسيا ارتفع متوسط نصيب الفرد من استهلاك المواد الغذائية من أقل من 2100 سعر حراري إلي أكثر من 2800 سعر حراري يومياً في المدة من عام 1970، كذلك فإن عدد الفقراء في إندونيسيا – حسب البيانات الحكومية – كان يبلغ ما يقرب من 68 مليون نسمة في عام 1972، ومع حلول عام 1982 انخفض الرقم إلي 30 مليون نسمة، أي بنسبة 56%. وفي جميع بلدان ساحل المحيط الهادي أدي الاندماج النشط في الأسواق العالمية والانفتاح أمام الاستثمارات الأجنبية إلي حدوث تحسن هائل في مستويات معيشة مئات الملايين من سكان تلك المنطقة
1996 1997 1998
كوريا الجنوبية 6.8 5.00 -5.8 10.2
ماليزيا 8.6 7.5 -7.5 4.9
تايلاند 5.5 -1.3 -10.00 4.00
إندونيسيا 8.00 4.5 -13.7 0.5
هونج كونج 4.5 5.3 -5.1 1.9
سنغافورة 7.5 9.00 0.3 5.5
تايوان 5.7 6.8 4.8 5.4
الصين 9.6 8.8 7.8 7.1
وعلى الرغم من النجاح المحقق إلا أن بعض دولها سرعان ما عانى من أزمات الإنتاج والتصريف ، مما أثار التساؤلات حول جدية النجاحات السريعة والهبوط السريع عند تعرضها لازمات بسيطة مقارنة مع وصلت إليه.
4 - منطقة التجارة العربية الحرة
يعتبر التعاون الاقتصادي العربي من الضرورات الملحة التي تمليها تحديات النظام العالمي الجديد المبني على تحرير المبادلات التجارية والتكتلات الإقليمية . وفي السنوات الأخيرة يرزن بوادر إيجابية بهذا الصدد تمثلت بإنشاء منطقة التجارة الحرة، إلا أن نجاح هذه المنطقة يتوقف على عوامل كثيرة، كما أنها غير قادرة على الدفاع عن مصالح وحقوق أعضائها في المحافل الدولية، لذا يجب تطويرها لتصبح منطقة اتحاد جمركي على سبيل المثال.
وكانت الدول العربية قد بدأت بتقليص الرسوم الجمركية المفروضة على تجارتها البينية في إطار منطقة التبادل الحر وفي إطار قواعد منظمة التجارة العالمية التي تنظم الاستثناءات الواردة على مبدأ الدولة الأولى بالرعاية. وحسب هذه القواعد يتعين أن ينصرف تحرير التجارة إلى الجزء الأكبر من المبادلات الخارجية للبلدان المعنية، أي لا يجوز أن تقتصر المنطقة على سلع وخدمات معينة أو على قطاع اقتصادي دون آخر، ويمكن من خلال هذه النظرة الشمولية استثناء بعض السلع أو الخدمات من التبادل الحر لأسباب تتعلق بتوازن ميزان المدفوعات أو بالمصالح العليا للدولة أو بالاعتبارات الأخلاقية والصحية والدينية للمجتمع. كما يسمح النظام العالمي بفترة انتقالية لتحقيق منطقة التبادل الحر على أن يتفق الأعضاء على برنامج تنفيذي يحدد مدة معقولة لهذه الفترة.
وانطلاقا من هذه المعطيات وافق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لجامعة الدول العربية على البرنامج التنفيذي لاتفاقية تيسير وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية لعام 1981 ،ويتناول البرنامج إقامة "منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى" حسب جدول زمني محدد يفضي إلى إلغاء الرسوم الجمركية والحواجز الكمية. وقد أبدت 14 دولة رغبتها في الانضمام، وبلغ حجم تجارتها البينية 25.7 مليار دولار أي بنسبة 94.5% من التجارة العربية البينية.
أما على الصعيد العالمي ومقارنته بالتجارة العربية، فمن الملاحظ ان بين العام 1980 و 1998 ارتفعت التجارة الخارجية العالمية (الصادرات والواردات السلعية) من 3802 مليار دولار إلى 10635 مليارا، أي بنسبة 180%، في حين هبطت التجارة الخارجية العربية خلال الفترة نفسها من 347 مليار دولار إلى 290 مليارا أي بنسبة سلبية قدرها 16%؛ وبعملية حسابية بسيطة يمكن الاستنتاج أن حصة التجارة العربية انتقلت من 9.1% إلى 2.7% من التجارة العالمية. في بداية هذه الفترة كانت الصادرات العربية تشكل 12.5% من الصادرات العالمية فأصبحت في نهايتها لا تتعدى 2.5% منها. كما انخفضت أهمية الواردات العربية من 5.8% إلى 2.7% من الواردات العالمية. كما كانت الموازين التجارية العربية تسجل فائضا وصل الى 123 مليار دولار عام 1980 وأصبحت تتحمل عجزا قدره ستة مليارات دولار عام 1998؛ وتعود اسباب هذا التباطؤ رغم تحرير التجارة العالمية من القيود الكمية والرسوم الجمركية ورغم الاتفاقات التفضيلية التي عقدت في التسعينيات إلى عوامل عديدة، أبرزها:
- ازدهار المبادلات الأوروبية والأميرية والآسيوية بمعدلات عالية جدا، في حين شهدت أسواق النفط انخفاضا كبيرا في الأسعار مما أثر بشدة في صادرات وواردات البلدان النفطية.
- إن خوض بعض الدول العربية نزاعات عسكرية قد أدى إلى تردي أجهزتها الإنتاجية فانعكس الأمر على تجارتها الخارجية وأدت إلى تفاقم مديونيتها.
- إضافة إلى ذلك فقد تحسنت مستويات التجارة البينية للتجمعات الإقليمية في حين سجلت التجارة العربية البينية تراجعا واضحا.
وفي عام 1999 قدر حجم التجارة العربية البينية بنحو 27.1 مليار دولار أي 8.6% فقط من التجارة الخارجية الكلية ، فبالنسبة إلى الأردن فقد اعتمد على التجارة العربية التي تستحوذ على ربع تجارته الخارجية، ولم يطرأ تغيير مهم على هذه النسبة منذ عدة سنوات. وتراجعت حصة التجارة الأردنية البينية مقارنة بالتجارة العربية البينية من 10.9% عام 1989 إلى 5.2% عام 1999 بسبب المقاطعة المفروضة على العراق وضعف القاعدة الإنتاجية، وفي الوقت الحاضر ترتكز الصادرات والواردات البينية على المملكة العربية السعودية والعراق.
كما يلاحظ أن صادرات العراق الكلية أكبر بكثير من وارداته الكلية رغم حاجته لمختلف المواد المستوردة، والسبب هو خضوع الواردات لقرارات مجلس الأمن (النفط مقابل الغذاء والدواء) ولموافقة لجنة العقوبات ، كما أن هنالك عقود كثيرة لم تنفذ بموجب مذكرات التفاهم وبالتالي لم يستطع العراق الحصول على عدد كبير من المواد، أضف إلى ذلك استقطاع ثلث قيمة الصادرات للتعويضات. أما تجارة العراق البينية فقد عرفت تطورا مهما في الآونة الأخيرة حيث وقع على اتفاقات للتبادل الحر بين تونس ومصر وسوريا والأردن.
