04‏/02‏/2011

سياسات التخصيص / الخصخصة

الفصل الثاني عشر
التخصيصية

د.خليل حسين
من كتاب السياسات العامة
دار المنهل اللبناني بيروت 2006

استجابة للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية سعت العديد من الدول النامية وحتى المتقدمة والى إسناد الملكيات العائدة للقطاع العام إلى القطاع الخص.، وهو ما يعرف ببرامج التخصيصية التي أصبحت ظاهرة منتشرة في الدول النامية والصناعية على حد سواء، إلا أنها كانت أوسع انتشارا في الدول النامية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين.
وتشكل الخصخصة جزءا من التعديل الهيكلي للبنى الاقتصادية للدولة بهدف تحقيق الكفاءة الفعلية للمشروعات الاقتصادية من الناحية المبدئية. ولكونها ترتكز على إعادة تعريف دور الدولة في النشاط الاقتصادي فإنها متلازمة مع القرار السياسي للدولة في وجهه الاقتصادي.وحيث أن النتخصيصية تنطوي على تغييرات أساسية في دور الدولة لجهة تعزيز الوضع الاقتصادي وتأمين فرص العمل وتأمين البنية التحتية للخدمات الاجتماعية ، إلا أنها تحمل في كثير من جوانبها آثارا هامة على شرائح اجتماعية كما على الفاعلين المعنيين في كثير من المؤسسات الاقتصادية للدولة.
وفي الواقع تختلف الأسباب التي تدفع الدول لتبني مثل هذه الخيارات، فعلى سبيل المثال لجأت الدول النامية في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين إلى برامج التخصيصية بعد تفاقم الديون الخارجية وعجزها عن السداد،وكذلك تحت ضغط متطلبات الكثير من القطاعات التي ترعاها الدولة والتي تستلزم المزيد من الأموال ، اضطرت إلى اعتماد سياسات مالية انكماشية على قاعدة تخفيض العجز والإنفاق، ولهذا شكلت التخصيصية املأ محتملا للخروج من مشاكلها.
وكما الأسباب كذلك الأهداف ،إنما تختلف من دولة إلى أخرى. ففي دول أوروبا الشرقية السابقة كانت برامج التخصيص بمثابة الوسيلة للانتقال من الاقتصاد الاشتراكي الموجه إلى اقتصاد السوق، فيما كان الأمر بالنسبة لدول أميركا اللاتينية وسيلة لتثبيت اقتصادياتها وتخفيض مستوى ديونها، أما في الدول الصناعية فكانت التخصيصية تعبيرا عن التغيير الإيديولوجي المستند الى التغير في مفهوم وظائف الدولة والشعور بعدم رضا المواطن عن نوعية الخدمة التي تقدمها الدولة .
ويبقى السؤال المركزي، هل أن نقل الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص سيؤدي إلى تحسين أداء الشركات وكفاءتها وتقديم الخدمة الأفضل بالسعر الأنسب؟.فهناك من يرى أن الملكية هي بطبيعتها ليست محايدة وبالتالي فهي تؤثر في كفاءة العمل وأداء الشركات . في حين يرى آخرون أن الملكية تؤثر على الكفاءة ولكن حجم المنافسة والادخار التنظيمي يعتبران أكثر أهمية من عنصر الملكية في مدى تأثيرها على الكفاءة الاقتصادية (.فيما فريق آخر يجد أن أرباح الشركات وانتاجبة العاملين وحجم المبيعات الحقيقي في الشركات التي يتم تخصيصها ترتفع بشكل كبير .
ويبين الجدول التالي حجم الأرباح المحققة جراء عمليات التخصيص وفقا للمناطق في العالم :
المنطقة النسبة المئوية
أميركا اللاتينية والكاريبي 54%
أوروبا ووسط آسيا 23%
شرق آسيا والباسفيك 12%
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 5%
جنوب آسيا 4%
الصحراء الأفريقية 2%

أولا: الأهداف الاجتماعية والاقتصادية للتخصيصية
من الواضح أن التخصيصية ليست هدفا بحد ذاتها بقدر ما هي وسيلة لتملك القطاع الخاص للمشروعات المملوكة من قبل الدولة بغية رفع كفاءة الاداء وجودة الإنتاج بأقل كلفة ممكنة أما ابرز أهدافها فيمكن تلخيصها بالتالي :
1 - محاولة خفض الطلب على الموازنة العامة وعدم ارهاقها بتمويل مشاريع خاسرة،مما يشكل منعا للنزف والهدر.
2- إن بيع أو تأجير أو غيره من أساليب التخصيصية يمكن أن يؤدي إلى زيادة مداخيل الحكومة/ الأمر الذي يؤدي الى سد العجز في الموازنة العامة وسداد أجزاء من الديون المترتبة على الدولة.
3 – التخلص من الأعباء الإدارية وما تسببه من مصاريف الموازنة.
4- رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة فعالية الإنتاج عبر الانسحاب من النشاطات الاقتصادية غير مضمونة النتائج مقارنة مع ما يمكن ان يقدم لها من أعباء ، وبخاصة مجالات الصناعة والزراعة والقطاعات الخدماتية والنقل والم والتجارة والسياحة.
5 – تحيز الأفراد والشركات على تملك وحدت الإنتاج ، الأمر الذي يوسع قاعدة الملكية الخاصة لأصول الإنتاج ما يحقق مسؤولية المالك في الرقابة والإشراف والمتالعة لما يملك وبالتالي زيادة الإنتاج.
6 – إعادة التوازن بين القطاعين العام والخاص، عبر خلق فرص عمل جديدة وجذب أصحاب الكفاءات والتخفيف من البطالة المقنعة.
7 – إن ساهمت التخصيصية في الإنتاج فستساهم في تخفيف التضخم،عبر إعادة التوازن بين العرض والطلب، كما الإنتاج والاستهلاك.
8 – خفض الواردات وزيادة الصادرات، وتقليص العجز في ميزان المدفوعات، الأمر الذي يؤدي إلى خفض الدين الخارجي، وزيادة احتياط العملات الأجنبية في المصرف المركزي.
9 – تحقيق الرفاه الاقتصادي والاجتماعي ورفع مستوى المعيشة وتحقيق الإنماء المتوازن.
10 – تطوير وتفعيل الأسواق المالية المحلية.
