02‏/03‏/2008

مذكرة إلى البرلمانت العربية والدولية حول وقف بث قناة المنار


مذكرة إلى البرلمانت العربية والدولية حول وقف
بث قناة المنار
مجلس النواب اللبناني

د. خليل حسين
بيروت:28-12-2004

كما تعلمون لقد تعرضت حريتنا الإعلامية في لبنان الى سلسلة من الضغوط أدت إلى وقف بث قناة المنار "تلفزيون المجموعة اللبنانية للأعلام" من قبل المجلس الأعلى المرئي والمسموع في فرنسا،استنادا إلى قرار قضائي له صفة استثنائية.وإذ نبرز بعض الجوانب القانونية للموضوع توضيحا للحقائق ومنعا للالتباس:
لفد تضمن الاتفاق الذي أبرمته القناة مع المجلس الأعلى للمرئي والمسموع في فرنسا، بنوداً تنص على وجوب التزام القناة بجملة مبادئ واردة في المواد 1 و13 و15 من القانون رقم 1086 تاريخ30/9/1986، إضافةً إلى جملة مبادئ واردة في متن الاتفاقية. وعند بدء تنفيذ هذه الاتفاقية، جرى وقف المنار عن البث بموجب أمرٍ قضائي، بداعي بث برامج تحضُّ على العنف والكراهية على أساس الدين أو الجنسية بصورة مخالفة لأحكام القانون الفرنسي. وفي هذه النقطة يكمن أساس النزاع، فالخلاف هو حول كيفية تفسير هذه المبادئ، وبخاصة تلك المبادئ المرتبطة بعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو المبادئ المتعلقة بعدم التحريض على العنف. ومصدر هذا الخلاف، هو التباين بين وجهتي النظر العربية والفرنسية حول هذه المفاهيم.
فبالنسبة للمبادئ المتعلقة بعدم التمييز، فمن المتفق عليه أن لا تمييز بين البشر على أساس ديانتهم أو عرقهم،ويعتبر هذا المبدأ أساس العقيدة الاسلامية التي تعتنقها قناة المنار، التي جاء فيها أن الناس سواسية ،ولكن وجه الخلاف هو حول مدى هذا المبدأ، وما إذا كان من الواجب أن يمتدَّ تطبيقه إلى الدولة العدو، فإسرائيل بالنسبة للعرب ولفناة المنار العربية هي دولة عدوة ،كما ان قناة المنار لم تناصب العداء لليهود، لكي يقال أنها خالفت مبادئ عدم التمييز، ولكنها تجهر بالإشارة إلى مساوئ دولة اسرائيل وما تنتهكه من حرماتٍ ومقدسات. وهي بذلك لا تخرج على مبدأ عدم التمييز على أساس العرق أو الدين أو المعتقد، وإنما بمفهومها فهي تواجه عدواً يستحقُّ المواجهة.
وبالنسبة إلى مفهوم التحريض على العنف وتمييزه عن العمل المقاوم الذي كفلته كافة الشرائع والمواثيق الدولية. فمن وجهة النظر العربية فإن التحريض على قتال إسرائيل هو واجبٌ وطني وقومي ينبغي على كل إعلامي أن يظهر وجوب مقاتلة اسرائيل مغتصبة الأرض العربية.
واستنادا لذلك أن الخلاف الأساسي بين فرنسا والعرب هو حول تفسير مبادئ الدولة الفرنسية، وليس حول الالتزام بتطبيق هذه المبادئ، ومجال الاختلاف لا ينحصر فقط بقضية دولة اسرائيل، بل يتعداه إلى العديد من القضايا الأخرى، كقضايا الإرث والعادات والتقاليد العربية وغيرها من الأمور التي هي محل خلاف جوهري، فهل تقفل فرنسا كل قناة عربية تنادي بهذه المبادئ لعلة أنها لا تتماشى مع قوانين الدولة الفرنسية؟
أن الأمر يحتاج إلى دراسة وحوار أكثر جدية وموضوعية، لا أن فرض التعاليم والمبادىء على الآخرين بالقوة، لأنها بذلك تخالف المبادئ التي تنادي بها فرنسا.
وإذا كانت فرنسا، من وجهة نظرها الخاصة، لا تعتبر إسرائيل دولة معتدية، فلا يحقُّ لها إرغام قناة المنار على اعتبار اسرائيل صديقة. وإذا كانت فرنسا تتعامل مع اسرائيل على أنها الطرف المعتدى عليه، فإن هذا هو حال كل مستعمِر، حيث نجد اختلاق الأعذار المبررة للمجازر التي ترتكب بحق الشعوب المغلوب على أمرها وهذا ما تفعله اسرائيل تحديدا على مرأى ومسمع الاعلام العالمي كله.
اننا نتوجه الى برلماناتكم الكريمة متمنين اخذ هذه القضية العناية اللازمة باعتبارها تشكل سابقة خطيرة لكمّ الافواه المطالية بحقوقها المشروعة والمكفولة بموجب اتفاقات دولية مبرمة وتشكل السند الاساس لحق الشعوب في تقرير مصيرها وتحرير اراضيها عبر شتى اساليب المقاومة ومنها المقاومة الاعلامية التي لعبت فيها قناة المنار دورا بارزا في تحرير غالبية الاراضي اللبنانية المحتلة.


السلام في آسيا

السلام في آسيا
ورقة عمل قدمت في مؤتمر الفيليبين
مانيلا 21-25 /8/2002
د.خليل حسين
مدير الدراسات في المجلس النيابي اللبناني

للسلام شروط وعناصر يجب توفرها لكي يكون فاعلا ومستمرا ، ورغم الاختلاف في الظروف بين حالة واخرى ، الا ان بعض المناطق في العالم ، تستلزم المزيد من العناية الدقيقة لبعض الاوضاع لكي يسودها الاستقرار والسلام ، خصوصا اذا ما كانت تتمتع ببعض الخصوصيات السلبية ؛ ومن هذه المناطق في العالم القارة الاسيوية ، ومن هنا ان توفر السلام والاستقرار في هذه القارة امر يستلزم الكثير من الجهد والمتابعة الدقيقة لبعض القضايا الحساسة التي غالبا ما كانت سببا مباشرا لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في كثير من دولها وتجمعاتها السياسية .
فالقارة الاسيوية فيها من الخصائص ما يميزها عن غيرها في الكثير من الجوانب ، فهي اكبر القارت مساحة وتعدادا للسكان ، والأكثر تنوعا في الأعراق والأجناس ، والمذاهب والأديان ، وهي مهبط الأديان ومهد الفلسفات والمعتقدات ، وفيها من الأنظمة السياسية والدستورية من كل لون وطيف، وفيها من التصنيفات الأجتماعية والأقتصادية الشرائح المتواضعة والرفيعة الشأن ، وباختصار فيها كل ما يتخيله الباحث من شتى القضايا والأفكار.
وفي المقابل ، فيها من القضايا ما يحبط العزائم والهمم ، ففيها الفوارق الاجتماعية الهائلة بين الفقر والغنى والوعي والجهل ؛ وفيها النزاعات العرقية والأتنية والقومية والدينية ما لا يخطر على البال ، وفيها الحروب والنزاعات بين الدول ما هو ضارب في عمق تاريخ أنظمتها السياسية ؛ وفيها من العلاقات الدولية بين دولها ما لا يمكن تصنيفه تحت أي تصنيف ، وفيها من الأزمات المحلية والاقليمية ما يستغل بشتى الاشكال والأحجام ، وفيها من بؤر التوتر السياسي والاجتماعي الذي يسهل اختراقه واستغلاله.
ففي مجال الارقام التي لا تشذ عنها دول آسيا ، لم يكن التفاوت في الثروات جليا كما هو اليوم ، فمداخيل واحد في المئة من سكان العالم (أقل من 50 مليون شخص) تساوي مداخيل الـ 2،7 مليارات نسمة الاكثر فقرا. وبالرغم من بعض نتائج التدارك في آسيا الشرقية وخصوصا في الصين، فإن الاتجاه هو إلى تعميق الهوة، حيث تزداد مداخيل الـ 20 في المئة الأكثر ثراء في العالم بينما تنخفض الأرقام الفعلية لمداخيل الـ 50 في المئة الأكثر فقرا. والمسؤولون في الشركات المتعددة الجنسية يتقاضون أجورا باهظة جدا تساوي مئات الالوف من الأجور الشهرية للعمال غير المتخصصين العاملين في فروع هذه الشركات في البلدان الفقيرة واغلبها في الدول الأسيوية .
وفيما يختص بإجمالي الدين الخارجي للدول النامية المئة والسبع والثمانين، بما فيها روسيا والصين، والمقدر عام 2002 بحوالى 2500 مليار. اذ بلغ الدين العام الحكومي الخارجي لمجموع البلدان النامية والتي يقطنها 85 في المئة من سكان العالم، حوالي 1600 مليار أي فقط ضعف الدين العام الحكومي لفرنسا وحدها وأقل من عشر الديون العامة المترتبة على مجموع البلدان الصناعية الغنية (18000 مليار).
وحتى نهاية السبعينات وبفضل ضعف معدلات الفائدة الحقيقية ظل الدين محتملا على المدينين بالرغم من تزايده. فلم تكن اقتصادات العالم الثالث تجد مشكلة كبيرة في التسديد لا سيما لأن أسعار منتجاتها المصدرة كانت على ارتفاع مما ولد مداخيل متزايدة. وقد حصل منعطف مفاجىء بين 1979 و1980 عندما قفزت معدلات الفوائد الحقيقية بتأثير من سياسة الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة والتي لحقت به بريطانيا. و تحول الدين بين 1981 و1982 إلى عبء يصعب تحمله على البلدان النامية. وتفجرت أزمة الديون في آب/أغسطس 1982 عندما أعلنت بعض الدول ومنها الاسيوية تعليق تسديد ديونها.
اما الاستثمارات الخارجية وفي مجال الصناعات الانتاجية على سبيل المثال مثلت الاستثمارات المباشرة عام 1998 نحو37 في المئة من "التكوين الخام لرأس المال الثابت" في الدول الغنية. وظهر الاستقرار النسبي للاستثمارات الخارجية المباشرة خلال الأزمة المالية التي عصفت بآسيا الشرقية ابتداءا من العام 1997. فبينما سحبت نسبة كبيرة من الرساميل القصيرة الأجل المودعة في تلك المنطقة، استؤنف وصول الاستثمارات الخارجية المباشرة عام 1998 باستثناء اندونيسيا التي كانت تعاني من اوضاع سياسية خاصة ، ولكن ترتبط هذه الاستثمارات في غالبية الأحوال بعمليات دمج وشراء بين الشركات على المستوى الدولي، وبمعنى آخر كانت نتيجة الأزمة أن تسببت في سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على عدد من الشركات القائمة في الدول الاسيوية .
ان التدقيق في هذه الارقام وهي جزء يسير مما تعاني منه الدول الاسيوية بشكل عام ، تعطي فكرة واضحة عن المعاناة الاقتصادية وما تستتبعها من ازمات اجتماعية وسياسية ، الامر الذي يلقي ظلالا كثيفة على الواقع وسبل علاجاته والامكانات الواجب توفرها لذلك .
ان السلام الذي تنشده جمعيتنا البرلمانية الاسيوية هو هدف طموح ويستلزم كثيرا من الجهد والمتابعة في غير صعيد ، ويتطلب اجراءات فاعلة وجادة بهدف تخطي المصاعب اولا قبل الانطلاق في اعادة بناء السلام والاستقرار والتنمية في دول المنطقة، ولهذا0نستعرض بعض الملاحظات والاقتراحات ومنها :
- اعادة جدولة الديون الخارجية التي ترزح تحتها معظم الدول الاسيوية ، والعمل على الغاء بعضها اذا امكن ، باعتبار ان التنمية والاستقرار المالي والاقتصادي هما من دعائم السلام الاجتماعي والسياسي في اي دولة من دول العالم، وخصوصا في الدول النامية .
- تكثيف جهود الجمعية كل في اطار بلده للتشجيع على نشر روح الاصلاح المؤسساتي بهدف ايجاد بيئة اجتماعية مستقرة تسهم في نشر السلام والاستقرار في محيطها الاقليمي الاوسع.
- تفعيل دور الجمعية البرلمانية في اطار التحرك الدولي لاضفاء القوة الالزامية على قرارات الشرعية الدولية لا سيما الجانب المتعلق بقرارات الامم المتحدة بشان العديد من القضايا المزمنة في القارة الاسيوية ، ونخص بالذكر هنا الصراع العربي الاسرائيلي ، وما يشكله من مادة خصبة في التاثير على السلم والامن الدوليين وبخاصة في القارة الاسيوية، لما له من امتدادات في غير موقع ومجال.
- تفعيل دور الجمعية في مجال التخفيف من حدة التسابق على التسلح، وايجاد اطر عملية فاعلة لمتابعة نزع اسلحة الدمار الشامل وبخاصة في الشرق الاوسط، لما يشكل انجاز هذا الملف من اجواء ملائمة في نشر السلام في آسيا، اذ ان بقاء امتلاك اسرائيل لترسانة نووية وغيرها من اسلحة الدمار الشامل بما يجعلها في المرتبة الخامسة في العالم ، امر ينافي ويتناقض مع الدعوة لنشر السلام والعمل من اجله في آسيا.
- ان التحديات الناجمة عما يركب في النظام العالمي هي كثيرة بكثرة وتنوع المشاكل التي تتخبط فيها الدول النامية، ومن هنا ان دور جمعية البرلمانيين الاسيويين من اجل السلام يجب ان بكون رائدا في هذه الظروف القاسية ، سيما وان العديد من الدول الاسيوية هي مستهدفة باشكال كثيرة يصعب حصرها، بدءا بتهمة الارهاب وصولا الى التشكيك بكثير من القيم والحضارات والأديان بحجة حثها وتوفيرها البؤر المناسبة لما يسمى اعمالا ارهابية .
ان ما واجهته بعض الدول الاسيوية بعد احداث 11 ايلول 2001 ، وما ستواجهه دولا اخرى لاحقا، امر يستدعي من جمعيتنا المزيد من التنبه والدور الفاعل والجاد للحفاظ على مصالح من تمثلهم من شعوب داخل بلدانها ، باعتبار ان حماية مصالح الشعوب والامم في دولها هي مدخل للاستقرار والسلم الداخلي وبالتالي مدخلا واطارا للسلم الاقليمي والدولي الذي تنشدهما جمعيتنا.




التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية

تمويل المأوى : تعزيز التعاون بين الحكومات والمجتمع
المدني والمنظمات الدولية والخاصة

د.خليل حسين
بيروت :7-4-2002

التعاون بين الحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية والخاصة

يعتبر موضوع الاسكان من المواضيع التي عانت منها معظم الدول النامية منها والغنية على حد سواء ، ويعود ذلك الى العديد من الاعتبارات المتعلقة بتمويل المشاريع والتنفيذ ، وصولا الى ارتباطها المباشر بالعديد من القضايا ، وابرزها فلسفة النظام السياسي واهدافه في الدولة المعنية بهذا الشأن .
وان كانت هذه القضية من العناوين الظاهرة كما اسلفنا في العديد من الدول ، الا انها تظهر بشكل حاد في الدول النامية غير القادرة على تأمين الحد الادنى من مستلزمات حلها ، وهو موضوع التمويل .
وان كانت ظاهرة التمويل مرتبطة الى حد كبير بالسياسات العامة التي تعتمدها الدول في هذا المجال ، الا ان كثيرا من المفاهيم والاساليب قد تغيرت وتبدلت ، مع تغير وتبدل الافكار والرؤى على الصعيد العالمي، وبالتالي تأثر معظم الدول بما يجري من حولها لجهة مماشاتها للسياسات العامة المتبعة في غيرها من الدول .
ففي الماضي القريب ، كان موضوع الاسكان والتجمعات الاسكانية ، وظيفة اساسية من وظائف الدولة ، تتدخل في تنظيمها وتمويلها وتكوين البيئة القانونية المناسبة لقيامها ، أي بمعنى آخر ، اعتبرت السياسة الاسكانية عنصرا هاما لاستقرار النظام السياسي - الاجتماعي في الدول ، ومن خلال هذا الفهم حاولت الدول توفير ما يمكن توفيره لتنظيم ملفها الاسكاني .
ان التبدل الحاصل على المستوى العالمي ، فيما يتعلق بالايديولوجيات والافكار والسياسات ، قد اعطى مفاهيما جديدة لدور الدولة في شتى المجالات ، اذ ان دور الدولة التدخلي والرعائي، بدأ يتلاشى في العقد الاخير من القرن العشرين ، ليحل محله دورا بارزا واساسيا للقطاع الخاص في تسيير امور المجتمع وحتى المسائل والمواضيع التي كانت يوما من وظائف الدولة الاساسية ، ومنها قطاع الاسكان .
ان الواقع السالف الذكر ، لا يستثنى منه عمليا لبنان ، بل يرتدي الموضوع ابعادا واتجاهات اضافية نظرا لبعض الاعتبارات والعوامل المتداخلة التي سنعرضها بايجاز.
اولا : الواقع السكاني والاسكاني في لبنان
يرتدي موضوع السكان في لبنان طابعا مختلفا عن غيره من الدول، ويعود ذلك الى العديد من الاعتبارات المتعلقة بالتركيبة الاجتماعية ، والتوزيع الديموغرافي للسكان ، اضافة الى وجود فئات غير لبنانية كاللاجئين الفلسطينيين والاكراد غير المجنسين وغيرهم من الفئات الاجتماعية التي تواجدت في لبنان في بعض المراحل ، لا سيما ابان الحرب.
اضافة الى ذلك ، ان الحرب التي امتدت على مدى سبعة عشر سنة اعطت بعدا اضافيا سلبيا لهذا الموضوع ، لجهة الهجرة الخارجية والداخلية للسكان ، والتدمير الواسع الذي لحق في المنشآت السكنية وبناها التحتية ، معطوفة على الانتشار غير المنظم للانشاءات السكنية وتجمعاتها في غير مكان من لبنان ، مما اثر بشكل او بآخر على السياسات الحكومية واساليب الحلول التي اتبعت فيما بعد، لا سيما السياسات الاعمارية للمدن والمناطق اللبنانية .
ان قراءة متأنية ل " الوثيقة الوطنية للسياسة السكانية في لبنان " والمعدة من قبل اللجنة الوطنية للسكان بالتعاون مع صندوق الامم المتحدة للسكان ، تلقي الضوء على حجم الموضوع السكاني والاسكاني وامكانية الولوج في حله.
فقد اورد التقرير عددا من الاحصاءات وأبرزها :
أ – النمو السكاني والتحول في الهرم العمري
1 –لقد انخفض عدد الولادات من 34 بالالف قبل العام 1975 الى 24 بالالف عام 2000 , وعلى الرغم من انخفاض عدد الوفيات من 9 بالالف الى 4, 7 بالالف في نفس الفترة ، الا ان الانخفاض في الخصوبة تجاوز الانحفاض في الوفيات الامر الذي ادى الى انخفاض معدلات النمو الطبيعي للسكان من 5, 2 بالالف قبل الحرب الى 7و1 في العام 2000 ، واذا ما اخذ بعين الاعتبار اعداد المهاجرين اللبنانيين الى الخارج ، فان عدد اللبنانيين في لبنان قد اخذ في التراجع .
2- ان انخفاض الخصوبة قد ادى الى انخفاض معدل الاحلال ( أي انجاب الاولاد لدى المتزوجين وهو2,2 كمعدل طبيعي) الامر الذي سيؤدي الى تناقص فعلي يصل الى حد الصفر وهو رقم مواز تقريبا لبعض الدول الاوروبية ، الامر الذي يؤدي الى تغير واضح في التركيبة الهرمية للسكان، وما له من انعكاسات اجتماعية واقتصادية سلبية على المدى البعيد.
3- كما يستنتج من الوثيقة السكانية ان انخفاض الخصوبة ترافق عمليا مع ارتفاع في معدل سن الزواج من 29 للذكور في العام 1970 الى 31 في العام 1996، وللاناث من 23 الى 28 في نفس الفترة ، وهومعدل عال جدا بالمقارنة مع الدول الاوروبية حيث يتجاوز المعدل في فرنسا والولايات المتحدة ويوازيه في الدنمارك . وتعود هذه النسب العالية الى انخفاض النمو الاقتصادي مما يجعل الشباب يؤجلون زواجهم لعدم توفر السكن اللائق .
4- ونتيجة ايضا لانخفاض الخصوبة فقد ازداد الهرم السكاني في لبنان بشكل واضح ، فانتقل من قاعدة هرمية واسعة كما هي الحال في الدول النامية الى قاعدة ضيقة، ومرجحة الى المزيدد من التقلص في العام 2011 لتصبح بنفس النسبة التي تشغلها الدول الصناعية اليوم، وفي لغة الارقام فقد ارتفع عمر االمقيمون في لبنان من 21 في العام 1970 الى 24 في العام 1996، الى ان يتجاوز ال 25 في العام 2011 ؛ وعطفا على ذلك فان نسبة الاطفال في الخامسة من العمر انخفضت من 14% عام 1970 الى 9% عام 1996 ومن المتوقع ان تصل الى 8% بعد عشرين سنة ؛ في المقابل ارتفعت نسبة كبار السن ممن بلغوا 65 عاما وما فوق من 5% سنة 1970 الى 7% عام 1996 ومن المتوقع ان ترتفع هذه النسبة لكبار السن الى 8% في العام 2021 ، وبالمقارنة تبلغ نسبة الاطفال في فرنسا حاليا 6% فيما يبلغ المسنون 15% .
ب – الهجرة الخارجية
1 – يعتبر لبنان من البلدان التي تتميز بهجرة مواطنيها ، ورغم عدم توفر الاحصاءات الدقيقة لجهة نسبة المهاجرين الى المقيمين ، الا ان هناك اجماع على ان المهاجرين هم على الاقل ضعفي المقيمين، وقد تسارعت وتيرة " الهجرة القسرية " خلال سنوات الحرب لتصل الى حدود ال 900000 مهاجر ، وتسارعت بأكثر حدة ما بين الاعوام 1995 و 2000 لتصل الى حدود المئة الف مهاجر سنويا ، بحسب بعض استطلاعات الراي والاحصاءات التي قامت بها مؤسسات خاصة(مركز الدراسات والمشاريع الانمائية – مدما) .
2 – تجمع استطلاعات الرأي والاحصاءات على ان السبب الرئيس للهجرة هو تحسين الاحوال المعيشية ، سيما وان الوضع الاقتصادي قد شهد انكماشا واضحا من العام 1998 .
3 – يمكن ملاحظة ان نسبة عالية من الشباب هي من بين الفئات المهاجرة والتي تتركز اعمارها ما بين 20 و 35 سنة، مما اوجد خللا كبيرا بين اعداد الذكور والاناث وبخاصة الفئات العمرية المؤهلة للزواج ، مما ادى الى ارتفاع ملحوظ للاناث العازبات، فالاناث العازبات بين سن ال 25 و29 ارتفعت نسبتها من 25% في العام 1970 الى 47% في العام 1996 ؛ اما البالغات من العمر 30 الى 34 سنة فقد ارتفعت النسبة بينهن من 14% في العام 1970 الى اكثر من 30% في العام 1996، كما شهدت الفترة الاخير هجرة واضحة بين الاناث المتعلمات .
ج – الهجرة الداخلية
وكما في غالبية الدول عانى لبنان من هجرة داخلية واضحة وباشكال مختلفة ومتنوعة، فهي لم تقتصر على الهجرة القسرية خلال سنوات الحرب ، بل شملت اتجاهات كثيرة ومنها الهجرة من الريف الى بيروت بشكل خاص وبنسب واضحة جدا، ذلك يعود للعديد من الاسباب الاقتصادية كالبحث عن سبل العمل ، واجتماعية بهدف الدراسة وغيرها من المظاهر،الا ان الملفت في الموضوع ان الهجرة الداخلية في لبنان افرزت مظاهر سلبية كثيرة من الصعب استيعابها بسهولة والحد من تداعياتها .