أما لبنان فيعاني الميزان التجاري من عجز مزمن تفاقم بسبب تدهور الأنشطة الاقتصادية الناجم عن الاعتداءات الإسرائيلية، ويعتمد لبنان على الأسواق السعودية والإماراتية في صادراته التي تتألف حسب أهميتها من الورق والملابس الجاهزة والفواكه، أما وارداته البينية التي تتكون من مواد الطاقة ، فتأتي من سوريا والمملكة العربية السعودية. ومن المتوقع أن يرتفع حجم التبادل التجاري مع سوريا نتيجة الاتفاق على الإلغاء التدريجي للرسوم الجمركية المفروضة على تجارة البلدين، حيث بدأ الإلغاء عام 1999 على أن تتحرر التجارة كليا بينهما بعد أربع سنوات.
أما التجارة العربية لدول مجلس التعاون الخليجي فتصل إلى 16217 مليون دولار، ويلاحظ هنا الأهمية القصوى للمملكة العربية السعودية حيث بلغت تجارتها البينية 6804 ملايين دولار أي 25.1% من مجموع التجارة العربية البينية، وتشمل صادراتها إضافة إلى النفط المواد الصناعية والمنتجات الزراعية. وتحتل السعودية المرتبة العربية الأولى في تجارتها (صادرات وواردات) مع الإمارات والبحرين والكويت ولبنان ومصر والسودان، وهي كذلك المصدر العربي الأول لقطر والمغرب واليمن والمستورد العربي الأول من الأردن. كما تعود المرتبتان الثانية والثالثة للإمارات وعمان. وانطلاقا من هذه المعطيات يتضح أن أي تكتل عربي سواء في ظل منطقة حرة أو اتحاد جمركي أو سوق مشتركة لا يمكن أن يكون فاعلا ولا يكتب له النجاح إلا بمشاركة دول المجلس التي تمثل ثقل الإنتاج والتبادل التجاري.
أما التجارة العربية البينية لدول اتحاد المغرب العربي فتصل إلى 3447 مليون دولار أي ما يعادل 5.1% من تجارتها الخارجية و 12.7% من التجارة العربية البينية، وتجري العمليات داخل الاتحاد باستثناء بعض المبادلات كالواردات النفطية المغربية من المملكة العربية السعودية.

الدولة صادرات كلية (مليون) صادرات بينية (مليون) % واردات كلية (مليون) واردات بينية (مليون) % تجارة خارجية (مليون) تجارة بينية (مليون)
الأردن 1483 602 41 3717 803 22 520 1405 27
الإمارات 35839 2172 6 32458 1590 5 68297 3762 5
البحرين 1535 530 34 2351 397 17 3886 927 23
تونس 5881 407 7 8498 494 6 14379 901 6
الجزائر 12452 259 2 9092 185 2 21544 444 2
السعودية 48356 5023 10 28032 1781 6 76388 6804 9
السودان 780 255 33 1415 354 25 2195 609 28
سوريا 3464 727 21 3832 318 8 7296 1045 14
العراق 5128 396 8 1229 238 19 6375 634 10
عمان 7250 958 13 4801 1386 29 12051 2344 19
قطر 6570 309 5 6840 641 9 13410 950 7
الكويت 12219 412 3 7616 1018 13 19835 1430 7
لبنان 677 295 44 6207 558 9 6884 853 12
ليبيا 7165 490 7 5563 419 7 12728 909 7
مصر 3549 762 21 16023 1010 6 19572 1772 9
المغرب 7373 296 4 10805 897 8 18178 1193 6
اليمن 2381 172 7 2003 747 37 4384 919 21
أخرى 771 144 19 1229 88 7 2000 232 12
المجموع 162873 14209 9 151711 12924 8 314584 27133 9
القسم الثالث
واقع المنظمة والانتقادات الموجهة إليها

لقد أدى التحرير الاقتصادي المتسارع لأسواق السلع والخدمات، ورؤوس الأموال والتقنيات ، الذي شهد نقلة نوعية مع ميلاد منظمة التجارة العالمية، إلى تغير في مفاهيم التنمية، والثروة والموارد الإنتاجية والندرة والعمل ودور الدولة الرعائية وكذلك مفاهيم كالسيادة الوطنية وغيرها. وعلى الرغم من الجهود المضنية والشاقة من المفاوضات بين 120 دولة بمختلف انتماءاتها السياسية ومستوياتها المالية والاقتصادية إلا أن انتقادات كثيرة وجهت اليها من دول غنية وفقيرة، نامية ومتقدمة، وسواء أكانت هذه الانتقادات تكتيكية أو مناورات أو حقيقية عندما تتضرر المصالح فإنها متعددة؛ فمنها ما هو اقتصادي ومنها ما هو إيكولوجي (بيئي)، ومنها ما هو صحي- أمني، ومنها انتقادات اجتماعية كما ان هناك انتقادات جوهرية تهدد مستقبل المنظمة وهي المتعلقة بنشاط المنظمة والمشاركة في رسم سياساتها وسير عملها وآليات التفاوض فيها.
أولا : الجانب الاقتصادي
من الانتقادات الموجهة إلى منظمة التجارة العالمية من الوجهة الاقتصادية ان المنظمة تعير مصلحة التجارة على حساب التنمية، والتبادل الحر بصرف النظر عن أثمانه، وتحرير الاستثمار لمصلحة شركات الدول عوضا على المصلحة الوطنية للدولة ، إضافة إلى العديد من القضايا أبرزها :
1 - التجارة والتنمية
يرى البعض أن منظمة التجارة العالمية تهدر التنمية أو التغيير الهيكلي للاقتصاد مقابل المصالح التجارية وتعمد إلى عدم التمييز بين أثر تحرير التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية في رفع معدل النمو، وأثره في تغيير هيكل الناتج القومي، إذ من الممكن جدا أن يكون أثر هذا التحرير إيجابيا فيما يتعلق بمعدل النمو، وسلبيا فيما يتعلق بالتنمية.
إن التخوف الأساسي في هذا المجال يكمن في أن منظمة التجارة العالمية تحث على حرية التبادل التجاري وبالتالي رفع الحماية لكن رفع الحماية قد يؤدي إلى انخفاض معدل التصنيع ويعرض الصناعات الناشئة إلى منافسة قوية من جانب الشركات المتعددة الجنسيات أو الشركات عابـرات الـدول والـقـارات ، كما أن الزيادة الحاصلة في نمو الناتج القومي إثر تحرير التجارة قد تكون مؤقتة ولا تؤدي إلى تغيير الهياكل الإنتاجية، وهذا ما تتبناه الدول العربية والدول النامية بشكل عام ، باعتبار أن الصناعات في معظم هذه الدول هي صناعات ناشئة والأفضل عدم تعريضها للآثار السلبية التي قد تنجم عن تحرير التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية الخاصة الذي وصل إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ الاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف.