11 – كما ان هناك أهدافا سياسية يمكن أن تظهر في عمليات التخصيصية ، ذلك عبر إشراك المواطنين في الأسهم المباعة أو المستثمرة، وبذلك تؤمن الحكومة دعما شعبيا عبر الانتخابات تكون بمثابة تأييد للسياسات العامة التي تتبعها، أي بمعنى ’خر يمكن لبرنامج التخصيص أن يؤمن وجها من وجوه المشاركة السياسية في حكم الدولة.
12 – إعادة تعريف الدولة لوظائفها السياسية .
ثانيا: استراتيجيات الخصخصة
قد يبدو في بعض الأحيان وجود بعض التعارض بين أهداف الخصخصة نفسها، ما يمكن أن يفشل البرنامج برمته أو عرقلته على الأقل، لذا يجب على الاستراتيجيات التي توضع لبرامج الخصخصة أن توضح اولويات البرنامج وطرق تحقيقه وطمأنة الذين يمكن أن يتضرروا منها ومن أهم استراتيجيات الخصخصة ما يلي:
1 – تعريف الخصحصة على نطاق واسع.
2 –الإعلان بوضوح تام عن الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لبرامج الخضخضة.
3 –تأمين التوافق الاجتماعي على أهدافها الرئيسة من خلال الحملات الإعلامية الواسعة.
4 – وضع المعايير الواضحة لاختيار القطاعات والشركات المنوي تخصيصها ومعايير تقييمها.
5 – اختيار أساليب التخصيص وفقا لحالة كل قطاع أو شركة، إذ انه من غير المفيد تعميم أسلوب معين على جميع القطاعات، فالمفيد لقطاع معين قد لا يفيد قطاعا آخر.
6 – ضمان تحقيق الشفافية والمحاسبة والمراقب في عمليات الخصخصة.
7 – التسويق الناجح لقطاعات الخصخصة كي تجذب المستثمرين ، وعدم اللجوء إلى تخصيص القطاعات التي تبدو في حالة انهيار باعتبارها لن تأتي بالأسعار المناسبة أو المطلوبة.
8 – توسيع المشاركة وتشجيعها عبر مشاركة المواطنين بالأسهم المطروحة للبيع أو الإيجار أو الاستثمار.
9 – مراعاة مخاوف العاملين في القطاع المنوي تخصيصة عبر تمليكهم نسبة من أسهم الشركة أو القطاع المطروح للخصخصة، أو عبر بيع نسبة من الأسهم بأسعار تشجيعية ، ودفع التعويضات العادلة للعمال الذين سيتم صرفهم.
10 – مراعاة مخاوف المستهلكين عبر إيجاد البيئة القانونية للمراجعات إن وردت، وكلك وضع آليات لمراقبة جودة الإنتاج والأسعار.
11 – تحديد دور ونسبة المشاركة الأجنبية لا سيما في القطاعات التي تعتبر حساسة بالنسبة للاقتصاد الوطني.
12 – وضع آليات لمراقة تطور عمليات التخصيص والنتائج المترتبة عنها.
13 – وعلى الرغم من وجود بعض الاختلاف لجهة القطاعات الحساسة والحيوية ، فإننا نميل إلى التمهل كثيرا في برامج تخصيصها لما يمكن أن يكون لها اثر على الأمن الاقتصادي الوطني.
14 – تقييم أصول المشروعات عبر القيمة الدفترية أو قيمة السهم أو القيمة بالمزاد أو القيمة على أساس قدرة الإنتاج
15 – تحديد الأصول المراد بيعها أو إيجارها بهدف معرفة القادر على استيعاب برامج التخصيص ؛ أي بمعنى آخر هل أن الرأسمال الوطني قادر لوحده على التنفيذ ؟ أم سيشارك الرأسمال الأجنبي؟ وبالتالي ما هي مخاطر مشاركة هذا الأخير ؟ .
ثالثا: تقييم أداء الخصخصة
يتطلب تقييم عمليات الخصخصة أجراء مقارنات لما حدث نتيجة تنفيذ برامج الخصخصة مع ما كان سائدا قبلها، وكذلك مع ما كان متوقعا منها،كما يتطلب الأمر تحديد بعض المؤشرات التي يمكن تجميعها ضمن فئتين أساسيتين:المؤشرات ذات المستوى الكلي والتي يمكن قياسها وفقا للأهداف الأولية مثل،مستوى زيادة مشاركة القطاع الخاص في الإنتاج، وخفض عجز الموازنة/ وحجم الاستثمارات الخارجية، تطور أسواق رأس المال المحلي، تحسن الميزان التجاري الخارجي،والتغير في حجم البطالة والعمالة.أما الفئة الثانية فتتعلق بالمستوى الجزئي والممكن قياسه عبر الكفاءة التقنية للإنتاج،الأسعار الحقيقية للاستثمار، ومعدل الأرباح.ويبيّن الجدول التالي حجم ومستوى الأداء لـ 79 شركة تمّت خصخصتها في 21 دولة بين الأعوام 1980 و 1992 .
المؤشر الإرباح الكفاءة الاستثمار الإنتاج العمالة توزيع الأرباح
المعدل 124 25 126 25 1,3-139 44

كما يبين الجدول التالي عائدات الخصخصة في بعض دول الشرق الأقصى والباسيفيك بين الأعوام 1995 و 1999 بملايين الدولارات.
الدولة 1995 1996 1997 1998 1999 الاجمالي
الصين 649 919 9120 611 2946 14245
اندونيسا 2031 1008 141 122 850 4152
ماليزيا 2519 214 704 --- 130 3567
الفيليبين 207 22 371 --- 230 830
تايلاند --- 291 48 353 1344 2036
غيرها 4 226 --- 5 --- 235
المجموع 5410 2680 10385 1091 5500 25066
رابعا: خصخصة البنى التحتية
كانت غالبية قطاعات الخدمات في القرن التاسع عشر كالنقل من سكك الحديد والطرق والأنفاق والمياه وغيرها مملوكة ومدارة وممّولة من قبل القطاع الخاص، وقد ساهمت الحروب والكساد وغيرها من العوامل إلى تأميم هذه القطاعات من قبل الدول في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، حيث تدخلت الدولة تمويلا وتنظيما . إلا أن الأمور لم تستو وعادت المشاكل لتظهر في هذه القطاعات نتيجة الفساد وعدم القدرة على التمويل اللازم وازدياد عمليات الإقراض الخارجي لإدارة القطاعات، مما دفع بالكثيرين إلى المطالبة بتخلي الدول لصالح القطاع الخاص.