فالهجرة الداخلية شكلت بسوادها الاعظم النزوح من الارياف الى بيروت بشكل خاص ، مما اوجد ضغطا هائلا على طلب السكن والوظائف التي شهدت في بعض الفترات طلبا كثيفا وعرضا قليلا لا سيما في فترة السبعينيات والثمانينيات ؛ كما اوجدت هذه الظاهرة توزعا ديموغرافيا جديدا غير مستقر وواضح المعالم نظرا للهجرات والتهجير المتكرر بفعل الحرب ...وعدم توفر المأوى الآمن بسهولة للعائلات المتنقلة بشكل مستمر.
د – الفئات السكانية الخاصة
1 -ان هدف أي سياسة سكانية لا بد ان تشمل فئات الاناث والذكور لجهة التعليم والمشاركة في العمل والبطالة وغيرها، وفي هذا الاطار سجل وصول نسبة التسجيل في التعليم الابتدائي الى 96% من الذكور والاناث للفترة العمرية بين 5 و9 سنوات ويلاحظ اغلبية الاناث على الذكور في هذه المرحلة، وزبادة ملحوظة ايضا في الفئة العمرية 15 الى 19 أي في المرحلتين المتوسطة والثانوية حيث تبلغ نسبة الاناث 66% والذكور59%،كما تشمل نسبة زيادة النشاط الاقتصادي للاناث على الذكور فبلغت حدود ال 14% في العام 1996 بعدما لم تتجاوز نسبة ال 9% في العام 1970 .
2- اما بخصوص البطالة فقد بلغت بين الذكور في العام 2000 للذين بين ال 15 و24 حدود ال29% ، والذين بين ال25 وما فوق ال 1 ،9 % ، وهي نسبة عالية .
مما تقدم من هذه القراءة التحليلية للوثيقة وربطها بالوقائع يمكن استنتاج العديد من الامور ابرزها :
- ان انخفاض نسبة التزايد السكاني وتقلص القاعدة الهرمية لصالح الفئات العمرية الكبيرة ، وتزايد الهجرة الخارجية ، يوحي بأن هنالك عناصر يمكن ان تخفف من حدة الازمة السكنية في لبنان ، وبالتالي حدة ازمة تأمين المأوى ، هو امر مغاير لطبيعة الوقائع الموجودة، فلبنان يعاني ازمة حقيقية في حصول الفرد البالغ للزواج على منزل لائق، ليس بسبب عدم توفر الشقق او المباني السكنية ، انما الامر يعود الى القدرة الشرائية لتلك الفئة ، اذ ان هناك احصاءات تشير الى وجود 110 آلاف شقة جاهزة للسكن ومغلقة لعدم توفر الاموال لشرائها من قبل المحتاجين اليها .
- ان واقع الهجرة الداخلية لا سيما القسرية منها ، قد اوجد واقعا جديدا لازمة السكن في لبنان ، فقد ساهمت هذه الظاهرة الى وجود مساكن شاغرة في مناطق معينة وطلبا شديدا في مناطق أخرى، وان توفرت عناصر العرض ، الا ان مستلزمات الطلب هي مفقودة في غالب الاحيان ، نظرا للوضع المادي المتواضع لهذه الفئات .
- أن الهجرة الداخلية أدت في كثير من ألأحيان الى نشوء تجمعات سكنية غير مستوفية الشروط القانونية والشرعية ، مما أضفى على المشكلة الاساسية مشكلة أخرى، تجلت في صعوبة ايجاد الحلول المناسبة لهذه الجماعات خارج أطار بدائل مادية عالية الكلفة على الدولة وبالتالي على مستوى الضرائب العامة لتأمين هذه المبالغ.
- ان فترة الحرب ادت الى مخالفات واضحة لقوانين البناء والتنظيم المدني، مما اثر سلبا على البيئة القانونية لحيازة الملكيات السكنية، رغم ما اقر من تسويات لمخالفات البناء .

ثانيا : التجارب اللبنانية لحل المشكلة السكنية
يمكن تقسيم هذه التجربة ألى قسمين أساسيين لناحية الفترة الزمنية وكذلك لنوعية او السياسات المعتمدة في حل المشكلة.
الفترة الاولى
وتمتد الى ما قبل الحرب وحتى نهايتها تقريبا، حيث اتبعت الحكومات المتعاقبة في لبنان على التدخل المباشر ورسم السياسات الاسكانية وتمويلها والاشراف على تنفيذها، عبر وزارة الاسكان والصندوق المستقل للاسكان ، حيث كانت تعطى القروض الاسكانية بهدف شراء المساكن ، وقد استفاد من هذه القروض اصحاب الدخل المحدود والمتوسط، وقد ساهمت هذه الخطوات في حل جزء لا بأس به من المشكلة، الا ان انخفاض قيمة الليرة اللبنانية مقارنة مع العملات الاجنبية قد اضعف الصندوق عمليا وتوقف عن العمل في النصف الثاني من الثمانينيات .
2- المرحلة الثانية
فقد امتدت ما بعد اتفاق الطائف ، وقد استندت الى سلسلة من المفاهيم والسياسات العامة التي اتسمت بالتخلي الواضح عن دورها التقليدي لصالح القطاع الخاص.
فالحرب اتت على عشرات آلاف الشقق السكنية على خطوط التماس في بيروت وضواحيها وكذلك في غير منطقة امتدت الحرب اليها، وكذلك على البنى التحتية للمدن والمنشآت السكنية ، الامر الذي لم يكن بمقدور الحكومات ادارة وتنفيذ الملفات منفردة ، فلجأت الى القطاع الخاص لتمويل قطاع الاسكان ، بالنظر الى المبالغ الضخمة التي يتطلبها.
وفي هذا المجال انشىء مصرف الاسكان كمؤسسة مختلطة بين الدولة التي تملك 20% من رأس مال المصرف ، والقطاع الخاص الذي يملك الباقي ؛ حيث كان مخرجا مقبولا لحل بعض المشكلة وخصوصا للفئات المتوسطة الدخل ، التي اصبحت بعد الحرب تمثل فئة قليلة من الشعب اللبناني بعدما كانت تمثل اكثر من النصف قبل الحرب .
وفي نفس الاتجاه من السياسة الاسكانية انشئت المؤسسة العامة للاسكان ، بتمويل مختلط من القطاعين العام والخاص ، وتستهدف خدماتها ذوي الدخل المحدود .
ثالثا : مقترحات لتمويل عمليات الاسكان
ان الاتجاهات السائدة حاليا على الصعيد الدولي في ظل العولمة والاسواق المفتوحة وتخلي الدولة عن الكثير من المهام التي كانت تعتبر يوما من اختصاصاتها، قد ادى بمعظم الدول الى التخلي عن التدخل في السياسات الاسكانية لصالح القطاعات الخاصة وبرامج التمويل الدولية ، وبصرف النظر عن صحة او عدم صحة هذه التوجهات والسياسات ، فان مشكلة تأمين المأوى والسكن اللائق باتت مهمة صعبة التحقيق في الدول النامية من دون مساعدات خارجية وتنظيم بيئة قانونية داخلية مساعدة لحل مشاكل الاسكان ،بعدما اصبحت ظاهرة عالمية بصرف النظر عن موقعها الجغرافي في هذا البلد او ذاك ؛ والمشكلة بهذا المعنى لا تقتصر على الدول الفقيرة او النامية فقط بل تشمل حتى الدول الغنيةايضا، وتطال مجموعات بشرية مهاجرة او لاجئة اليها ؛ او مجموعات بشرية ترزح تحت الاحتلال في ظروف سكنية قاسية جدا.
لذا ان جانب كبير من الحل يمكن ان يكون عبر مستويين متلازمين، الاول داخلي والثاني دولي.
1- الاطار الداخلي لحل ازمة السكن
ان عوامل كثيرة ان تضافرت تساهم في حل ازمة السكن في الدول ومنها :
- رغم ان الضرائب تعتبر احد المصادر الاساسية لتمويل مشروعات الدولة ، الا ان خفض الضرائب بصورة ملحوظة على المباني السكنية تشكل حافزا هاما للقطاع الخاص الاستثمار في هذا المجال .
- تشجيع المصارف الخاصة على الاستثمار في هذا القطاع عبر تقديم رزم من الحوافز كالاعفاءات الضريبية التي تتناول اعمالها في استثمارات البناء .
- اعفاء القروض السكنية من الرسوم والضرائب في العمليات المصرفية.
- اعفاء تسجيل الملكيات العقارية السكنية من رسوم التسجيل والرهن وفك الرهن اذا كانت منفذة بواسطة قروض سكنية .
- ايجاد البيئة القانونية المناسبة لدعم تمويل القطاع الاسكاني عبر اقرار رسم معين على عدد من السلع الكمالية يعود ريعها الى تمويل القروض السكنية.
2- الاطار الدولي لحل ازمة السكن
وبما ان ازمة السكن باتت كما اسلفنا مشكلة دولية فهي تتطلب حلولا على المستوى الدولي ، وفي الواقع كانت للمنظمات الدولية تجارب متقدمة في هذا المجال رغم محاذيرها السياسية على الدول المستفيدة منها .
فقد قدم البنك الدولي للانشاء والتعمير منذ العام 1972 وحتى العام 1981، خمسون قرضا الى خمس وثلاثين دولة قيمتها مليار ومئتا مليون دولار اميركي و360 مليون دولاركمنح،حيث بلغ متوسط كل مشروع 31 مليون دولار ويغطي 45% من كلفة المشروع.
ان تفعيل دور البنوك والصناديق الدولية ذات الصلة امر هام في هذا الاتجاه، لا سيما الجانب التمويلي من الدول الغنية ، واعتبار الموضوع يمس الانسانية جمعاء؛ وفي هذا الاطار يمكن اقتراح فرض رسوم على السلع العالمية التداول كالسفر ونقل رؤوس الاموال ، والتخابر الدولي ، واستهلاك النفط ، وعمليات نقل التكنولوجيا ذات الاسعار العالية .