إلا أن الوجهة المقابلة والتي تتبناها المنظمة تعتبر بان قوانينها لحرية التبادل التجاري تأخذ بعين الاعتبار المصالح التنموية؛ كما ترى أيضا أن نظامها التجاري قائم على كون التبادل الحر يهيئ المناخ المناسب للنمو والتنمية. والسؤال الذي يثار حول ما إذا كانت الدول النامية بمقدورها الاستفادة بما فيه الكفاية من هذا النظام ، فإن ذلك محل حوار ونقاش مستمر في المنظمة ، وهذا لا يعني بالضرورة أن نظام التبادل الحر لا يوفر شيئا لهذه الدول، بل ان الاتفاقيات تحوي على الكثير من القوانين التي تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول النامية، اضافة الى ذلك ، فهذه الدول تتمتع بفترة تمديد قبل أن تبدأ في تطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، اما فيما يتعلق بالدول الأقل نموا فتتمتع بمعاملة خاصة اذ تعفى من الكثير من الالتزامات، فالإشكاليات المتعلقة بالتنمية تثار غالبا بهدف تبرير إجراءات من المفروض عدم قبولها حسب الاتفاقيات ومن الأمثلة على ذلك منح بعض الحكومات بعض الدعم. كما ان المنظمة تعتبر التنمية المستدامة هدفا أساسيا بالنسبة لها.
إن الموضوعية تقتضي النظر إلى الانتقاد السالف الذكر بتجرد، فلا بد من تسجيل الوجه الايجابي لجهة مراعاة المنظمة لخصوصيات بعض الدول وتفهم بعض ظروفها بصرف النظر عن خلفيات هذه المراعاة، وكذلك لهدف التنمية المستدامة التي تسعى له المنظمة ، إلا أننا في المقابل مدعوون للتأكد والتحقق من ثلاثة مسائل أساسية ، تتمثل الأولى في ضرورة التمييز بين تحرير التجارة الدولية الذي يقتصر تأثيره فقط على نمو الناتج القومي، وبين حرية التبادل التجاري التي تتعدى إلى تغيير هيكليات الإنتاج وتؤدي إلى تنمية اقتصادية مستدامة مبنية على زيادة في معدل التصنيع. اما المسألة الثانية فتتعلق بضرورة عدم التسرع فيما يتعلق بالنتائج المتوقعة من الاستثمارات وتحرير التجارة الدولية دون التمييز الكافي بين دولة وأخرى من الدول التي تقوم بهذا التحرير. فنوع النتيجة النهائية لابد أن يتوقف ليس فقط على مرحلة النمو التي بلغتها الدولة ومدى توافر الظروف المواتية لدفع عجلة التصنيع فيها، بل لابد أن يتأثر أيضا بطبيعة الطرف أو الأطراف الأخرى التي يجري تحرير التجارة والاستثمارات إزاءها إذ لا بد أن تتغير النتيجة بحسب مرحلة النمو التي بلغتها الأطراف الأكثر نموا وطبيعة السلع والخدمات التي نحتاج إلى تصريفها. المسألة الثالثة هي الاعتقاد بأن تحرير التجارة أو الاستثمارات الأجنبية يمكن أن تحدث النتائج المرغوب فيها في الدولة الأقل نموا دون تدخل إيجابي من هذه الدولة، باعتبار أنه حتى في الحالات التي تحمل فيها التجارة الخارجية أو الاستثمارات الأجنبية فرص الإسراع بمعدل التصنيع وتغيير الهياكل الاقتصادية في الاتجاه المنشود، من الصعب أن نتصور تحقيق ذلك دون اتخاذ حد أدنى من التوجيه والتدخل من قبل الدولة.
1- تحرير الاستثمار لمصلحة شركات الدول على مصلحة الدولة الوطنية :
تعتبر الدول النامية أن إجحافا قد لحق بها جراء حرمانها من وضع قيود على الاستثمارات الأجنبية دون إلزام الشركات متعددة الجنسيات بالامتناع عن التلاعب بالأسعار، وفرض أسعار احتكارية على السلع التي تتعاطى بها؛ كما تعتبر الدول النامية أيضا أن إلغاء القيود على الاستثمارات مطلب موجه إليها دون غيرها؛ ولذلك تطالب بإعادة النظر في صياغة اتفاقية إجراءات الاستثمار المتعلقة بالتجارة.
إن مخاوف الدول النامية تنطلق من أن عولمة الأسواق المالية وتحرير الاستثمارات يمكن أن تترافق مع مخاطر كثيرة وأزمات ماليـة مكلفة، مثال أزمة المكسيك عام 1994 ، ودول جنوب شرق آسيا 1997 والبرازيل وروسيا وآسيا 1999 ، ويمكن رصد ابرز المخاطر في التالي :
- المخاطر الناجمة عن تقلبات رأس المال بشكل مفاجىء .
- مخاطر تعرض البنوك للأزمات كالافلاسات وغيرها.
- مخاطر التعرض للمضاربات القاسية التي يصعب مواجهتها.
- مخاطر هروب الأموال الوطنية للخارج وهو امر مألوف في الدول النامية.
- إضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة التقدية والمالية عبر التلاعب باسعار العملة الوطنية.
- مخاطر دخول الأموال القذرة (غسيل الأموال) ، وهي مخاطر تدخل عبر آليات تحرير رأس المال المحلي والدولي.
إن ما يقابل هذه المخاطر من وجهة نظر المنظمة تكمن في مجموعة المزايا التي يتيحها تحرير الاستثمارات، والتي تتمثل في سد الحاجة الماسة لرأس المال في الدول النامية، وزيادة رصيد العملات الأجنبية في أسواقها المالية، وتوفير التكنولوجيا الحديثة،وجذب الكفاءات الإدارية والتقنية اللازمة لاي عملية تنمية، وتوفير فرص عمل بشكل مستمر مع زيادة الاستثمارات وبالتالي تخفيض نسبة البطالة العالية والمزمنة في هذه الدول، وزيادة إيرادات الدولة .
أن للدول النامية ما يبرر هواجسها من ضرورة الإحاطة بالمخاطر الناجمة عن تحرير الاستثمارات وعدم التوقف فقط عند المزايا المتوقعة او المرجوة ؛ اذ ان تحرير الاستثمارات ليس أمرا يؤخذ كله أو يترك كله. ولهذا فقط خلص الاقتصادي رمزي زكي إلى نتيجتين مهمتين في شأن العولمة المالية :
- النتيجة الأولى: أن العولمة المالية وما يصاحبها من تحرير الاستثمارات الدولية، يؤدي إلى حدوث تدفقات كبيرة ومفاجئة ومتقلبة لرؤوس الأموال قصيرة الأجل الباحثة عن الربح السريع والتي تحدث أثارا ضارة بالاستقرار الاقتصادي، هي أمر غير مرغوب ويتعين تحصين الاقتصاد الوطني لمنع حدوثها. كذلك يجب تأمين الاقتصاد الوطني ضد مخاطر تدويل مدخراته الوطنية وعدم السماح للعولمة المالية بتجريفها نحو الخارج، والتصدي بحزم للمضاربات المالية، سواء من جانب المستثمرين المحليين أو الأجانب كي لا تتحول إلى نشاط مهيمن.