إن مشاركة القطاع الخاص لا يعني بالضرورة إلغاء دور الدولة ، إذ أن هناك مشاريع كثيرة لا تجذب المستثمرين بشكل عام كقطاعات النقل على سبيل المثال؛ وفي هذه الحالة يكون دور الدولة قد تغيَّر من دور المنظم الذاتي إلى دور المنظم المستقل.ويبيّن الجدول التالي قيمة الخصخصة من الناحية القطاعية للأعوام 1997 و1998و1999 .
القطاع 1997 1998 1999 الاجمالي
البنية التحتية 37370 39964 11669 89003
% 56,1 81 26,5 55,6
الصناعة 7795 2167 3127 13089
% 11.7 4.4 7.1 8.2
القطاع الاولي 12932 3125 18085 34142
% 19.5 6.3 41 21.4
الخدمات المالية 3445 3149 9007 15601
% 5.2 6.5 20.4 9.7
اخرى 5031 905 2188 8124
% 7.5 1,8 5 5.1
المجموع 66573 49309 44076 159958
لقد شهد العام 1999 جملة من عمليات الخصخصة في البنى التحتية الكهرباء والمياه والمواصلات،وقد بلغت 11.7 مليار دولار اميركي، وكانت حصة قطاع الاتصالات 5.3 مليار دولار توزعت على الشكل التالي2.6 في دول شرق آسيا،1.3 في دول شرق ووسط أوروبا، 0.4 في دول أميركا اللاتينية.أما قطاع الكهرباء فكانت حصته 5.5 مليار توزعت كما يلي 3.9 في أميركا اللاتينية والكاريبي، مليار في شرق أوروبا ووسط آسيا، و0.5 قي شرق آسيا والباسيفيك والباقي في جنوب آسيا وأفريقيا.كما بلغت حصة المواصلات حوالي 0.7 مليار توزعت على دول شرق آسيا والباسيفيك وأفريقيا.
1- طبيعة أسواق البنى التحتية
يمكن لعمليات الخصخصة أن تتم في ثلاثة أنواع من الأسواق وتتميز كل واحدة منها بسمات خاصة هي:
- الأسواق التنافسية وتتميز بوجود عدد كبير من الموردين والمشترين والمنافسة الحرة وسهولة الدخول إليها والخروج منها.
- الأسواق غبر التنافسية:ويمكن أن تكون على شكل احتكارات طبيعية أو ناجمة عن قوانين ، وتتميز الاولى بانخفاض التكاليف مع زيادة حجم الإنتاج ، الأمر الذي بمكن شركة كبرى من مواجهة تكاليف إنتاج اقل من تلك التي تواجهها الشركات الصغيرة.
- الأسواق القابلة للمنافسة: وتتميز بدورها بأن التهديد بالمنافسة من شركات محتمل أن تدخل السوق قد يجبر المحتكر على التصرف وكأن السوق تتسم بالمنافسة، وقد يحتاج هذا النوع من الأسواق إلى تنظيم مباشر من قبل الدولة.
2- السماح بالمنافسة
- يمكن إدخال المنافسة في الأسواق غير التنافسية في الخالات التالية
- الأسواق التنافسية المحتملة لقد أصبح بعض الأسواق احتكارية ليست لأنها احتكارات طبيعية، لكن بسبب تشريع يمنع دخول شركات أخرى. ،ولتفكيك هذه الاحتكارات يجب إلغاء هذه التشريعات ذات الصلة بما يسمح الشركات الأخرى بدخول السوق.ويتطلب تفكيك احتكار ما القيام بتقسيم الشركة الاحتكارية القائمة إلى وحدات متنافسة.
- المنافسة على السوق: عندما تكون السوق التنافسية غير ممكنة ، قد تعوض المنافسة في السوق بالمنافسة على السوق، وذلك على أساس التعاقد والترخيص، وبالتالي قد تؤدي عملية المزايدة إلى خفض الأرباح المحتملة للمحتكر.
- التطور التكنولوجي: لقد سمح التطور التكنولوجي في بعض الخدمات العامة بالترافق مع تسهيل سياسات الترخيص بدخول مشاركين جدد إلى السوق ، ويصح هذا الحال في شركات الاتصالات ، حيث أدت المنافسة على الشبكات إلى تطور هذا القطاع في الكثير من الدول.
3- التنظيم في الأسواق غير التنافسية
في حال تعذر حصول المنافسة في الأسواق عندها يصبح التنظيم الاقتصادي للقطاع ضروريا، وذلك من خلال هيئة تنظيمية. وهنالك العديد من طرق التنظيم المناسبة لمختلف الحالات بحيث يتم اختيار المناسب منها. ولكي يكون التلزيم فعالا ينبغي أن يكون بتصرف المنظمين فريق عمل مؤهل ولديه القدرة على الوصول إلى البيانات حول الشركة، ويشترط أن يكون المنظمون مستقلين بما فيه الكفاية ولا يخضعوا لأية ضغوط ولديهم الصلاحية اللازمة لتطبيق قراراتهم.
ويمكن أن يكون التنظيم إما هيكليا أي تخويل إصدار تصاريح لعدد من الشركات المختارة للعمل في قطاع معين أو اقتصاديا والذي يأخذ أشكال تنظيم الأسعار ، تنظيم معدل العائد وامتياز متفاوض عليه.كما ينبغي أن تتضمن مهام المنظمين التأكد من إلزام حاملي الرخص بشروط الحصول على الرخصة، حماية المستهلكين من أي تجاوزات من طرف الشركة المرخصة في مجال الأسعار ونوعية الخدمات المقدمة بالإضافة إلى القيام بالتحقيق في الشكاوى المرفوعة ضد الشركة.
4- خصائص البنية التحتية
تتميز البنية التحتية ببعض الخصائص التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تناول موضوع مشاركة القطاع الخاص في بيع البنية التحتية . ومن ابرز تلك الخصائص هي صغة الاحتكار الطبيعي لتلك المشاريع ما يوجب على الدولة حماية المستهلكين من أية تجاوزات محتملة من طرف المحتكر.كما تعتبر بعض مشاريع البنية التحتية ذات أهمية استراتيجية .وعادة ما تكون أيضا خدمات البنية التحتية غير قابلة للتصدير وبالتالي فان أسعارها يتم تحديدها في السوق المحلية وتكون إيراداتها مقومة في العملة المحلية ما قد يجعلها في بعض الأحيان غير ذي جاذبية للاستثمار الأجنبي، نظرا لمخاطر سوق الصرف ومخاطر القابلية للتحويل.