مشاكل الشباب العربي ودور البرلمانيين العرب

مشاكل الشباب العربي ودور البرلمانيين العرب
في تحسين المسيرة الديموقراطية وتحسين عملية التنمية

ورقة عمل مقدمة الى المؤتمر الحادي عشر
للاتحاد البرلماني العربي

د. خليل حسين


يمثل الشباب العربي أكثر من 40 في المئة من نسبة سكان العالم العربي. وفي الواقع يمثلون أكثر من 60 في المئة من القوى الفاعلة في المجتمعات العربية. فأي مشاكل تصيب قطاع الشباب فهي من الخطورة الكبيرة، بحيث تؤثر في المجتمع بكامله. فالشباب فعلاً في أزمات متعددة ومتنوعة الوجوه والاسباب اقتصادية واحتماعية واخلاقية وثقافية، فهم يبحثون جادين عن مفاهيم ومبادئ تساعدهم على اجتياز هذه المحنة التي يعيشونها.
أن خير وسيلة للتعرف على مشكلات الشباب هي الاستماع لآرائهم وإعطائهم الفرص للتعبير عن أنفسهم ومشاعرهم. وضمن هذا الإطار تضمن (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002) استطلاعاً لاهتمامات الشباب هدف إلى معرفة آراء عدد محدد من الشباب العربي حول أكثر القضايا أهمية في ستة بلدان عربية هي مصر ، لبنان ، الأردن ، ليبيا ، الأمارات و السعودية، واشارت إجابات عينة من الذين استطلعوا إلى أن أكثر القضايا أهمية بين المواضيع التي نظر فيها التقرير هي أولاً: فرص العمل بنسبة 45% من الإجابات، يليها التعليم بنسبة 23% فالبيئة بنسبة 12% ثم توزيع الدخل والثروة بنسبة 8% ، فالمشاركة السياسية بنسبة 5% فالرعاية الصحية بنسبة 4%؛ وقد أظهرت الشابات اهتماماً بالتعليم والمشاركة السياسية والرعاية الصحية أكبر من الاهتمام الذي أظهره الشباب. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في نتائج الاستطلاع أن نسبة 51% من الشباب قد عبروا عن رغبتهم في السفر إلى بلدان أخرى؟! مبينين بوضوح عدم رضاهم عن الواقع الحالي وفرص المستقبل في بلادهم.
وبينت دراسة ميدانية اخرى في الأردن أن نحو 34% يرون أن البطالة هي أهم مشكلة تواجه الشباب، في حين رأى نحو 10% أن التمييز ضد المرأة هي المشكلة الأهم، وقال 8% من الشباب إن استثمار وقت الفراغ هو مشكلتهم الأساسية؟!ورأى 8% أن تضخم مشكلة إدمان المخدرات تشكل استحقاقاً بدأ الأردن بمواجهته.
كما أن دراسة أخرى لمشكلات الشباب العربي قد صنفت مشكلاتهم إلى أربعة أنواع:
1- مشكلات نفسية كالشعور بالضياع والغربة والإحباط بسبب التفاعلات السياسية المتباينة وضغط الأسرة.
2- مشكلات اقتصادية وهي متعلقة بالعمل والسكن وضمان المستقبل، أو بالبطالة والعوز والحرمان من آمال الغد.
3- مشكلات أخلاقية اجتماعية، ناجمة عن التناقض القيمي بين جيل الشباب وجيل الآباء، كذلك ناجمة عن التطرف الديني وعن عدم استغلال أوقات الفراغ، وقلة أشكال الترويح ووصولاً إلى مشكلات الانحراف والجنوح وتعاطي الكحول والمخدرات.
4- مشكلات سياسية وتتعلق ببعض النظم القائمة والحريات المهدورة ثم بالتجزئة الإقليمية.
أن مشكلة البطالة والفقر الناجمة عن الركود الاقتصادي، تعني أيضاً نقصاً في القدرات البشرية اللازمة لتحسين نوعية الحياة حيث أشار تقرير آخر إلى نسبة البطالة بين الشباب في سورية وصلت إلى 73% عام 1998،و4/42 في فلسطين عام 1999 و75% عام 1995 و1/64 عام 1997 في البحرين و61.5% في مصر سنة 1998 وحسب آخر الاستطلاعات سيتوجب خلق فرص عمل لحوالي 50 مليون ملتحق جديد بقوة العمل خصوصاً أن حجم البطالة المرتفعة والبالغ حوالي 14 مليون عاطل عن العمل معظمهم من الشباب فمن المهم والملح بالنسبة لمجتمعاتنا مواجهة هذه المشكلة المركبة (البطالة والفقر).
ومن أكبر المخاطر التي تواجه الشباب العربي (التعصب والتطرف) فالظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وانتشار الجهل في المناطق الريفية وفي أحزمة البؤس حول المدن الكبرى، شكلت مجتمعة بيئة مناسبة لانتشار السخط والاحتجاج بين الفئات الشابة المنبوذة والمهمشة والتي تعاني من الإقصاء وقلة الاستفادة من النتائج المادية للسياسات التنموية، وإذا ما أضفنا إلى ما سبق الخطابات التبشيرية التي تقدمها بعض التيارات المتشددة ووعودها الخلاصية لهؤلاء، إذا ما التزموا افكارها .
فالشباب العربي يتجرع المرارة مرة تلو الاخرى ، جراء الفجوة الكبيرة التي تفصل بين العالم العربي والعالم الغربي، رغم ما يتمتع به الوطن العربي من مقومات طبيعية وبشرية تفوق ما هو موجود في الغرب، وإحساسه بأنه الأحق بهذا التفوق بحكم الموقع الجغرافي الفريد ووفرة ثرواته، والامور الاخرى المشتركة. ويعمق الاحساس لديهم بالألم على اختلاف مشاربهم، حالة العجز التام للوطن العربي على مستوى الكلمة والفعل، عن الاتفاق والتأثير في مجريات الاحداث على الساحة الدولية، فأصبح العالم العربي وبخاصة الشباب منه مجرد مشاهد لما يفعله الآخرون به.كماً تعتصر آلآم الشباب العربي لإحساسهم بحجم الفجوة التقنية الكبيرة التي تتسع يوماً بعد يوم، مما أحال الشعوب العربية الى مجرد سوق مستهلكة لمصانع ومزارع الغرب، من الابرة الى أكثر الاجهزة تعقيداً وذكاء. اما عن تطلعات الشباب، فهي محكومة بالواقع المعاش على أساس أنه قاعدة الانطلاق، فهو يلقي بظلاله الكئيبة على نفوسهم، مما جعل تطلعاتهم محصورة الآن في محاولات الهروب منه، اما بالانغماس في اللهو أياً كان بريئاً او غير بريء، واما بالانكفاء على الذات، حيث يعيشون حالة من الاغتراب، حتى أننا نرى بعض الشباب العربي يقلد الشباب الغربي تقليداً أعمى في كل شيء، ويكتنف هذه التطلعات الشك والريبة والتوجس خيفة مما قد يأتي به الغد.
والشباب العربي لم يأت من كوكب آخر، بل هو مثل اي شباب يعيش في اي مكان آخر من العالم، لكن نشأة الشباب العربي في ظل اطر ومعايير دينية وثقافية واجتماعية وسياسية مختلفة عن دول اخرى، ربما جعل البعض يعتقد بأن الشباب العربي مختلف كلياً عن اقرانه من البلاد الاخرى. وهذا الافتراض ربما يسقط الآن ويتهاوى، نظرا الى ان آلافاً من الشباب العربي بات يجلس امام اجهزة الكومبيوتر، ليتخاطب مع شباب مثله على بعد آلاف الاميال في امور ومسائل قد لا تخطر على بال بعض القادة الكبار او الآباء.
ويتسم الشباب العربي هذه الايام بمظاهر كثير ابرزها:
- الاستقلالية والرغبة في تحديد خياراتهم، والتحكم في حياتهم الشخصية والاجتماعية كأفراد.
- التحرر من قيود الاسرة والمجتمع في شكل اكبر.
- ضعف التمسك بالقيم والمثل والمبادئ والعمل بمقتضاها، نظرا الى الانفتاح غير المسبوق وتوافر وسائل الترفيه واوقات الفراغ.
- شيوع اللامبالاة نظرا الى ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية.
- ضعف المشاركة السياسية الحقيقية والفعلية في اتخاذ القرارات.
- البطالة سواء الفعلية او المقنعة مما يفقد الشباب الامل.
- ضعف الترابط الاسري لغياب الاب (وربما الام ايضا) عن المنزل ساعات طويلة، سعيا الى زيادة الدخل الاسري، اي ضعف تأثير الحياة الاسرية في المجتمع.
- الامية الثقافية لدى قطاعات عديدة من الشباب.
-غياب مفهوم القدوة (سواء القدوة العلمية التي كان يمثلها اساتذة الجامعات في اوقات سابقة، او القدوة الاجتماعية التي كان يمثلها رجال التعليم والاقارب، او القدوة الدينية التي كان يمثلها رجال الدين سلوكا وعملا... الخ).
- ضعف الثقة المتزايدة في قدرة الشباب على تحمل مسؤولياته كاملة مستقبلا، واستبعاده من دائرة المشاركة الديموقراطية.
ان شبابنا يتطلع الى من يوفر لهم الاجواء المناسبة لاظهار ابداعاتهم وامكاناتهم، كما انهم ينشدون التوجيه والرعاية الحسنة، ومع هذا وذاك فانهم يطمحون الى مزيد من الجهود الموجهة في ضوء تغير الظروف، وظهور المستجدات والتحديات مع دخولنا عصر العولمة والفضائيات وتكنولوجيا المعلومات، وهذا بالطبع يتطلب فهما جيدا لطبيعة الحياة او البيئة التي يعيشها الشباب اليوم، والعمل على توفير السبل كافة التي تتناسب مع معطيات هذا العصر. اننا في زمن تتباين فيه الافكار والآراء، والتي هي نتاج للخطاب الاعلامي الموجّه للشباب بصفة خاصة، وهو الذي اوجد هذا التباين بين الشباب، من حيث ادراكهم للامور، وأثّر سلبا على افكارهم وتطلعاتهم وحتى على عقيدتهم، لهذا فنحن في حاجة الى وضع استراتيجيا محددة، ونعمل على فتح ابواب للمناقشات والمكاشفة الصريحة، حتى نضع النقاط والاهداف لمواجهة التحديات المستقبلية التي تعوق مسيرة شبابنا، ولتتضافر كل الجهود في مواجهة هذه التحديات لتنعم مجتمعاتنا بهذه اللبنة الاساسية، التي تساهم في بناء المجتمع، ووضعه على الطريق الصحيح لمواكبة تطور المجتمعات.
وفي عصر القرية الكونية وتعدد القنوات الفضائية، تزداد هموم الشباب العربي عموما بسبب تأثيرات تيارات الفكر الغربي، التي غزت عقول الشباب، حيث يشاهد ويسمع ويرى العديد من الاحداث المتنوعة التي تحد من عزيمته وتثبط من هممه، وكذلك تؤثر في ثقافته وانتمائه ووطنيته وعروبته، وصعوبة اللحاق بركب الحضارة والتقدم والرقي. لذلك يجب ان تكون هناك منظومة للاعلام العربي، تشكل مظلة عربية مليئة بالقنوات الفضائية العربية، التي تعمل على حماية هوية الاجيال الجديدة، عبر بث المواد والبرامج التي تنبع من ثقافتنا وتراثنا وقيمنا وحضارتنا، وبالتالي تعمق انتماء الانسان العربي لوطنه ولقيمه الروحية والثقافية مع الحفاظ على شخصيته وهويته في عصر العولمة وهو يشاهد الآخرين. والهدف من هذه المنظومة الاعلامية العربية هو ربط ابنائها من المحيط الى الخليج بهويتهم وثقافتهم وبأرضهم ووطنهم العربي، حتى لا يضيعوا في عصر العولمة وعصر الفضاء المفتوح، ويفقدوا هويتهم ولا يجدوا ما يربطهم بأرضهم ووطنهم. قد لا يختلف اثنان على ان للقنوات الفضائية تأثيرا ايجابيا لا ينكر في تثبيت القيم المرغوبة من المجتمع، فضلا عن ان برامجها الجيدة تحدث تعديلات على القيم السلبية والعمل على تلافيها وغرس القيم الايجابية عبر:
- تقديم نماذج انسانية ذات قيمة باعتبارها المثل والقدوة.
- تقديم البرامج والمسلسلات التي تساهم في تنمية القدرات وتدعيم القيم الديموقراطية والمشاركة في اتخاذ القرار وغرس قيم السلام وتقوية الولاء والشعور بالانتماء للوطن والعروبة وتنمية الاحساس بالمسـؤولية، وابراز الطاقات بما يساهم في تكوين الشخصية، والتي تركز على القيم الاخلاقية والدينية والعملية، والتضحية من اجل الوطن واحترام العمل ونبذ القيم السلبية.
واذا كانت هذه ابرز المشكلات التي يعاني منها شبابنا العربي اليوم فان التحديات كثيرة لمواجهتها، وباعتبارنا برلمانيين عربيين فاننا معنيين مباشرة بمواجهة هذه التحديات كوننا ممثلون عنهم ونعمل لتتطلعاتهم، ومن هنا نقترح التركيز في برلمانتنا القطرية التركيز على التشريعات التي تؤمن :
- ضمان المشاركة الفعالة للشباب في كافة قطاعات المجتمع، وفي عمليات صنع القرارات على المستويات القومية والاقليمية والدولية كافة.
- اعادة النظر في اوضاع الشباب وحاجاتهم والاخذ بتقديرهم للاولويات عبر مشاركتهم في قنوات تبادل الحوار.
- دعم المنظمات والاندية الشبابية، بتوفير الامكانات والصلاحيات للهيئات الرسمية والمؤسسات الاهلية القائمة برعاية الشباب.
- اشراك المنظمات غير الحكومية الاخرى ايضا، وبخاصة التي تعمل في مجال رعاية الشباب من الفتيات وبخاصة الصغيرات والاطفال، والشباب من الفتيان وعائلاتهم، والحكومات والهيئات الدولية والمؤسسات التربوية والتعليمية والاعلامية، وذلك من اجل تضافر الجهود كافة للتصدي لمشكلات الشباب بأفضل ما يكون على المستويين المحلي والقومي
ان امة لا شباب فيها لا مستقبل لها، ومن هنا ضرورة التركيز بكل الوسائل المتاحة لتخليص شبابنا بما هم فيه من تشتت وضياع ، ويأس وكفر بالواقع ، وبقدر ما ننجح في ذلك نكون قد وصلنا الى نستقبل واعد ومزهر لأمتنا العربية ولشبابها النابض بالتغيير .