- النتيجة الثانية: فتخلص إلى أن العولمة المالية التي تؤدي إلى حدوث تدفقات كثيرة لرؤوس الأموال طويلة الآجل هي أمر مرغوب فيه، يجب البحث عن السياسات والإجراءات الفاعلة لجذب هذه الاستثمارات. ولهذا وبناء على أن الاستثمارات الأجنبية غالبا ما تتم من خلال شركات متعددة الجنسيات فإنه من المهم أن تفرض الدول النامية ضوابط أثناء مراجعتها للاتفاقيات المتعلقة بتحرير الاستثمار .
3- التبادل الحر بأي ثمن
وتظهر الانعكاسات السلبية هنا بشكل صارخ ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
- إن إلغاء الدعم الذي كانت تمنحه بعض الدول المتقدمة للسلع الزراعية قد رتب نتائج سلبية كبيرة على للدول التي تتكل على الواردات الزراعية لسد حاجاتها .
- كما ادى تحرير تبادل السلع الى انخفاض كبير في إيرادات الرسوم الجمركية وخصوصا بالنسبة للدول النامية التي تشكل هذه الرسوم نسبة كبيرة من مجموع إيراداتها.
- كما أدى تحرير السلع إلى تعريض الصناعات الناشئة للدول النامية إلى منافسة قوية يصعب مواجهتها .
- أن السلع التي تتمتع فيها الدول النامية بقدرة تنافسية عالية، كسلع المنسوجات، مازالت الدول المتقدمة غير متحمسة لتحريرها بالمقارنة مع سلع أخرى لا تعتبر ذات أهمية بالنسبة للدول النامية.
أما لجهة الخدمات فلم تراع منظمة التجارة العالمية انعدام الهوة الكبيرة في حجم قطاعات الخدمات في الدول الغنية وحجمه في الدول الفقيرة. ولم تراع المنظمة أيضا ارتباط بعض قطاعات الخدمات في الدول النامية بمصالحها الإستراتيجية مما نجم عن ذلك مجموعة من الهواجس، التي عبرت عنها الدول النامية ومنها الدول العربية ، وقد أثيرت في العديد من المناسبات ، وتتمثل هذه الهواجس والمخاوف في عدة وجوه أبرزها :
- إن مـزايـا الحـجـم الكـبـير الذي تتميز به الشركات العملاقة في الدول الغنية يجعل الدول النامية غير قادرة على المنافسة مهما بذلت من جهود ، فمن الملاحظ أن الاندماج في شركات البنوك ومؤسسات التأمين العملاقة، من الصعب النظر إليها خارج إطار إستراتيجيات السيطرة على قطاع الخدمات على المستوى العالمي .
- الهوة الكبيرة بين حجم الخدمات المقدمة من طرف الدول الغنية وحجم الخدمات في الدول النامية، واتساع هذه الهوة بصفة مطردة لصالح الدول الصناعية.
- أن تحرير بعض الخدمات قد يعرض بعض التوجهات والمصالح الإستراتيجية للبلدان النامية إلى خطر كبير.
- إن اتفاقية تحرير الخدمات تساوي بين مقدم الخدمة الأجنبية ومقدمها الوطني، الأمر الذي يفوت الفرصة التي تمكن من حماية المشروعات الوطنية للخدمات.
وفي مقابل ذلك، ترى منظمة التجارة العالمية (32) أن ما يتم وفق مبدأ تحرير التبادل من سلع أو خدمات يتعلق في الحقيقة بما ترغب كل دولة من الدول أن تتفاوض فيه، وهو أمر متروك بالتالي للدولة التي تريد الانضمام للمنظمة وهي ليست مكرهة على فعل آمر لا ترغب به، كما أنه من أحد مبادئ منظمة التجارة العالمية تقليص العقبات الحمائية وتحرير التبادل، غير ان الاستفادة من التبادل التجاري ستطال الجميع. وفيما يتعلق بحجم تقليص ورفع الحواجز فإنه أمر يتوقف على الدول الأعضاء المتفاوضة أيضا.
إن الوضعية التفاوضية ترتبط بإرادة تقليص الحواجز وبما ترغب الدول الحصول عليه من الأطراف الأخرى.وفي هذا المجال يعتبر دور منظمة التجارة العالمية هو توفير إطار مؤسساتي للتفاوض لتحرير التبادل، كما أن المتظمة تضع القواعد التي تحكم تحرير التجارة، وستسهم هذه القواعد من التقليص التدريجي للحواجز حتى يتمكن المنتجون الوطنيون من التأقلم مع الاجراءات التي يتم التوصل اليها؛ كما أن اتفاقيات المنظمة تحتوي على بنود خاصة تأخذ بعين الاعتبار الدول النامية وتوضح أيضا متى وكيف يمكن للحكومات أن تحمي المنتجين الوطنيين، على سبيل المثال ضد واردات تتمتع بدعم أو تشكل حالة من حالات الإغراق، ففي هذه الحالة فإن الهدف هو إقامة تجارة عادلة منصفة. وهناك أيضا مبادئ أخرى مهمة في نظام منظمة التجارة العالمية بل ربما أكثر أهمية من مبدأ حرية التبادل التجاري مثال: مبدأ عدم التمييز، ووضع شروط ثابتة وشفافة للتجارة. كما نضيف أيضا أن بعض الكتاب يطمئن الدول العربية ويؤكد على نفس الحجج السابقة الذكر معتبرا أن ما تبديه هذه الدول من مخاوف ومحاذير لا يستند في الواقع على أسس قوية وخصوصا فيما يتعلق بتحرير الخدمات وأنها محدودة الأثر لمدة طويلة. ويدافع آخرون عن اتفاقية تحرير الخدمات بأنها تعتبر عاملا محفزا من شأنه رفع كفاءة إنتاج الخدمات في الدول النامية.
ثانيا : الجانب الاجتماعي
توجه الانتقادات إلى المنظمة من وجهة اجتماعية على قاعدة الإسهام الكبير للمنظمة منذ تأسيسها على تركيز الثروة العالمية بين عدد قليل من الأثرياء، فيما رقعة الفقر والجهل في ازدياد ملحوظ، وارتفاع واضح ومضطرد في نسبة البطالة على المستوى الدولي ، إضافة إلى التوابع السلبية الناجمة عن تلك المظاهر .إما الجهات التي تقف وراء تلك الانتقادات فتتركز في المنظمات غير الحكومية ، حيث ركزت نشاطاتها وأطلقت حملات واسعة عبر ناشطيها في مختلف دول العالم، اذ ان كل مؤتمر وزاري للمنظمة كانت ترافقة حملات دعائية مركزة ومفندة علميا بالإحصاءات والأرقام التي تدعم وجهة نظره ا. فعلى سبيل المثال انطلقت مظاهرات كبيرة في مدينة سياتل بالولايات المتحدة الأميركية وفي باريس وجنيف لتبرزمجموعة من الانتقادات الاجتماعية وغيرها؛ فقد وزع بيان وقعته 1200 منظمة من 87 دولة تندد باتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء مما أدى إلى انتشار الفقر والمجاعة والتهميش والبطالة، واظهر البيان أن اتفاقات منظمة التجارة العالمية التي أبرمت في دورة الأورغواي قد استهدفت فتح أسواق جديدة للشركات عابرات الدول والقارات على حساب الاقتصاد الوطني والعديد من الفئات الاجتماعية، كما انتقدت آليات وإجراءات المنظمة باعتبارها معادية للديمقراطية وتفتقر للشفافية، فيما دول الشمال تسلك سلوكا حمائيا لمنتجاتها وأن هذه الإجراءات كلفت الدول الفقيرة سبعمائة مليار دولار سنويا وهو ما يعادل أربع عشرة مرة قيمة المساعدات التي تحصل عليها هذه الدول الفقيرة في إطار مساعدات التنمية ومن بين المنظمات غير الحكومية نجد المنظمات الأميركية التي اتهمت الرئيس الأميركي ، جورج بوش بازدواجية المعايير، ففي الوقت الذي يطالب بعولمة ذات بعد إنساني يساند ويوجه رجال الأعمال في إيجاد البيئة القانونية والظروف الملائمة لنشاطاتهم في الداخل والخارج. أما في فرنسا فقد رفضت المنظمة الفرنسية للمنظمات غير الحكومية الاعتراف بمنظمة التجارة العالمية وطالبت بفرض ضرائب لمساعدة فقراء العالم. وفي اليابان وكوريا طالبت المنظمات غير الحكومية منظمة التجارة العالمية بالعمل على إيجاد قواعد جديدة لضمان الحفاظ على الأمن الغذائي وتوقف هجرات المزارعين باعتبارها ستولد أزمات كبيرة لا حدود لها ومن الصعب السيطرة عليها.