وغالبا ما تكون شركات البنية التحتية ذات إحجام كبيرة وتتطلب بالتالي استثمارات أولية ضخمة وتكون إيراداتها ضئيلة في السنوات الأولي وتتميز بفترات استرداد طويلة، ما يجعل من الصعوبة بمكان تمويل مشاريع البنى التحتية كما قد يقوم بعض المستثمرين بطلب ضمانات بالنسبة للإيرادات المستقبلية.إلى جانب ذلك قد تكون بعض الشبكات مثل شبكات الاتصالات غير منسجمة وتتسبب في ازدواجية المعدات وتاليا زيادة في التكاليف.واستطرادا يعتبر توزيع المخاطر المرتبطة بمشاريع البنى التحتية بين الدول والقطاع الخاص مسألة مهمة للمستثمرين الذين يرغبون في تحقيق عائد كاف على رأس المال الذي يسمح لهم بتغطية التكاليف وتحقيق الربح المعقول.
رابعا : طرق الخصخصة
إن نجاح عملية الخصخصة تعتمد على العديد من العناصر وأبرزها الطريقة أو الأسلوب الذي يختار لبرنامج الخصخصة، إذ أن نجاح طريقة ما لقطاع ما، لا يعني بالضرورة نجاحه لقطاع آخر.كما يساهم في عملية اختيار الطريقة الأهداف المرسومة للخصخصة وحجم القطاع المنوي تخصيصه ، وحجم مساهمة القطاع العام في الاقتصاد الوطني ، إضافة إلى اهتمامات ومتطلبات الفاعلين الأساسيين في هذه البرامج.
ولا تعني مشاركة القطاع الخاص بالضرورة امتلاك المؤسسات المخصخصة، وتتراوح مشاركة القطاع الخاص في خصخصة البنية التحتية من تلك التي تنهي ملكية الدولة للقطاع إلى التي تبقي الملكية وتخصص الإدارة.
1- خصخصة الإدارة
تهدف خصخصة الإدارة إلى رفع كفاءة شركات القطاع العام من خلال تحسين أدارتها عبر إدخال تقنيات إدارة القطاع الخاص.ويمكن أن تجرى عبر عقد الإدارة والتأجير والامتياز.
أ – عقد الإدارة
وهو عقد تتفق فيه الدولة مع شركة خاصة لإدارة شؤون القطاع المنوي تخصيصه.وفي هذه الحالة تتحول حقوق التشغيل للشركة دون حقوق الملكية.وتحصل بموجب ذلك على رسوم مقابل خدماتها،وبالامكان ربط الرسوم بالأداء أو الأرباح التي تؤمنها إدارة الشركة الخاصة،كما تبقى الحكومة مسؤولة عن نفقات التشغيل والاستثمار، وتستخدم هذه الطريقة في الحالات التي تود فيها الحكومة إنعاش المؤسسات الخاسرة عبر إدخال إدارة جديدة إليها لرفع قيمتها في حال عرضها على البيع. وقد اعتمد لبنان عقد الإدارة في مجال جمع النفايات – شركة سوكلين – وإدارة محرقة النفايات ومصنع معالجة النفايات .كما استخدمت غينيا بيساو هذه الطريقة عبر مساعدة فرنسا في العام 1986 ،وذلك في مجال الطاقة الكهربائية حيث زادت الإرباح والكفاءة التشغيلية والأداء.
ومن ابرز مزايا عقد الإدارة من وجهة نظر الدولة،انه يسمح للدولة الاحتفاظ بالملكية كما يمكنها من الاستفادة من الخبرات الإدارية المستخدمة. إلا انه يعاب على هذا النوع من الطرق ازدواجية الإدارة الخاصة والملكية العامة، فالمتعاقد مع الإدارة لا يتحمل المخاطر حيث تتحمل الدولة أية خسائر ناجمة عن عمليات الشركة.والاتفاق الذي يضمن للإدارة رسوما ثابتة بغض النظر عن أداء الشركة لا يعطي هذه الإدارة أية حوافز لرفع الكفاءة والحفاظ على قيمة الأصول، ويمكن معالجة هذه العيوب من خلال ربط جزء من رسوم الإدارة بالإرباح أو الإنتاج أو المبيعات التي تحققها الشركة وكذلك بحسب طبيعة الشركة.
ب - عقد التأجير
عقد الإيجار هو عقد تُمنح من خلاله الجهة المالكة للأصول (القطاع العام) إلى القطاع الخاص حق استخدام الأصول والاحتفاظ بالإرباح لفترة معينة مقابل دفع إيجار.وبعكس طريقة عقد الإدارة تتحمل هنا الشركة الخاصة مخاطر الاستثمار مما يحفزها لجهة خفض النفقات والمحافظة على قيمة الأصول، ولكن في المقابل تبقى الدولة مسؤولة عن الاستثمارات الثابتة وخدمة الديون ، وتتراوح الفترة الزمنية عادة بين 5 و 10 سنوات.وقد استخدمت هذه الطريقة في عدد من الدول الآسيوية والأفريقية في مجالات النقل والطاقة والمياه والمناجم .وطبقت عقود الإيجار في تايلاند عام 1986 على قطاع السكك الحديدية، وكذلك في ساحل العاج عام 1990 في مجال الكهرباء حيث سجلت نجاحات لافتة.
ومن بين المزايا التي يوفرها عقد التأجير للدولة توفير نفقات التشغيل من دون التخلي عن ملكية الشركة ، وكذلك الحصول على المداخيل السنوية دون التعرض لمخاطر السوق، إضافة إلى وقف التحويلات والدعم لهذه المؤسسات، كما يساهم في الاستفادة من الخبرات الإدارية العاملة في المؤسسات المخصصة . إلا أن المشكلة الرئيسة في هذا العقد يكمن في انه طالما لا يحصل تحويل في الملكية للشركة الخاصة فلن يكون لديه الحافز لتطوير المؤسسة وأصولها إلا بمقدار ما يضمن لها عائد مناسب على استثماراتها خلال فترة العقد.