حول العريضة النيابية إلى مجلس الأمن وتداعياتها لمجلة

نص مقابلة حول العريضة النيابية إلى مجلس الأمن وتداعياتها لمجلة الشروق

د.خليل حسين
أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية

س - ما هي القيمة القانونية للعريضة النيابية المقدمة إلى مجلس الأمن برأيكم؟
ج - من حيث المبدأ تعتبر العريضة المقدمة للامين العام للأمم المتحدة من الناحية الدستورية والقانونية لا قيمة لها،باعتبارها صادرة عن سلطة غير ذي صلة بالموضوع المقدم.فمن الناحية الدستورية والقانونية يعتبر رئيس الجمهورية صاحب الصلاحية في التفاوض مع الجهات الخارجية وفقا لنص المادة 52 من الدستور،إضافة إلى أن العلاقة في الأساس مع الأمم المتحدة هي من اختصاص إجرائي، المتمثل في هذه الحالة بالحكومة وتحديداً بوزارة الخارجية،أما الأمر الثالث فإن صلاحية مجلس النواب تُختصر فقط في الإبرام النهائي إذا كانت المعاهدة ترتّب أعباءً مالية على الدولة ولها أصول وآليات حددها الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب.لذا فإن العريضة المقدمة لا محل لها من الإعراب القانوني،فهي ليست ملزمة للأمين العام للأمم المتحدة ولا لمجلس الأمن. وفي أحسن الأحوال لا يمكن البناء عليها إلا من وجهة سياسية بحتة يمكن أن تؤخر إقرار المحكمة ولا تستطيع تقديمه. أما من الناحية السياسية يمكن قراءة العريضة على أنها إعلام الأمين العام بأن نصاب إقرار المحكمة في المجلس النيابي هو مؤمن من الناحية العملية بسبعين نائبا،والدعوة إلى إقرار نظام المحكمة بعيدا عن المعاهدة الموقعة بين الحكومة والأمم المتحدة.

س – برأيكم ما هي خلفيات هذه العريضة؟
ج - من الواضح أن مجلس الأمن يصدر قراراته ضمن إطارين محددين في الميثاق ألأممي، فوفقا للفصل السادس يتطلب تطبيق أي قرار صادر عن مجلس الأمن موافقة الأطراف المعنية به.فيما القرار الصادر وفقا للفصل السابع يعتبر ملزما لكافة الدول العمل على تطبيقه إضافة إلى الأطراف المعنية به.ومن هذا المنطلق إن أولى الخلفيات موجها إلى الدول التي لا تعتبر نفسها معنية به.ولو استثنينا الدول العشر التي تمَّ توصيفها بأنها غير متعاونة في تقرير المحقق الدولي سيرج برامرتز ،فإن سوريا هي المعني الأول به.فعلى الرغم من ذكر التقرير السالف الذكر بأن التعاون السوري كان مقبولا،فإن تصريحات معظم قياداتها تشير بشكل واضح وصريح إلى أن سوريا غير معنية بالمحكمة وليست طرفا فيها،وبالتالي إن السلطات القضائية السورية هي صاحبة الصلاحية بمحاكمة أي مسؤول إذا ثبتت التحقيقات إدانته.وعليه إن العريضة المقدمة من الغالبية النيابية اللبنانية من الصعب فصلها عن هذا الهدف بالذات باعتبار أن إقرار المحكمة ونظامها في الحدود القانونية الحالية لا يلزم سوريا في مراحل لاحقة وإن كان مبدئية إنشاء المحكمة اتخذ في القرار 1644 وفقا للفصل السابع من ميثاق المنظمة.وفي أي حال إن إقرار المحكمة في الفصل السابع يعني فيما يعني وضع سوريا في مواجهة مجلس الأمن بشكل مباشر،ويجبر سوريا على قول كلمتها في شأن المحكمة بعدما أوضحت أن لا ملاحظات لديها وأن توجّسها يكمن في استهداف بعض الأطراف اللبنانيين من حلفائها في عملية الاغتيال.