أما الموضوع من وجهة نظر منظمة التجارة العالمية فترى أن الادعاء بأن اتفاقياتها تقلص فرص العمل وتوسع الهوة بين الأغنياء والفقراء هو إدعاء مبسط ولا يستند الى وقائع موضوعية، فالتجارة يمكن أن تشكل قوة دافعة لخلق فرص العمل ومكافحة الفقر ، إلا أنه في بعض الأحيان تكون هناك حاجة ماسة إلى تقليص العمال وبالتالي تسريح بعضهم، وفي هذه الحالة فإن الوضعية تكون صعبة على المستوى الاجتماعي، لكن في كل الحالات الحمائية لا تعتبر حلا.
إن العلاقة بين التجارة والعمل علاقة معقدة. فالتجارة الحرة في بيئة مستقرة توفر المناخ الملائم للنمو الاقتصادي، الأمر الذي يمهد لإيجاد فرص للعمل وبالتالي الإسهام في تقليص هامش الفقر. والملاحظ ان المنظمة تتطرق إلى هذه القضايا بأسلوب التدرج؛ فهي تنادي بتحرير متدرج يعطي فرصة زمنية للتكيف اللازم، وتعتبر أن هناك العديد العوامل الأخرى لا سلطة لها عليها ولا هي من صلاحياتها، وهذه العوامل هي المسؤولة عن التغيرات الحاصلة على مستوى المداخيل أو الرواتب وكذلك على معدل البطالة. فالاقتصاديات المتقدمة تعتمد على تكنولوجيا تتطلب يدا عاملة ماهرة وذات كفاءة عالية لذلك فالتغيرات التي تطال مستوى الأجور تعود إلى التغيرات التكنولوجية وتسارعها إضافة إلى عوامل أخرى متعلقة بها كالعرض والطلب على تلك الخدمات. وأخيرا تعتبر المنظمة أنه إذا كان هنالك مليار ونصف من البشر يعيشون في حالة فقر، فإن تحرير التبادل التجاري ابتداء من الحرب العالمية الثانية قد أسهم في انتشال ثلاثة مليارات من البشر من حالة الفقر.
ان التدقيق في بعض الأرقام تدحض مزاعم المنظمة والخلفية التي تدافع منها، فبعض الدراسات تؤكد أن الدول الأكثر فقرا في العالم تسخر ما بين 162 مليارا إلى 265 مليار دولار من عائدات التصدير نتيجة لتطبيق اتفاقيات جولة الأورغواي، في حين أنها تدفع ما يتراوح بين 145 مليارا و 292 مليارا نتيجة الزيادة في تكلفة فاتورة الغذاء وهو ما يعني زيادة تهميشها في الاقتصاد العالمي، مما سينعكس سلبا على الشرائح الاجتماعية ذات المداخيل المتواضعة. وهناك مؤشرات أخرى خطيرة على المستوى الاجتماعي تتمثل في تركيز الثروة لدى عدد محدود من الشركات عابرة الحدود والقارات، إذ توجد 200 شركة عملاقة من هذا الصنف تتصدر قائمة هذه الشركات تقوم بتنفيذ وممارسة ربع النشاط الاقتصادي العالمي ، ورغم ذلك لا تستخدم سوى 0.075 % من القوى العاملة مما يدل على أن النظام الرأسمالي لا يعير أي اهتمام للعمل والقضايا الاجتماعية في فلسفته الاقتصادية .
ثالثا : الجانب الصحي
يتركز هذا الجانب من الانتقادات بين الكبار في المنظمة لا سيما الدول الأوروبية والولايات المتحدة الاميركية ، حيث لا تسمح هذه الأخيرة فتح أسواقها لمنتجات الزراعية على قاعدة وجوب تأمين مواصفات صحية وبيئية عالية للمواد الزراعية ، وخوفا من دخول مواد لا تتطابق مع المواصفات الاميركية .
بينما ترى منظمة التجارة العالمية أن هناك بنودا أساسية من الاتفاقيات تتيح للحكومات القيام بالإجراءات الضرورية لحماية صحة وحياة الأفراد والحيوانات وصيانة النباتات؛ كما أن هناك اتفاقيات تدرس بصفة مفصلة معايير للسلع الغذائية والمنتجات الزراعية ومصادر أخرى ذات طبيعة حيوانية ونباتية، وذلك انطلاقا من المعايير المعتمدة في منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة وكذلك المنظمة العالمية للصحة.
إن الناحية العملية والفعلية للانتقادات الصحية المرتبطة بالغذاء والإنتاج الزراعي والحيواني ، هو في حقيقة الأمر مرتبط بشكل فعلي مع الدول النامية وغيرها من الدول ان كانت أوروبية أو اميركية، وليس الخلاف بين الدول المتقدمة فقط، باعتبار ان المنافسة التجارية في مجال التبادل التجاري وفتح الأسواق سيكون شبه معدوم بين الدول النامية والمتقدمة، وستظل الدول الفقيرة المكان الأسهل لتصريف المنتجات غير عالية الجودة إن لم نقل التي لا تنطبق عليها المواصفات والشروط العلمية المقبولة .
كما أن الأمر مرتبط إلى حد بعيد بالتقدم التكنولوجي الهائل المستخدم في الهندسة الزراعية ، وحتى هندسة الوراثة الإنسانية وحاليا قضايا الاستنساخ وما سيستتبعها، كل تلك الأمور لا تمتلكها سوى الدول المتقدمة التي ستصول وتجول في عالم الدول النامية تصريفا للمنتجات ومجالا للاختبارات، كل ذلك طبعا في ظل عدم توفر امكانات الرقابة الفعلية في هذه الدول وعدم قدرتها أصلا على امتلاك مثل هذه التكنولوجيا للعديد من الأسباب والاعتبارات المادية أو غير المادية .