ج – عقد الامتياز
وتمنح الدولة للشركة الخاصة حق التشغيل والتطوير ويتضمن العقد عادة مواصفات التأجير والنفقات الرأسمالية والاستثمارية،التي تععلى مسؤولية صاحب الامتياز، على أن تعاد الأصول عند نهاية العقد الذي يمتد لفترات طويلة من 15 إلى 30 سنة وتصل في بعض المشروعات إلى 99 سنة وذلك وفقا للعمر الافتراضي لنوعية المشروع.، وطبقت هذه الطريقة في الأرجنتين في مجال السكك الحديدية،وعلى المستوى الدولي شكلت عقود الامتياز نسبة عالية وصلت إلى 80% من عقود برامج التخصيص وذلك في الفترة ما بين 1988 و 1993.
أما ابرز مزايا هذه الطريقة توفير الأموال التي يمكن أن تصرفها الدولة على الاستثمارات، إلا أن كثيرا من الدول تواجه صعوبات في إيجاد المستثمرين في هذه الطريقة نظرا للمتطلبات الكثيرة في هذا النوع.ويتضمن خيار الامتياز العديد من الطرق، أبرزها: طريقة "بناء- تشغيل- تحويل"(BOT).و"بناء- امتلاك- تشغيل – تحويل"(BOOT). و"بناء –امتلاك – تشغيل"(BOO).و"بناء – تحويل – تشغيل"(BTO).
- طريفة بناء- تشغيل – تحويل(BOT)
يقوم القطاع الخاص بموجب هذه الطريقة بتصميم وبناء وتشغيل المؤسسة التابعة للقطاع العام عبر عقد الامتياز الذي يمتد بين 25 و40 سنة ويتم تحويل القطاع إلى الدولة بعد انتهاء العقد.وينظر إلى هذه الطريقة كآلية لتطوير البنى التحتية ، حيث المنفعة متبادلة بين القطاعي الخلص والعام، فالقطاع الخاص توفر له فرص استثمارية فيما القطاع العام يستفيد بتطوير المشاريع وعودة ملكية الأصول له بعد انتهاء العقد,
كما تعتبر هذه الطريقة معقدة بعض الشيء ذلك لوجوب القيام بالعديد من الخطوات التنظيمية والاتفاقات قبل انطلاقة التخصيص،كذلك لتعدد الأطراف المشاركة فيه من شركات ومؤسسات ومقاولون والموردون والمشغلون والزبائن.وتشنل خطوات الخصخصة بموجب هذه الطريفة القيام بدراسة أولية على حساب الدولة ثم اختيار صاحب الامتياز أو الجهة/الجهات التي ستدير المشروع،، ومن ثم عقد الاتفاقيات ،فالبناء فالتشغيل ومن ثم إعادة الأصول إلى الدولة.
ويتم تمويل المشاريع بعدة طرق مثل قروض المؤسسات المالية،وكالات تمويل الصادرات ، السندات والأسهم.ويتعرض الممولون بشكل عام إلى بعض المخاطر المتمثلة في سعر الصرف وقابلية التحويل،ومخاطر السوق كتوفير المواد الأولية للإنتاج،إضافة إلى المخاطر السياسية لا سيما في الدول غير المستقرة تماما.
- طريقة بناء- امتلاك - تشغيل – تحويل (BOOT)
تزايد اللجوء إلى هذه الطريقة في الدول الصناعية المتقددمة والنامية على حد سواء لا سيما في المشاريع الكبيرة كالطرق والجسور والسدود.ويقوم القطاع الخاص بتمويل تلك المشاريع وبنائها وتشغيلها لفترات تتراوح بين 15و30 سنة.وتعنبر هذه الطريقة من الطرق المتفرعة عن السابقة، إلا أن الفرق بينهما، أن الثانية توفر على الدولة مزيدا من المخاطر لجهة التكلفة المالية وأية تكاليف أخرى خلال فترة الامتياز،كما تحصل الدولة على البنى التحتية دون تحمل عناء البناء .
2 – طرق البيع
لجأت العديد من الدول إلى عمليات بيع المؤسسات باعتبارها تدر أموالا سريعة عادة ما تكون الحكومات بحاجة إليها،. وقد مثلت هذه الطرق 58% من الإيرادات . و 86% من إجمالي المعاملات خلال العام 1994 . أما لجهة الطرق فتتعدد بتعدد الأهداف المتوخاة ونوعية المؤسسة المراد خصخصتها.
أ – البيع المباشر
وتظهر في عروضات المزاد العلني عبر دفتر شروط أو غيره من الطرق ، وتتميز طرق البيع بشكل عام بعدم وجود وسطاء بين الدولة والقطاع الخاص.وتمكن هذه الطريقة الدولة من اختيار أعلى الأسعار، كما تتميز بالشفافية حيث الآلية واضحة وتمكن كل المستثمرين من المشاركة، ويؤخذ علي هذه الطريقة البطء في التنفيذ حيث أن كل عملية تتطلب الكثير من الوقت،كما تتطلب نفقات إدارية كبيرة. وقد استعملت طريقة البيع المباشر من قبل دول أوروبا الشرقية في مجال المطاعم والمحلات ومن قبل بعض الدول العربية كالمغرب في مجال الفنادق.
وفيما يتعلق بعملية المزايدة تحديدا فتعتبر سريعة التنفيذ وواضحة المعالم والأهداف المتوخاة، إلا أنها لا تمكِّن الدولة من فرض شروطها المحددة ، ولكي تنجح عملية المزايدة على الدولة القيام بالترتيبات اللازمة للتأكد من توفر العدد المعقول في عمليات المنافسة والتأكد أيضا من عدم التواطؤ بين الشركات نفسها، وقد حدث ذلك كثيرا في بعض الدول ومنها لبنان حين عرض شركتي الخلوي – ليبانسل وسيليس – لخصخصة الإدارة حيث آلت النتائج إلى بقائهما منفردتين ما أدى إلى إعادة عمليات المناقصة، وهنا لا فرق في عمليات التواطؤ إن لجهة المناقصة والمزايدة.أما في تشيكوسلوفاكيا السابقة فقدت تميزت عملية خصخصة المحلات الصغيرة من خلال المزاد العلني بالسرعة والكفاءة حيث أنهيت العملية في فترة لم تتجاوز السنتين ودرَّت للدولة مبلغ 1.6 مليار دولار.