س – هل ثمة ربط بين إقرار المحكمة ضمن الفصل السابع وقوات الطوارئ الدولية في جنوب لبنان؟
ج - ثمة توجّس وخوف كبيرين بأن إقرار المحكمة في الفصل السابع سينسحب على الوضع القانوني لقوات الطوارئ في جنوب لبنان، ربطا بسوابق مماثلة على الصعيد الدولي وان اختلفت تسمية ونوعية المحاكم.فجميع القوات التي أنشأت في يوغسلافيا السابقة وراوندا وتيمور الشرقية والتي ترافقت مع محاكم دولية خاصة ومختلطة أنشأت استنادا إلى الفصل السابع،بتبريرات متنوعة ومختلفة وبخاصة حماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة في جرائم مماثلة.إن الحالات السابقة السالفة الذكر لم تمكن أصحابها من الوصول إلى الأهداف المرجوة وبخاصة في قضية سلوفودان ميلوسوفيتش، فيوغسلاقيا قُسمت قبل أن يتوفى هذا الأخير في سجنه وقبل صدور أي حكم بحقه.وعطفا على ما سبق إذا ما تمَّ هذا الربط والوصل سيجعل من لبنان بلدا مكشوفا على الضغوط الإقليمية والدولية باختلاف أشكال وألوان المصالح المتدخلة والمتداخلة فيما بينها والقادرة بشكل أو بآخر على استثمار واقع ووقائع الظروف المستجدة وبخاصة في جنوب لبنان وشرقه.
س – كيف يمكن الإقرار وهل ثمة تغييرات يمكن أن تنسحب على نظام المحكمة؟
ج - إن تداعيات كثيرة ستظهر في حال تمَّ الإقرار في الفصل السابع منها ما يتعلق بأوضاع المحكمة نفسها ونظامها الداخلي أو لجهة مصير بعض الملفات المرتبطة داخليا.ففي الشق الأول،يمكن لمجلس الأمن وفقا لقراراته السابقة لا سيما القرار 1644 إقرار نظام المحكمة وفقا للفصل السابع مع الإبقاء صفة المختلطة،أي قضاة لبنانيين ودوليين،إلا أن ثمة ضرورات لتعديل بعض بنود النظام الأساسي للمحكمة بحيث تحرم السلطات اللبنانية من هامش المشاركة النسبية الممنوح في النظام الأساسي.وإما إقرار مجلس الأمن لنظام المحكمة في الفصل السابع أيضا وتطبيق القانون الدولي فقط وعندها يكون الأمر اقرب إلى إنشاء محكمة دولية خاصة كالسوابق التي ذكرناها آنفا.وفي هذه الحالة الأخيرة سيخرج الموضوع كليا من يد اللبنانيين.

س – هل ثمة تداعيات داخلية ؟
ج - في الجانب الداخلي من التداعيات يمكن رصد ثلاث حالات رئيسة،تتعلق الأولى بإطلاق رصاصة الرحمة على الحوار الذي جرى سابقا بين رئيس مجلس النواب ورئيس الأغلبية النيابية،إذ بات موضوع الحوار منتهيا من أساسه،وبات يتطلب أي متابعة حوارية جدول أعمال مختلف لجهة الموضوعات وطرق الربط والوصل الممكنة بينها.فحكومة الوحدة الوطنية التي تطالب المعارضة بها باتت قضية منفصلة عن موضوع المحكمة ونظامها،وبالتالي أي متابعات أخرى ستفرض شكلا جديدا من المطالب التي تبدو أشد تعقيدا من حكومة الوحدة الوطنية ومنها الانتخابات النيابية المبكرة على سبيل المثال. ثاني التداعيات الداخلية سيكون حجم التأثير على أهداف الاعتصام الذي ربط بشكل أو بآخر بإمكانية أجراء تعديلات ما على نظام المحكمة مقابل انهاء الاعتصام، وهذا ما عمل عليه في الأساس أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى في جولاته السابقة. النقطة الثالثة تتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية إذ أن نقل الموضوع لمجلس الآمن يعني فيما يعنيه أن هذه الأكثرية هي صاحبة الحق ألحصري في تحديد التكييف القانوني لآلية انتخاب الرئيس المقبل،وإلا ستكون الحكومة الحالية هي الوريثة لصلاحيات رئيس الجمهورية في حال تعذرت عملية الانتخاب.

س – كيف تستشرفون آفاق المرحلة القادمة؟
ج - لا شك بأن مجمل القضايا ذات الصلة بالمحكمة ونظامها الأساسي قد بات اليوم أكثر تعقيدا من أي وقت مضى،وبالتالي قد فتحت الأمور على مصراعيها بحيث لم يعد بالامكان الرجوع إلى الوسائل التقليدية السابقة كجلسات الحوار أو التشاور أو الحوارات الثنائية من دون تغيير واضح وجذري في وسائل الضغط المتبادلة.وفي أي حال يبدو أن الأمر متعذر حتى الآن رغم السعي الأمريكي الفرنسي الجاد،إذ ثمة معارضة روسية صينية واضحة ما يعني أن حق الفيتو وسيلة قابلة للرد ، ووسط تصريحات واضحة أيضا من قبل الأمين العام للأمم المتحدة الداعية لإقرار نظام المحكمة وفقا للأطر الدستورية اللبنانية.












نموذج مناسب للجمعية البرلمانية الآسيوية
د.خليل حسين
بيروت: 17-3- 2005
ان الظروف الدولية بكل تشعباتها واسقاطاتها على دولنا ألأسيوية تجعلنا بأمس الحاجة للبحث عن الاطر التنظيمية الكفيلة بدرء ما يمكن ان يتأتى عنها من اضرار على مجتمعاتنا ومؤسساتنا، سيما وان ظروفنا مهيأة لتقبل الانعكاسات السلبية قبل غيرها.ومن هذا المنطلق نرى اللجوء الى صِيغ تكامالية تؤدي الى نوع من التجمع البرلماني احد الوسائل الممكنة وان كان دونها عقبات،لذا ان رؤيتنا تنطلق على قاعدة اقتصادية تتيح الكجال لاحقا لمجالات اخرى ضرورية.فجميع التجارب الناجحة بدأت على نفس القاعدة وتمكنت من الارتقاء والتطور الى درجات ومستويات اعلى وابرزها التجربة الاوروبية في هذا المجال.لذا نقترح التالي:
- العمل على انشاء آلية للوصول الى سوق آسيوية مشتركة وفي هذا المجال يمكن الاحتذاء بعدة تجارب آسيوية منها تجربة الآسيان.
- العمل على على تطوير بيئة تشريعية للحد من الحواجز الجمركية بين الدول الاسيوية وهي لا تتناقض في الأساس مع ما تسعى اليه غالبية الدول من خلال العمل على الدخول في اطار منظمة التجارة الدولية.
- العمل على تطوير الاتفاقيات التجارية في كافة المجالات صناعية زراعية وغيرها ،ما يفسح المجال امام بيئة لاندماج اقتصادي في مراحل لاحقة.
ان ابرز النجاحات المحققة في عصرنا هذه قامت على اسس اقتصادية ومالية قبل السياسية،باعتبار ان التكامل الاقتصادي بين الدول يؤدي حتما الى ايجاد نسيج اجتماعي قادر على حماية العلاقات بين الدول،ذلك بعكس البحث عن علاقات سياسية لاهداف اقتصادية والتي غالبا ما ادت الى المزيد من التوترات والحروب والمآسي.وبما ان العلاقات بين الدول تحكمها مصالح وليست جمعيات خيرية، فان للسياسة دور فيها ومحاذير ينبغي التنبه لها ومنها:
- التعامل بين دولنا الأسيوية بدون خلفيات مسبقة على قاعدة استثمار المال والاقتصاد في العلاقات لأهداف سياسية يبدو ظاهرها محق لكنها تخفي باطلا.
- ان الجمعية البرلمانية الاسيوية بطموحها على ان تكون المدافع عن حقوق الانسان والديموقراطية في الدول المنضمة اليها هدف نبيل ينبغي العمل لتحقيقه ،لكن ينبغي في نفس الوقت ان لا يكون هذا الهدف وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول على قاعدة محاكمة الانظمة لدواعي المواقف السياسية وهذا ما تعاني منه غالبية دولنا الاسيوية.
وعلى الرغم من وجود الحيثيات الكثيرة التي تميز سيادات الدول/فان المستقبل الواعد هو للتجمعات الاقتصادية القارية،وباعتقادنا ان دول القارة الاسيوية فيها من الامكانات التي لا يستهان بها لأن تصبح ذات شأن بين التجمعات الاقليمية، الا ان الامر مرهون بارادة دولنا ومجتمعاتنا وقدرة التزامانا بخياراتنا التي ينبغي ان تكون آليات تنفيذها قابلة للحياة.