رابعا : الجانب البيئي
ينطلق هذا الجانب من اعتبار مسؤولية المنظمة عن إسهامها في فتح الأسواق أمام الشركات المتعددة الجنسية التي ساهمت بدورها في تدمير البيئة الطبيعية للأرض، بفعل توسع نشاطاتها وإنتاجها دون احترام مواصفات معينة للحد من التأثير على البيئة، على قاعدة إن المهم الإنتاج والربح والتوسع ؛ وقد اخذ هذا الجانب حيزا كبيرا من نشاط المنظمات غير الحكومية أثناء انعقاد مؤتمري سياتل والدوحة .
أما في رد منظمة التجارة العالمية، فأن كثيرا من بنودها يأخذ بعين الاعتبار المخاوف المتعلقة بالبيئة، فديباجة اتفاق مراكش المؤسس لمنظمة التجارة العالمية الذي رسم أهداف المنظمة تحدث بالتحديد عن الاستخدام الأمثل للموارد وكذلك عن التنمية المستدامة وحماية البيئة؛ ومن بين أهم المواد في هذا الشأن المادة (20 ) من الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة التي تطالب الدول الأعضاء باتخاذ الإجراءات الضرورية لحماية حياة الأفراد والحيوانات وصيانة النباتات ، وكذلك اتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على المصادر الطبيعية القابلة للنفاد إضافة إلى ذلك، هناك اتفاقيات خاصة تأخذ بعين الاعتبار المشاكل المتعلقة بالبيئة، كما تستند في دعواها هذه إلى عدم اختصاصها في هذه الأمور وان الأمر متعلق بالمنظمات ذات الاختصاص البيئي على الصعيد الدولي والمحلي .
ربما يكون من السهل على المنظمة تبرير أي انتقاد يوجه إليها ، إلا انه من الصعب إن تجد التبريرات المقنعة للكثير من الأمور المتعلقة في المجال البيئي، صحيح انه من الناحية العملية ليس للمنظمة علاقة بالبيئة كمجال تخصص ، الا ان اختصاصها مرتبط مباشرة بالدول التي تشكل خطرا حقيقيا على البيئة، لا سيما الدول المتقدمة علميا وعمليا في مجال الصناعات الكبيرة المتنوعة والتي تحتاج الى اختبارات واسعة ومستمرة ، بدءا من انبعاث ثاني اكسيد الكربون جراء الصناعات ، وانتهاء بالتجارب النووية وغيرها. حتى أن الولايات المتحدة لم توقع على اتفاق كيوتو للانحباس الحراري للكرة الأرضية وهو أمر حيوي ليس للبيئة بشكل محدد وإنما يهدد وجود البشرية ومستقبل بقائها.
خامسا :الجانب التنظيمي وسير العمل للمنظمة
وجه للمنظمة العديد من الانتقادات المتعلقة بأنظمتها وسير عملها وأدائها في معاجلة العديد من القضايا، وفي محاولة لقراءة ما تم التداول به خلال اجتماعاتها الوزارية الخمسة (سنغافور 1996 وجنيف 1998 وسياتل 1999 والدوحة 2001 وهونغ كونغ 2005) يمكن رصد العديد من النقاط أبرزها :
- المنظمة تقوم بضغوط كبيرة على الدول الأعضاء لإملاء سياسات اقتصادية عليها بصرف النظر عما إذا كانت ملائمة أم لا.
- المنظمة أداة ووسيلة بيد مجموعات الضغط الاقتصادية الدولية .
- الدول ذات الاقتصاد المتواضع مجبرة على الانضمام إليها .
- تهميش الدول الصغيرة فيها، اذ لا وزن لها في اتخاذ القرارات الهامة.
-لا ديموقراطية المنظمة في عملية صنع القرار واتخاذه.

إن مناقشة هذه المسائل وإلقاء الضوء عليها والردود الموجهة إليها من قبل المنظمة ، تعطي فكرة واضحة عن صحة أو عدم صحة تلك المسائل .
1- الدول الصغيرة مجبرة على الانضمام إليها :
ترى الدول النامية أن تاريخ 15/12/1993 تاريخ نهاية الولاية التي حددها الكونغرس الاميركي للرئيس الأميركي للتفاوض حول نتائج جولة أوروغواي من دون الرجوع إليه. كان بمثابة السيف المسلط على رقاب الجميع، وخصوصا الدول النامية المتضررة التي كانت تبحث عن ضمانات ومنغمسة في التفاوض مما يعني أن عامل الوقت كان حاسما دون الأخذ في الاعتبار مصالح الدول النامية.
فالدول النامية وقعت على اتفاقيات منظمة التجارة العالمية في نيسان/ابريل 1994 تحت التهديد حينا بتحميلها مسؤولية فشل المنظمة وما سيستتبع ذلك من تداعيات وإمكانية نشوب حروب بين الأقطاب الاقتصادية العالمية، وكذلك فيما بين هذه الأقطاب والدول النامية؛ وبالإغراء أحيانا أخرى عبر الوعود التي تقدمت بها الدول الصناعية لمساعدة الدول النامية والتغلب على المشاكل التي ستواجهها.
اما وجهة نظر المنظمة فتنطلق من حاجة الغير لها، فتعتبر أنه من الأفضل للدول النامية أن تكون جزءا من المنظمة بدلا من أن تكون خارج النظام التجاري الدولي ، ولذلك يوجد في لائحة الدول المتفاوضة دولا عظمى ودولا صغيرة وأسباب ذلك إيجابية أكثر منها سلبية. هذه الايجابيات تجد مبرراتها في المبادئ الأساسية لمنظمة التجارة العالمية، كمبدأ عدم التمييز ومبدأ الشفافية، وبالانضمام الى المنظمة فإن البلد الصغير يستفيد بصفة آلية من المزايا التي يتفق عليها أعضاء المنظمة فيما بينهم. وتعتبر المنظمة أن لجوء الدول الضعيفة إلى الاتفاقيات التجارية الثنائية ليس في صالحها ويتطلب منها التفاوض مع كل طرف وتجديد التفاوض بصفة دورية مما يكلفها أعباء إضافية، كما أن العضوية في المنظمة تمكّن الدول الصغيرة من التكتل الأمر الذي يقوي من قدرتها التفاوضية، كما ان العضوية تفسح المجال لها القيام بتحالفات مع الدول التي تتقاطع معها في المصالح المشتركة.
إن أمر الانضمام إلى المنظمة بات بنظر الكثيرين من المحللين الاقتصاديين والمراقبين في مجالات العلاقات الدولية أمرا لا مفر منه، وبات من الصعب على اي دولة الابتعاد عنها ، بل يعتبر الانضمام أمرا محتوما كخيار ليس للدولة اليد الطولى فيه، فمجموعة الإغراءات التي تقدم - رغم التشكيك بقدرة الدول النامية الاستفادة منها بشكل فعلي-جعلت من بريقها وهجا لا يقاوم لحل مشاكلها المتراكمة ، بل باتت الدول تسعى بشكل جاهد وتقدم كل ما يطلب منها للقبول ، حتى ان دولة كبرى كالصين أمضت عشر سنوات من المفاوضات للدخول في عضوية المنظمة، واللائحة تطول بأسماء الدول التي تنتظر جنة منظمة التجارة العالمية !.