وتتطلب بعض القطاعات إدخال تكنولوجيات متطورة الأمر الذي يفرض على الدولة اللجوء إلى شركات محددة تتمتع بخبرات وامكانات كبيرتين.وتتم عملية البيع عبر التفاوض التي تمكِّن الدولة من إمكانية فرض بعض الشروط على الشركة ، إلا أن الإجراءات قد تواجه بعض الصعوبات لا سيما في الدول النامية وأبرزها:
- إن ضخامة بعض الشركات المعروضة للخصخصة لا تتلاءم والأوضاع المالية للمستثمرين المحليين، الأمر الذي يفرض على الدولة اللجوء إلى البيع للمستثمر الأجنبي، وفي حال كانت هناك معارضة داخلية للبيع للأجنبي ، يمكن للدولة أن تلجأ إلى البيع بالتقسيط بحسب نسبة الأرباح المستقبلية، وقد اتبع هذا البرنامج في بعض دول أوروبا الشرقية كالمجر واستونيا وبولندا .
- يمكن أن ينظر لهذه الطريقة على أنها غير عادلة بسبب عدم إشراك المواطنين بها بسبب عدم قدراتهم المالية للمنافسة.
- قد تتعقد عمليات البيع بسبب صعوبة عملية تقييم الشركات المعروضة للبيع وقد ظهرت في دول أوروبا الشرقية لأسباب تعود إلى طبيعة النظام الذي ساد لفترات طويلة لا سيما الجانب المتعلق بالنظام المحاسبي الذي لم يعكس القيمة الحقيقية للشركات.
أما في الدول العربية فقد لجأت المغرب على سبيل المثال إلى خصخصة الفنادق عبر ثلاثة طرق حتى العام 1996، فقد تمَّ بيع 44% من الفنادق المعروضة عن طريق العروض وبلغ النصيب النسبي من إيراداتها 26%، فيما وصل النصيب النسبي للإيرادات عبر طريق التفاوض بعد العروض إلى 44%، أما طريقة التفاوض المباشر فقد أدت إلى 30% من جملة الايرادات.وفيما يلي جدولا توضيحيا بذلك:
طريقة الخصخصة عدد الفنادق النسبة المئوية نسبة البيع الإيرادات من البيع
مليون درهم النصيب النسبي لكل طريقة
العروض 8 44 100 153.78 26
التفاوض بعد العروض 5 128 100 265.30 44
التفاوض المباشر 5 28 100 179 30
المجموع 18 100 --- 598.08 100
أما في الكويت فقد عرضت الدولة للبيع 40 مليون سهم من الأسهم المملوكة لها في الشركة الكويتية للبناء والتي تمثل حوالي 30% من أحمالي الأسهم المصدرة للشركة . وتمَّ ذلك عبر طريق المزاد العلني في سوق الأوراق المالية بسعر ابتدائي قدره 206 فلسا للسهم الواحد على شكل أربع شرائح وكل شريحة عشرة ملايين سهم وذلك ثمن تنفيذ برنامج الخصخصة الذي من بين أهدافه إتاحة الفرصة الى اكبر عدد ممكن من المستثمرين المحليين للمشاركة بغية تحسين السعر وبالتالي زيادة إيرادات الدولة , أما الأردن الذي يعتبر من أوائل الدول التي تخوض تجربة الشريك الاستراتيجي ، فقد طرحت في النصف الثاني من عام 1996 حوالي 20% من أسهم الدولة البالغة 49.5% من رأس مال شركة مصانع الاسمنت الأردنية للبيع. واستهدفت شركات عالمية متخصصة في صناعة الاسمنت بهدف الحصول على شريك استراتيجي للشركة لتطويرها فنيا، وللمساعدة في تحسين النوعية والكفاءة الإنتاجية وفتح أسواق جديدا .
ب – بيع الأسهم في الأسواق المالية
تستخدم هذه الطريقة عادة لبيع الشركات التي تتمتع بظروف مالية جيدة وذات حجم كبير،وتعرض الأسهم بشكل مباشر للجمهور وبسعر ثابت.وقد عرضت مصر في العام 1992 أسهم 10% من اصل 314 شركة على سبيل التجربة، وتمكنت هذه التجربة من النجاح بشكل لافت الأمر الذي حدا بالحكومة المصرية إلى تشجيع مثل هذه الطريقة وإيجاد البيئة القانونية المناسبة لها، إذ أمَّنت ضمانات كثيرة لمنع الاحتكار ، ولاستفادة العمال الموجودين في هذه الشركات حيث خصصت 10% من الأسهم في كل شركة للعاملين فيها.وبعد نجاح التجربة أيضا عمدت إلى طرح 15 شركة صناعية وهندسية وزراعية في العام 1996 لبيع لسهمها وتحويل ملكيتها بالكامل إلى المصريين والعرب والأجانب.وكانت شروط تملك الشركات زيادة نشاطاتها واستمرار نوعية وطبيعة النشاط وتخصيص حصص معينة للتصدير،وعدم المساس بحقوق العاملين من غير الرجوع للدولة.وقد تمَّ اختيار هذه الشركات على أنها تعمل في أنشطة مماثلة للقطاع الخاص شرط أن لا يمس إنتاجها الأمن القومي الاستراتيجي وعلى أساس توفير 15 ألف فرصة عمل .
أما الكويت فقد طبقت طريقة بيع الأسهم المتداولة في الأسواق المالية منذ العام 1994، وفقا لظروف السوق وإقبال الشارين،إذ كانت ترجمة لأهداف برنامج الخصخصة المتمثل بتوسيع قاعدة المشاركة وتنشيط الأسواق المالية، وقد أتاح البرنامج فرصا استثمارية للمواطنين بلغت 1.6 مليار دولار حتى العام 1996،منها حوالي 198 مليون دولار بيعت عن طريق سوق الأوراق المالية أما الباقي فقد تمَّ عن طريق المزاد والاكتتاب العام .
وتتميز هذه العملية بقدر عال من الشفافية حيث يتم الترويج للبيع مترافقا مع كشف القوائم المالية للشركات تماشيا مع شروط البيع من حلال الأسواق المالية\،ويمكن للدولة أن تبيع أسهمها بطريق مباشر، أو عبر وسيط متعهد الذي يجنبها مخاطر السوق على الرغم من كلفتها ،كما يمكن أن تكون عمليات البيع في السوق المحلي أو الأسواق الخارجية.