هجرة الأدمغة العربية والأفريقية وسبل مواجهتها


هجرة الأدمغة العربية والأفريقية وسبل مواجهتها

د.خليل حسين
بيروت 25-12-2002

ان اخطر ما تعانيه الدول العربية والافريقية ماضيا وحاضرا ، موضوع هجرة الكفاءات ذات التخصص العالي، لا سيما العلماء منهم ، باعتبار ان من يهاجر من هذه الفئة من الصعب عودته الى بلده الاصلي ، للعديد من الاعتبارات المتصلة به او الخارجة عن ارادته .
اولا : في بعض الارقام
ان الامر الاخطرهو عدم توفر الاحصاءات الدقيقة عن نوعية المهاجرين او حجمها ، او فئاتها او اتجاهاتها ، وعدم وجود المؤسسات المهتمة بها وبشؤونها او ما يحيط بها من مسائل تحد من ظاهرتها او تخفف من آثارها قدر الامكان .
لقد عانت الدول الافريقية اكثر من غيرها في هذا المجال ، اذ خسرت حوالي الستين الف عالم بين الاعوام 1985 و1990 ، وتخسر في حدود العشرين الفا كل عام من نفس الفئة، ويبلغ عدد العلماء الافارقة في العالم حوالي السبعة في المئة من بين مجموع العلماء بحسب احصائيات الامم المتحدة .أ
اما بالنسبة الى هجرة الأطباء والمهندسين والعلماء العرب إلى أوروبا الغربية والولايات المتحدة وصلت حتى 1976 إلى حوالى 24.000 طبيب، 17.000 مهندس، و75.000 مشتغل بالعلوم الطبيعية يمثلون 50، و 23 ، و 15 بالمائة، على الترتيب، من جملة هذه الفئات المهنية فى الوطن العربى. وعند نهاية القرن العشرين، يقدر ان تصل هذه الهجرة الى حدود المليون ، وهو تقدير يومئ إلى تصاعد هجرة الكفاءات فى الربع الأخير من القرن العشرين.
والأهم أن هجرة الكفاءات ينتظر أن تتصاعد أكثر باشتداد العولمة، فعلى الرغم من أن أحد التناقضات الرئيسية للنظام العالمى الجديد، النابعة من فرض البلدان المصنعة لمصالحها على البلدان المتخلفة، هى الإصرار على حرية التجارة فى السلع والخدمات على حين تستمر حدود البلدان المصنعة مغلقة أمام انتقال البشر إليها. ولكن، أيضاً انطلاقاً من مصالح البلدان المصنعة المهيمنة على ذلك النظام العالمى الجديد ومن الدور بالغ الأهمية للمعرفة والتقانة فى تحديد التقدم فى عالم كثافة المعرفة، يقوم سوق عمل عالمى واحد يختص بالكفاءات العالية التى ترى البلدان المصنعة فائدة فى اقتناصهم من البلدان المتخلفة، مع استمرار إغلاق الحدود فى وجه غيرهم من مواطنيهم.
والأخطر أن الهجرة ينتظر أن تصيب العناصر الأكثر استعداداً من الأجيال الأصغر من كفاءات البلدان المتخلفة، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الأقدر بما يتيح لهم قرباً اجتماعياً وثقافياً من بلدان الهجرة المرتقبة من خلال وسائل الاتصال الحديثة، ويمكن لهم أن ينتظموا فى مساقات تعليمية تقربهم مهنياً وثقافياً من البلدان الغربية المصنعة. ويعنى ذلك التطور المرتقب سلب مجتمع الكفاءات فى البلدان المتخلفة أكثر شرائحه حيوية، مما يترتب عليه تفاقم قصور إنتاج المعرفة واكتسابها، على وتيرة متصاعدة، فى المستقبل.
ومعروف أن بلدان الوطن العربى تتفاوت كثيراً فى مدى مساهمتها فـى تيار الهجرة هذا. فعلى سبيل المثال، من المهاجرين العرب من العلماء والمهندسين إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترة من 1966-1977 قدمت مصر قرابة 60 بالمائة، وزادت مساهمة كل من العراق ولبنان عن عشرة بالمائة بينما كان نصيب كل من سوريا والأردن وفلسطين حوالى خمسة بالمائة من المجموع.
وتعتبر مصر هى، بين الدول العربية، الخاسر الأكبر من هجرة الكفاءات من حيث الكمية، وهذا أمر متوقع فى ضوء تقدم مصر على البلدان العربية فى عدد الكفاءات من ناحية، وقِدم إيفاد أبنائها للبلدان المصنّعة طلباً للعلم، وهو من أحد أسباب هجرة الكفاءات، من ناحية أخرى.
أما إذا أخذنا فى الاعتبار حجم القاعدة السكانية لبلد الأصل، فإن الوقع الكمى النسبى لهجرة الكفاءات يتباين بين هذه البلدان، على الترتيب من الأعلى للأدنى، على الوجه التالى: لبنان، فلسطين، الأردن، مصر، العراق، سوريا.
ثانيا : اسباب المشكلة
اسباب المشكلة متعددة ومتنوعة وتختلف بين دولة واخرى ، لكنها تشترك فيما بينها بعدم قدرتها على استثمار تلك الطاقات والمهارات ذات الشأن الهام ، والامر هنا ليس متعلقا بفئة معينة بل تطال فئات علمية ومهنية تشكل الدعامة الاساسية لتطور البلد ونموه ، والتي بدونها لا يستقيم وضع الدولة وهنا نقصد الكادرات الوسطى .
ان البحث في اسباب الظاهرة يقودنا عمليا الى تصورات ومقترحات للحد منها على الاقل ان لم يكن بالامكان وضع حد نهائي لها .اما ابرز الاسباب المشتركة بين معظم تلك الدول فأبرزها :
- عدم قدرة غالبية الدول العربية والافربقبة على اجتذاب طاقات بعض الفئات العلمية العالية ، لا سيما المتخصصة في مجال التكنولوجيا الحساسة ، والمجالات التي تستعمل فيها هذه التكنولوجيا، مثل علوم الفيزياء الذرية والرياضيات والكيمياء ، والامثلة على هجرتها متنوعة في غير اتجاه ومكان .
- ان غنى بعض الدول وقدرتها على استيعاب هذه الفئات لجهة تأمين مستلزمات عملها، لم يحل المشكلة ، بل ظهرت آفاقا جديدة لهذه الظاهرة تجلت في عدم القدرة على تنفيذ رغباتها في هذا المجال ، للعديد من الاعتبارات الخارجية كوضع العراقيل امام امتلاكها التكنولوجيا المتقدمة ووسائل استخداماتها والخوف من استعمالاتها غير المنظورة , والتي يمكن ان تؤثر على الاوضاع الاقليمية او الدولية كما بات واضحا ، خصوصا في الثلث الاخير من القرن الماضي ، حتى بدا معلوما ان كل شيىء يمكن امتلاكه باستثناء التكنولوجيا الحساسة القادرة على كسر المعادلات الاقليمية .
- ان وجود منشآت هامة وحساسة ذات منشأ اجنبي في بعض الدول بحول دون استغلال تلك المنشآت بالشكل الكافي وذلك وفقا لعقود انشائها وتشغيلها ، حيث تستخدم كفاءات اجنبية على حساب الكفاءات الوطنية ، مما يشجع هذه الاخيرة على الهجرة القسرية الى الخارج ، بهدف ايجاد فرص العمل المناسبة والمعبرة عن طموحاتها وتطلعاتها.
- ان ايلاء القيادات الادارية الاهمية على حساب الكفاءات العلمية امر من شأنه تهميش تلك الكفاءات والحد من طموحاتها ، الامر الذي يحبطها ، ويجعلها تتجه الى الخارج للتخلص من يأسها واحباطها .
- ان للعوامل السياسية والاجتماعية دور هام في هجرة الكفاءات من موطنها ، عبر اتكال بعضها على الصلات السياسية لتأمين فرص العمل او المكانة الاجتماعية ، وهي فئة قليلة بطبيعة الحال مقارنة مع الاعداد الموجودة ، الامر الذي يحدو بالباقي وهي الغالبية الى اللجوء للخارج بحثا عن الذات وفرص العمل الواعدة بالنسبة لهم .
- ان عدم توفير الميزانيات للبحث العلمي في الموازنات العامة للدول العربية يساعد على الحد من تطوير تلك الكفاءات ووسائل تطويرها كالمعاهد ومراكز البحوث وغيرها .
- ان مداخيل هذه الكفاءات من الفئات تعتبر متواضعة جدا مقارنة مع مؤهلاتها ومع غيرها من الفئات الاخرى .
- اضافة الى ذلك ان عدم وجود الحوافز الجاذية لهذه الكفاءات ، سيجعلها تستقر في الدول التي درست فيها ، وبالتالي خسارتها قبل مجيئها الى موطنها الاصلي ، وهي ظاهرة متفشية في معظم الدول المتقدمة التي تقدم التسهيلات ووسائل الحياة المريحة في سبيل جذب وابقاء الطلاب وهم على مقاعد الدراسة للاستفادة منهم وعدم رجوعهم الى بلدانهم الاصلية .
- ان عدم الاهتمام بهذه الفئة من قبل السلطات الوطنية المختصة ، يساعد على بقائها في الخارج ، فضلا عن التهديد الذي يتعرض له البعض في حال قرر العودة الى بلده الاصلي ، وهناك امثلة كثبرة على ذلك ووصلت الى حد الاغتيال لبعض العلماء .

ثالثا مقترحات للحد من ظاهرة هجرة الكفاءات
ان الحد من ظاهرة هجرة الادمغة امر ممكن في مرحلة اولى قبل القضاء عليها اذا امكن ، والامر يتطلب النظر من زاويتين ، الاول قطري والثاني اقليمي :

1 – على الصعيد القطري :
رغم خصوصية بعض الاقطار في معالجة هذه الظاهرة ، فهناك اوجه متشابهة يمكن ان توجه من خلال دور المجالس التشريعية وابرزها :
- تشكيل لجنة دائمة مختصة بالبحث العلمي في كل برلمان عربي وافريقي ، على غرار اللجان الاخرى الموجودة .
- دفع الحكومات في اتجاه وضع برامج وسياسات لاستيعاب وحل المشكلة بدءا من عمليات الاحصاء للمهاجرين وانتهاءا بالسبل الكفيلة باعادتهم والاستفادة من خبراتهم العلمية والعملية .
- تخصيص الاموال اللازمة لمهام البحث العلمي وتشجيعه عبر انشاء مراكز الدراسات والابحاث الاستراتيجية ذات الصلة بالاختصاصات المهاجرة والاختصاصات التي يؤمل ان تنجز لاحقا.
- انشاء مجالس خاصة للعلماء بهدف الاهتمام بشؤونهم وقضاياهم .
- ايلاء الاهمية والمكانة المناسبتين للتشريعات المتصلة بالعلماء بهدف اشراكهم في صنع القرارات المتعلقة باختصاصاتهم .
- اعادة هيكلة النظم التربوية والعلمية بما يتوافق مع التطورات العلمية الدولية في مختلف المجالات التكنولوجية ، بما يفسح المجال لهذه الكفاآت وضع خبراتها في خدمة اقطارها .
- المساهمة في خلق فرص عمل ذات شأن، في اطار حوافز جاذبة لهذه الكفاءات مما يمكنها من العيش اللائق والكريم في بيئتها الاصلية .
- ايجاد البيئة القانونية الكفيلة بعدم هجرة الكفاآت الحساسة وربط الدارسين في الخارج بمنح تعليمية بهدف تهيئة عودتهم بعد انتهاء دراستهم .
- العمل على توأمة الجامعات والمعاهد الوطنية مع مثيلاتها في الدول الصديقة ذات الكفاءات العلمية المتقدمة ، الامر الذي يساعد على ابقاء العلماء في بلدانهم وعدم الهجرة للمزيد من كسب الخبرات وغيرها من الامور .