ربما يكون الخيار المتاح للدول النامية للتعامل مع المنظمة ضعيفا ان لم يكن معدوما، الا ان ضعف الخيارات لا يمكن أن يمنع الدول من مقاومة السلبيات التي تراها مضرة بها، رغم محدودية امكاناتها بمواجهة عولمة جارفة لا ترحم الضعيف.
2- تهميش الدول الصغيرة وعدم فعاليتها في اتخاذ القرارات
من الواضح ان التفاوض يستلزم العديد من المزايا منها القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للدولة ، وبالتالي هيبتها على المستوى الدولي ، إضافة إلى نوعية المفاوض وتصنيفه كخبير قادر وعالم في خفايا الأمور ، وأحيانا كثيرة يلعب عدد الخبراء المشاركين دورا هاما في توجيه طرق التفاوض وصولا إلى نتائج وفقا للكيفية المرغوب بها.
وبما أن أهم آليات منظمة التجارة العالمية في تحديد الاتفاقات وتنفيذها لاحقا ، المفاوضات بين الأطراف، فان هذه الآلية تلعب دورا سلبيا للدول النامية، فالولايات المتحدة على سبيل المثال حضرت مؤتمر سياتل بوفد مؤلف من 260 خبيرا ، فيما سجل نقص في عدد خبراء الدول النامية التي حضرت المؤتمر، ذلك يعود ليس لعدم توفر الخبراء بشكل كاف، وإنما ربما المسألة تطال حتى كلفة اقاماتهم وقت التفاوض؛ إضافة إلى ذلك فقد سجل العديد من الملاحظات على آلية التفاوض وما نتج عنها، فعلى سبيل المثال فقد تمّ الطلب إلى إحدى الدول بتغيير مفاوضيها على قاعدة عرقلة أعمال المؤتمر ، فيما كان المطلوب إبدالهم بسبب مدافعتهم الشرسة عن مصالح بلدهم ؛ وحتى الآمر لا يقتصر على ذلك ، فلو مررت الاتفاقيات وفقا للوجهة المطلوبة فان عقبات كثيرة سوف تعترض بعض الدول عند تنفيذها .
أما وجهة نظر المنظمة فتعتبر أن الدول الصغيرة ستكون أضعف في غياب المنظمة، وأن المنظمة ستضاعف من قدراتها التفاوضية في النظام التجاري للمنظمة؛ فالجميع ملزمون التقيِّد بنفس القواعد والإجراءات؛ وعليه فقد مكنت إجراءات تسوية النزاع في المنظمة بعض الدول النامية من الاعتراض على بعض الإجراءات المتخذة من طرف بعض الدول المتقدمة؛ فلولا المنظمة لما كان بوسع هذه البلدان الصغيرة أن تتصرف ضد شركائها التجاريين الأقوياء؛ وتضيف المنظمة لدعم رأيها أن القواعد تنتج عن المفاوضات المتعددة ألطرف، فمفاوضات الأورغواي ما كان لها أن تنجح لو لم تقبل الدول المتقدمة إعادة النظر في تجارة المنسوجات والمنتجات الزراعية التي طالبت بها الدول النامية آنذاك.
إن مبدأ المساوة الذي تنطلق منه المنظمة لجهة الخضوع للقوانين والإجراءات بين الدول أمر صحيح، إلا أن المساواة شيء والعدالة شيء آخر؛ فما هي الميزة التي يمكن ان تستفيد منها دولة ضعيفة في مواجهة دولة غنية في ظل قواعد المساواة ؟ وما هي القدرة التفاوضية لمجموعة من الدول النامية في مواجهة الدول المتقدمة كما حصل في جولة اورغواي كما تبرر المنظمة ؟ والسؤال الذي يطرح نفسه في نفس السياق أيضا لماذا ترفض الولايات المتحدة الاميركية الآن الرضوخ للضغوط الأوروبية في المجالات الزراعية والبيئية رغم المساواة في الإجراءات بين المتفاوضين؟ إذن لمنطق القوة الدور الأبرز في الوصول بالمفاوضات الى النهايات المرجوة وليس لأي سبب آخر .
3- دكتاتورية المنظمة
يمس هذا المنوضوع جوهر وجود المنظمة واستمرار عملها نظرا لتعلق الامر بآلية اتخاذ القرارات في المنظمة، فبينما كانت الدول المتقدمة تصر في جولة ارغواي على ان تكون الآلية لاتخاذ القرارات هي التوافق، طالبت الدول النامية بالتصويت كآلية مناسبة وفقا للمادة التاسعة من النظام الأساسي للمنظمة ؛ وقد تمّ التوصل إلى صيغة تسوية آنذاك تقر اللجوء إلى التصويت في حال عدم التوصل إلى التوافق، ورغم ذلك فقد رفضت الدول المتقدمة تطبيق هذه المادة ، الأمر الذي جعل هذه القضية أمرا دائما على جدول اجتماعاتها .
تنطلق المنظمة من تبرير ذلك بأن كل القرارات تؤخذ بالتوافق والإجماع، وان التوافق أكثر ديموقراطية من التصويت وخضوع الأقلية للأكثرية، كما تستند المنظمة الى ان النظام الأساسي لمنظمة بما فيها آلية التصويت قد وافقت عليها جميع الدول الأعضاء وأبرمت من قبل برلماناتها .
إن تبرير المنظمة لهذا الموضوع ضعيف ولا يستند إلى حجج منطقية ، فلو كان الأمر أفضل لماذا ترفض تطبيق القانون من الأساس، إضافة إلى ذلك ابتداعها لمعايير ومفاهيم جديدة في الديموقراطية وطرق التصويت والتوافق، ففي حالات معينة ترفض التدخل بحجة عدم الاختصاص أو الصلاحية كموضوع البيئة مثلا، وتشرع للآخرين إجراءات وقوانين ومفاهيم في مواضع أخرى كالديموقراطية واتخاذ القرارات .
4- الصراع بين القوى المتنفذة في المنظمة
يؤخذ على منظمة التجارة العالمية هيمنة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان. فان تعارضت مصالح هذه الأقطاب الاقتصادية تعطلت المفاوضات وفشلت المؤتمرات، وان اتفقت المصالح كانت على حساب مصالح الدول النامية. فإذا نظرنا مثلا إلى مؤتمر سياتل ومن بعده الدوحة، فيلاحظ التنافس الأوروبي الاميركي والياباني على القضايا الأساسية، إذ سعى كل منها الحصول على حلفاء لتأييد رأيه وتقوية مركزه التفاوضي . وتتبنى هذه الرؤية المجموعة الرابعة المتمثلة بالدول النامية التي حاولت للمرة الاولى في هذين المؤتمرين التحدث بصوت عال والإصرار على مطالبها المعارضة لأسلوب عمل المنظمة، وصولا إلى رفض المعايير الاميركية حول العمل.
إن التدقيق في مواقف الأطراف في المنظمة والخلفيات التي يقف ورائها، تظهر التناقض الكبير في المصالح والتوجهات ، كما تظهر سياسة المحاور عندما تتقاطع المصالح أو تتناقض.