وتعتبر طريقة بيع الأسهم ثاني أهم طريقة لتنفيذ برامج الخصخصة حيث مثّلت 12% من عمليات الخصخصة بين الأعوام 1988 و 1993 وحوالي 39% من مجموع إيراداتها .وقد تدل هذه الأرقام على القيمة المرتفعة لمتوسط عمليات الخصخصة عبر الأسواق المالية.كما أن نجاح عمليات البيع مرتبط بحجم السوق المحلي ومدى استيعابه للأسهم المطروحة، لذا تلجأ غالبية الدول النامية التي لا تتمتع عادة برؤوس الأموال الكبيرة إلى سياسة البيع عبر فترات زمنية بهدف إعطاء السوق المحلي فرصا كبيرة لهضمها.
ج - البيع للعاملين في المؤسسة
تعتبر طريقة البيع للعاملين من أنواع الخصخصة الداخلية، حيث يحصل العاملون في المؤسسة على كامل أصولها أو نسبة معينة منها, وفي الواقع تعتبر هذه الطريقة من الطرق الأكثر شعبية وتأييدا، ذلك يعود للعديد من الأسباب أبرزها:
- الدعم الشعبي والسياسي الذي تلقاه باعتبارها عامل استقرار اجتماعي نفسي للعاملين فيها، فالدولة لا تجري المفاوضات لبيع المؤسسة ولا تواجه في مثل هذه الحالات أزمة بطالة متوقعة للعاملين في المؤسسة ، وجل ما في الأمر أنها تترك الموضوع للعاملين والمشرفين في المؤسسة على تنظيم أمورهم بأنفسهم.
- تعتبر هذه الطريقة مناسبة لتحويل الشركات التي يصعب بيعها بغيرها من الطرق.
- تعتبر هذه الطريقة من العوامل المحفزة لزيادة الإنتاج وخفض التكاليف ، لأنها توحّد بين مصالح العاملين والإدارة.
- كما تعتبر أداة فعالة لتوسيع الملكية، وقد اعتمدت في دول أوروبا الشرقية وكذلك في كل من تشيلي وبريطانيا.
وفي مقابل هذه المزايا هناك بعض العيوب التي تؤخذ عليها ومنها:
- ان بيع الأصول للعاملين هي من الناحية الواقعية عملية محصورة حيث يلغي عامل المنافسة الخارجية.
- كما أنها تؤدي في كثير من الأحيان إلى عدم الدقة في تسعير القيمة الفعلية للمؤسسة.
- إضافة إلى ذلك، فان هذه الطريقة لا تصلح لكل المؤسسات والشركات، فالمؤسسات الناجحة التي لا تعاني من مشاكل تذكر فسيكون العاملون محظوظون بشراء أسهم تلك الشركات ، فيما المؤسسات التي تعاني من مشاكل إنتاجية وتسويقية مثلا فسيعاني المشترون - العمال من مشاكل إضافية وسيستمر تعثر المؤسسة ، وبالتالي ستكون الخصخصة سببا أضافيا للمشاكل بدلا من الحل.
- كما يُعاب على هذه الطريقة عدم قدرة العمال على تطوير المؤسسة وزيادة كفاءتها وإنتاجها بسبب الكلفة المادية التي يفتقرون إليها، لذا يمكن أن تنجح هذه الطريقة في المؤسسات الصغيرة.
وكما أسلفنا أخذت تشيلي بهذه الطريقة بهدف توسيع قاعدة الملكية، حيث وضعت بعض القيود التشريعية في هذا المجال بما يحول من تمكن فرد أو مجموعة أشخاص من تملك أكثر من 20% من أسهم الشركة، وبحيث تصبح للعاملين الحق باستعمال رواتبهم لتملك الأسهم مع إمكانية الرجوع عنها وألزمت الشركة باستعادة الأسهم في حال عدم قدرة المشترين الاستفادة منها.
كما لجأت بريطانيا إلى خصخصة الشركة الوطنية للحافلات وشركة بناء السفن بعد أن طوَّرت نظاما جمع بين السعر المحدد للسهم والمزاد . فقامت بعرض نسبة معينة من الأسهم على العاملين بسعر محدد، وطرحت الباقي في السوق على أساس المزاد، ولتلافي بيع العاملين لأسهمهم فور طرح المزاد، أغرت العاملين بأسهم إضافية مجانية بنسبة واحد لعشرة بعد مرور خمس سنوات على احتفاظهم بأسهمهم.
د – نظام القسائم - الكوبونات
تقوم هذه الطريقة على قاعدة تحويل قسم كبير من أصول القطاع العام إلى شريحة واسعة من المشترين مواطنين كانوا أم أجانب.وتتطلب هذه العملية جمع المؤسسات وعرضها للبيع بدلا من خصخصة كل مؤسسة على حدة. وتأخذ هذه الكوبونات شكل شهادات إيداع يمكن تحويلها لأسهم في السوق المحلية عبر مزاد علني، وقد استعملت هذه الطريقة على مستوى كبير في دول وسط وشرق أوروبا في بداية التسعينيات.ففي تشيكوسلوفاكيا السابقة نتج عن المرحلة الاولى في العام 1992 بيع 1492 منشأة صغيرة . وفي المرحلة الثانية 1995 تمّ خصخصة 80% من المؤسسات الكبيرة .
وتبدأ هذه الطريقة بعرض الدولة لكافة المعلومات عن الشركات المراد خصخصتها لجهة القيمة الدفترية لأصولها وعدد العاملين فيها وقيمة الديون المستحقة عليها. ومن ثم تلجأ إلى طرح الكوبونات على المواطنين أما مجانا آو بأسعار رمزية لتغطية النفقات الإدارية الخاصة بإدارة البرنامج.ويمكن للمواطن إما تحويل الكوبونات إلى أسهم للشركة مباشرة وإما من خلال الاستثمار في إحدى مؤسسات الاستثمار التي انتشرت بشكل واسع في دول أوروبا الشرقية، ففي بعض الدول مثل روسيا والتشيك وسلوفاكيا يمكن لحاملي الكوبونات استعمالها لشراء أسهم الشركات التي تتم خصخصتها، بينما في دول أخرى مثل بولندا تستعمل هذه الكوبونات لشراء شهادات تصدرها صناديق الاستثمار بدلا من شراء الأسهم مباشرة .