فالمطالب الاميركية التي تسعى إليها بشكل مستمر تتقاطع مع كثير من العوامل الانتخابية الداخلية ، كانتخابات الرئاسة أو الممثلين ، لما لدور الحزبين الرئيسيين من توجهات داخلية ودولية، فمن المعروف أن الديموقراطيين هم من أصحاب النزعة الحمائية أكثر من النزعة العولمية، بعكس الجمهوريين ، وهذا ما اتسمت به أعمال مؤتمري سياتل والدوحة على سبيل المثال ، ففي الأول كانت الحملة الانتخابية الرئاسية في أوجها ، بينما شكل وصول الجمهوريين إلى الرئاسة قبيل اعمال مؤتمر الدوحة أسلوبا مختلفا في التعاطي مع الأمور المطروحة، وفي كلا الحالين ، ركز الاميركيون على مواضيع معايير العمل والبيئة مع تسجيل بعض التشدد في المؤتمر الأول للأسباب السالفة الذكر، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة في مؤتمر سياتل لم تكن متعجلة في أمرها لجهة جولة جديدة من المفاوضات طالما أن الدول الأوروبية كانت تصر بقوة على موضوع الإنتاج الزراعي العائد لها ؛ ويظهر من كل ذلك مدى العرقلة الاميركية التي أدت إلى إفشال مؤتمر سياتل.
أما بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوروبي ، فقد بدا الأمر في مؤتمر الدوحة مغايرا عن الذي سبقه،لاعتبارات عديدة أبرزها دخول الاتحاد في العملة الأوروبية الموحدة الأمر الذي أعطى للأوروبيين وهجا دوليا يحلمون به بمواجهة أميركا بصرف النظر عن فعاليته واستثماره، فالأوروبيون شعروا أكثر من أي وقت مضى بالبعد الإقليمي، وأيضا بتحول الاتحاد من مجرد سوق موحدة إلى اتحاد اقتصادي ونقدي، أي من مجرد فضاء تجاري إقليمي – دولي إلى قوة نقدية ومالية اقتصادية قارية ذات بعد كوني. مما أدى به إلى طموحات جديدة في ما يتعلق بتوجهات مسار العولمة والتي كانت حكرا على الحكومة والشركات الأميركية متعدية الجنسيات، وبالتالي محاولة التأثير على المنظمة .
أما بالنسبة لليابان فقد تركزت مطالبه بقضايا قوانين الإغراق الاميركية وضرورة إعادة النظر بها، فيما مجموعة الدول النامية ظلت مطالبها تتمحور بين آلية عمل المنظمة والقضايا الزراعية ؛ من هنا يلاحظ تناقض المصالح في مطالب دول المنظمة الآمر الذي اثر بشكل مباشر على أدائها بحيث ظلت اسيرة سياسة المحاور والصراعات بين القوى المتنفذة فيها.

سادسا :رؤى واستنتاجات
إن النظر بموضوعية وتجرد إلى الواقع الذي أحاط بنشأة المنظمة والظروف التي رافقتها ، وكذلك إلى شبكة المصالح الدولية المتقاطعة أو المتعارضة فيما بينها ، تقودنا إلى أمرين أساسيين متعلقين بعمل المنظمة وما وصلت إليه، وهما، أولا :إن هناك الكثير من المخاوف التي تطلقها الدول النامية هي محقة ويقابلها هواجس ليست مبررة أو لا تستند إلى وقائع جادة ، بل هناك مغالاة في إبراز مساوىء وإظهار ميزات. والأمر الثاني هو اندفاع المنظمة بشكل غير معقول باتجاه تنفيذ ما يهدف المتنفذون فيها على حساب غالبية المنضمين إليها، وبالتالي هناك حقائق ظاهرة للعيان يجب ألاجابة على أسئلتها ومحاولة الحد من مساوئها . وعليه يمكن إبراز العديد من الأمور منها :
- من المغالاة تصوير تحرير التجارة العالمية بأنها الدواء السحري للمشاكل الاقتصادية والمالية للدول النامية والمتقدمة التي تتعرض لازمات معينة، وأنها ستؤدي بشكل سريع إلى تغيرات هيكلية وبنيوية في النظام الاقتصادي والمالي للدول.
- من الوهم القول ان الصادرات جيدة والواردات سيئة ، واخذ الأمور على اطلاقها، فما النفع من الصادرات إن لم تحقق أهدافها كالتصريف بأسعار مناسبة وجلب العملات الأجنبية ... ،وما الضير في استيراد التكنولوجيا واستخدامها في تطوير مجال معين.
- من المغالاة القول أن تحرير التجارة الخارجية تؤدى إلى خلق وظائف أكثر ، بل أن الوقائع أثبتت أن تحرير التجارة يمكن أن تؤدي في النهاية إلى نوعية معينة من الوظائف ذات مردود عال نسبيا .
- إن ظاهرة اتساع الفجوة بين عالم الأغنياء وعالم الفقراء باتت أكثر وضوحا في الدولة نفسها كاولايات المتحدة الاميركية وبعض دول الاتحاد الأوروبي أو بين الدول نفسها كدول الشمال ودول الجنوب ، الأمر الذي يوجب على المنظمة الالتفات بشكل جدي إلى هذه الظاهرة ووضع الحلول لها والحد من انتشارها واتساعها ، أي بمعنى آخر إن دور المنظمة يجب أن يتخذ حيزا اكبر في الجانب الاجتماعي وايلائه الأهمية الضرورية فعلا لا قولا.
- والحقيقة الظاهرة للعيان ، آن الدول النامية وقعت على اتفاقات جولة الارغواي في ظروف غير ملائمة بالنسبة إليها، وهي لم تحصل من الوعود التي أعطيت سوى القليل القليل ، الأمر الذي زادها توجسا وخوفا ونفورا من مقرراتها، وعليه إن التعامل الصادق من قبل الدول المتنفذة أمر مطلوب لإيجاد جو من الاسترخاء في العلاقة الأمر الذي يعطي اندفاعة قوية لعمل المنظمة والدول المنضوية تحت لوائها .
- والموضوعية أيضا تقضي الاعتراف بوجود خلل في آلية عمل المنظمة لصالح الأقطاب المتنفذة فيها، مما يستدعي العمل الجاد لإزالة هذا الخلل على قاعدة احترام المصالح التجارية للدول النامية ، واحترام أعدادها المتنامية في المنظمة.
- أما الأمر الذي يبدو أن لا مفر منه هو "حتمية" الانضمام إلى هذه المنظمة ، نظرا للاتفاقات الشاملة والواسعة والمتعددة الطرف التي تنشأها ، الأمر الذي يجعل من أي دولة غير منضمة إليها معزولة عن شبكة التجارة العالمية التي فرضت نفسه على جميع الدول ، الأمر الذي يستتبع من جانب الدول غير المنضمة الى الاستعداد الكافي وايجاد البيئة المناسبة لها عبر التشريعات الداخلية وغيرها، كما على المنظمة ايضا والقوى المتنفذة فيها الاستعداد لسماع الآخرين والعمل على مبدأ التعددية واحترام قيم وظروف الآخر .