إن ابرز أهداف هذه الطريقة هو بيع الحجم الأكبر من القطاع العام إلى القطاع الخاص وبأسرع وقت ممكن، إضافة إلى العديد من الأهداف أبرزها:
- أهداف سياسية عبر إشراك اكبر عدد ممكن من المواطنين في آلية اقتصاد السوق ، أي بمعنى آخر أجراء تغيير بنيوي في النظام السياسي والاقتصادي في الدول ، كما حصل في الأنظمة الاشتراكية السابقة عند تبنيها النظام الرأسمالي واقتصاد السوق.
- اجتماعي عبر توزيع اكبر عدد ممكن من الأصول على اكبر عدد ممكن المواطنين.
- اقتصادي عبر تعزيز قوى السوق والمنافسة الاقتصادية.
ومن ابرز مزايا هذه الطريقة معالجتها للمشكلة الجوهرية وهي فقدان السوق لرأس المال ، حيث الكوبونات تقوم مقام هذا العجز،كما تتم عبرها التغلب على مشكلة تقييم أسعار الشركات التي تواجه برامج الخصخصة في مثل الدول الاشتراكية، كما أن نظام المزايدات تعطي نوعا من العدالة والمساواة بين المواطنين، فللكل فرصا متساوية في الحصول على الكوبونات والمزايدة بها.
إلا أن ابرز مساوئ هذه الطريقة تكمن في الكفاءة المتوخاة منها بعد البيع، فالعدد الكبير للمشترين لا يعني توفر رأس المال لتطوير القدرات الإنتاجية والمهارات البشرية ، والانخراط في نظام السوق كما تهدف الخصخصة في الأساس.
وفيما يلي جدولا يبيّن مدى تلائم طرق الخصخصة مع الأهداف المتوخاة منها:
الطرق
الأهداف تحسين الكفاءة تطوير الأسواق المالية توسيع قاعدة الملكية
خصخصة الإدارة - إدخال معايير وطرق الإدارة الحديثة
- تنشيط الشركات الخاسرة
- استفادة العاملين من المهارات المتعاقدة ----- -----
البيع المباشر -إدخال تكنولوجيات متطورة
- إدخال طرق الإدارة الحديثة امكان إدراج الشركة المباعة في السوق المالية من خلال أراج الشركة في الاسواق المالية
بيع الأسهم في الأسواق المالية - مسؤولية الإدارة أمام المساهمين
- بروز الكفاءة من خلال سعر السهم إتاحة الاستثمار للمواطن وللأجانب تشجيع صغار المستثمرين على شراء الأسهم
البيع للعاملين والإدارة - حافز لرفع الإنتاجية
مساهمة العاملين في الإدارة ---------- - العاملون الأولوية في الشراء الكلي او الجزئي
- تقديم الدعم للعاملين لشراء جزء من الشركة
نظام القسائم الكوبونات --------- ادراج الشركة في الاسواق المالية توسيع الملكية

خامسا: بعض المظاهر المرافقة لبرامج الخصخصة
تأخذ برامج الخصخصة حيزا مهما في إطار التحرير الاقتصادي، أي بمعنى أن يكون قانون السوق لجهة العرض والطلب المحرك الأساس لعوامل الإنتاج بهدف إشباع حاجات المستهلكين. إلا أن الوصول إلى تلك الأهداف يستلزم تحقيق العديد من الأمور أبرزها :
1 – إن تحقيق أهداف التخصيص أمر صعب جدا من دون وجود نظام ضريبي سليم، أي بمعنى أن الإصلاح الضريبي يشكل العامود الفقري لنجاح برامج الخصخصة.إذ أن وجود نظام ضريبي عادل وكفؤ يساعد بشكل مباشر على منع التهرب الضريبي.
2 –يترافق مع برامج الخصخصة ارتفاع في الأسعار ومن الصعب خفضها إلا بعد إتمام التصحيح الفعلي في الاقتصاد القومي،كالإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار والإنفاق الحكومي،وما يقابله من استيراد وتصدير.
3 – إن دخول القطاع الخاص بثقل كبير في عمليات الإنتاج بهدف إشباع السوق وتحقيق الإرباح، وهنا يكمن دور الدولة في وضع السياسات العامة لجهة تحديد الاولويات للحد من إمكانية استغلال الأسواق الناشئة.
4 – ونتيجة للسبب السالف الذكر أي زيادة الإنتاج، فمن الممكن ان تكون هذه الزيادة على حساب الجودة والنوعية، الأمر الذي سيضر بسمعة المنتج على المستويين الداخلي والخارجي،ومن هنا تكمن أيضا أهمية عمليات وآليات الرقابة التي يجب على الدولة القيام بها للحفاظ على الجودة والنوعية المتفق عليها أصلا.
5 – إن انتقال الملكيات من القطاع العام إلى الخاص غالبا ما يترافق مع بطالة حقيقية إن لم تكن بطالة مقنعة في أحسن الأحوال، إذ أن القطاع الخاص لا يُقدم على التوظيف إلا في الحالات التي يكون فيها العامل فاعلا ومنتجا، بينما الأمر معكوسا في القطاع العام وفي غالبية الدول متقدمة أو نامية .لذا يجب على الحكومات أن تراعي موضوعات البطالة خصوصا في الفترات الانتقالية إلى حين التوازن في سوق العمل.
6 - إن إعادة النظر في البيئة القانونية التي تحكم رب العمل بالعامل أمر ضروري في هذه الفترة لا سيما لجهة تفعيل دور النقابات، إذ أن استقرار العامل هو صمام الأمان للاستقرار الاجتماعي والسياسي وبالتالي الاستقرار في الإنتاج كما التصريف.
7 – كما يجب على الحكومات أن تكون حريصة جدا في عمليات المراقبة على أن لا تتدخل في السوق الخدماتية للقطاع المخصخص، لكي تأتي نتائج الأهداف متوافقة مع ما كان مخططا له.
8 – إن قدرة برامج الخصخصة على توزيع نشاطاتها في مختلف إقليم الدولة ، أمر يساعد بشكل مباشر على الإنماء المتوازن وبالتالي الاستقرار الاجتماعي والسياسي.