2 - الجهدالعربي والافريقي المشترك
ان تعاظم هجرة الكفاءات على كافة المستويات العلمية والعملية في معظم الدول الافريقية، وما تسببه من نزف مستمر للطاقات ، تؤكد على ضرورة التوصل الى السبل الكفيلة للحد منها ، بجهد وتعاون عربي وافريقي ، باعتبار ان المشكلة اصبحت تهدد المجتمعات برمتها بصرف النظر عن اي دولة تمت الهجرة منها ، اضف الى ذلك ان تلك الكفاءات اينما وجدت وبصرف النظر عن هويتها القطرية ، هو عربية او افريقية الانتماء بنظر الاجنبي ، وينظر اليها من تلك الزاوية ويعامل على اساسها . لذا ان العمل العربي - الافريقي المشترك للاحاطة بهذا الملف امر مطلوب لما تمر به هذه الدول من مصاعب في هذه الآونة ؛ ومن هذه الزاوية يمكن لهذه الدول ان تلعب دورا رياديا عبر انشاء هيئة برلمانية عربية - افريقية مختصة ذات صلاحيات تقريرية وتنفيذية تهدف الى معالجة هجرة الكفاءات من موطنها عبر آليات محددة الاهداف والغايات يكون من بين مهامها :
- انشاء قاعدة بيانات للعلماء والباحثين المقيمين في اوطانهم او في البلدان التي هاجروا اليها ، بهدف تسهيل الوصول اليهم والاستفادة من خبراتهم .
- انشاء آلية خاصة للتواصل بين هذه الهيئة والدول العربية والافريقية التي تعاني من هذه المشكلة بهدف التواصل لتأمين فرص العمل لهذه الكفاءات في الدول العربية والافريقية اذا لم يكن هناك مجالا في بلدانها .
- تامين الدعم المادي والمعنوي لهذه الهيئة لمتابعة العلماء ورعاية شلاونهم ومتطلباتهم .
ان تفشي ظاهرة هجرة العلماء والكفاءات باتت من الامور التي يصعب السيطرة عليها من جهة واحدة ، ومن هنا تكمن اهمية التعاون المشترك بين الدول المعنية ومن بينها الدول العربية والافريقية باعتبارها الدول الاكثر تضررا منها ، والاكثر حاجة لايجاد الحلول لها.

تطور الأنظمة القانونية في الدول الأسيوية عبر التبادل التشريعي

تطور الأنظمة القانونية في الدول الأسيوية عبر التبادل التشريعي

د. خليل حسين
استاذ في الجامعة اللبنانية
ورقة عمل المجلس النيابي الى مؤتمر بيجينغ المنعقد ما بي
24 و 25 – كانون الثاني 2003

بيروت في : 2-1-2003
بات التعاون الاقليمي من سمات النظام العالمي القائم بل احد اسسه المعلنة على الاقل ، ومن باب اولى ان يكون التعاون بين الدول في مجالات التشريع امرا حيويا لأي تجمع اقليمي واعد ، باعتباره اساسا لتوجيه المجتمعات لما تصبو اليه من قيم ومبادىء ؛ سيما وأن العديد من الاسباب والاعتبارات قد اثرت على سلوكيات المجتمعات في الدول في عصرنا الراهن .
وحري ان يكون هذا الوضع من بين اولويات الدول الاسيوية ، التي تشكل بمعظمها اساسا لحضارات ضاربة في عمق التاريخ ، ففي آسيا كان مهبط الاديان السماوية وما جاءت به من تشريعات دنيوية ، كما فيها ترعرعت فلسفات وايدولوجيات فسّرت مظاهر الحياة الميتافيزيقية والمادية، واختزلت الكثير من التاريخ واحداثه بأفكار ومعتقدات لا زالت بصماتها ضاربة في اذهاننا حتى اليوم .
وكما في الماضي ، في الحاضر مظاهر متممّة لما سبق، فالدول الاسيوية بنسيجها الاجتماعي والسياسي افرزت انظمة دستورية وقانونية متعددة ومتنوعة، فكما فيها الانظمة الرئاسية فيها الانظمة البرلمانية والمجلسية، وان احتضنت مجتمعاتها الانظمة الملكية فطورت بعضها الى ملكية دستورية ، وان اتخذ بعضها انظمة سياسية مستندة الى ايديولوجيات وفلسفات متناقضة في طبيعتها ونظرتها للامور ، ففي معظم دولها ما تشترك به من تفاصيل الامور ودقائقها ، ومن هذا المنطلق ان التعاون بين جمعية البرلمانات الاسيوية للتعاون من اجل السلام ، امر من شأنه تطوير مجتمعات الدول وتوجيهها بالشكل الذي يتناسب وطموحاتها وتتطلعاتها .
ان سلسلة النجاحات التي حققتها اجتماعات برلمانات للدول الاسيوية في دوراتها الثلاث السابقة ، يجعل من دورتها الرابعة محط انظار الكثير من الدول للانضمام اليها والمشاركة في فعاليات اعمالها، للعديد من الاسباب وأبروها :
- ان التقدم التكنولوجي الهائل الذي لف دول العالم بأسره والذي بات اسير تفاصيله ، بات بحاجة ماسة الى اعادة النظر بالعديد من التشريعات والقوانين التي تتحكم باسلوب حياة المجتمعات ، بحيث باتت الحاجة ماسة لمجاراة ما تبدل وتغير بقوالب قانونية تحكم نتائج هذه التغيرات ان لجهة الحقوق والواجبات الناجمة عن اي فعل يترتب عليه آثار قانونية .
- ان الاحداث التي عصفت في بداية الالفية الثالثة شكلت تحديات كبيرة للدول الاسيوية ، لما يلصق بها من تهم غالبيتها لا اتمت الى الحقيقية بصلة ، وباتت في موقع تبدو فيها مجبرة على تبرير الكثير من المسائل، الامر الذي يحثها على التعاون الاقليمي لايجاد الحلول لهذه المسائل والاجابة على العديد من الاسئلة والتحديات التي باتت تمس جوهر وجودها وكياناتها .
- ان القارة الاسيوية التي تشكل اكبر تجمع سكاني في العالم ، والاكثر لجهة تعداد الدول ، والاكثر لجهة التنوع الحضاري والثقافي ، وكذلك لجهة الموارد الاقتصادية ، وايضا لجهة الاستهدافات السياسية وما يتبعها من استهدافات اخرى، باتت معنية اكثر من اي وقت مضى لايجاد السبل الكفيلة لحماية مصالحها بمواجهة الغير ، وبما ان التشريعات هي الاساس في تسيير سلوكيات الدول والمجتمعات ، فان جمعية برلمانات الدول الاسيوية تشكل وجهة صحيحة وضمانة معقولة لمناقشة ما تشكو منه وصولا الى ما تصبو اليه من حلول.
لتلك الاسباب السالفة الذكر ولغيرها، نرى بأن تطوير العمل التشريعي في البرلمانات الاسيوية وتبادلها يشكل اساسا واعدا لاخذ هذه الدول مكانة هامة على الصعيد الدولي ، ولذلك نقترح ما يلي:
- التأكيد على دورية اجتماعات الجمعية والالتزام بحضورها ومتابعة ما يصدر عنها من توصيات ومقررات .
- انشاء لجنة متابعة خاصة يكون من بين مهامها متابعة وملاحقة التعديلات الدستورية والتشريعية الهامة لهذه للدول المشاركة في الجمعية ، وتوثيق ما يهم التعاون الاقليمي منها وتعميمه على الدول الاعضاء.
- انشاء آلية محددة لرصد آلية العمل التشريعي في الدول الاعضاء واستخلاص الاساليب الاكثر جدوى في تسريع العمل التشريعي وتعميمة.
- انشاء آلية اتصال لمراكز الدراسات في البرلمانت الاسيوية بهدف تبادل المعلومات والعمل على انشاء قاعدة بيانات مشتركة لهذه المؤسسات بهدف تسهيل التبادل والاستفادة القصوى منها .
- تشكيل لجنة خاصة لتحديد الاولويات والتحديات التي تواجه العمل التشريعي في هذه الدول، والعمل على تحديد القواسم المشتركة والتقريب بين المختلف فيها بهدف الوصول الى صياغات متقاربة للنصوص التشريعية اذا امكن .
- محاولة توحيد الرؤى للتحديات التي تواجه الدول الاعضاء بهدف ايجاد النصوص الملائمة في كل دولة ، والعمل على عقد اتفاقات مشتركة للحد من نتائج وذيول هذه التحديات .
ان عملية تطور الانظمة الدستورية والقانونية في مختلف الدول والتجمعات السياسية ، هي عملية دائمة ومستمرة ، وهي غير مرتبطة بظرف محدد ، بل تتطلب جهودا متواصلة ومتابعة مستمرة وجادة ، لذا من الواضح ان جمعية البرلمانات الاسيوية تنتظرها الكثير من العمل سيما في هذه الظروف التي تعصف في معظم دولها ، الامر الذي يرتب على برلماناتها المزيد من العمل للتعبير عن الرؤى الصحيحية للشعوب التي يمثلونها .

الواقع الاجتماعي والقانوني للجنسية

الواقع الاجتماعي والقانوني للجنسية
والتجنيس في لبنان

د.خليل حسين
استاذ في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية
مدير الدراسات في المجلس النيابي اللبناني

ان ما يميز مطلق شعب عن آخر هو انتمائه لدولة ما ، وعليه يمكن القول ان الانتماء بوجهه القانوني وما يولده من مفاعيل ، هو تعبير عن التبعية لهذه الدولة ونظامها وما تشكله من اطر تتضمن الحقوق والواجبات للمواطن والجماعة .
وتأسيسا على ما سبق ، يعتبر الرابط القانوني الاساس بين الفرد والدولة عبر الجنسية التي تحدد موقعه القانوني في الداخل وكذلك على المستوى الخارجي وما تحقق له من مراكز قانونية .
والجنسية بهذا المعنى هي ركن اساسي من اركان الدولة واستمرارها بمواطنيها والتابعين لها ،اذ تؤمن لهم الحماية وكل ما يتصل بها ، وبالتالي من لا ينتمي الى اي جنسية لا يمكن ان يتمتع بالامتيازات التي تؤمنها التابعية القانونية والمتمثلة بالجنسية .
وللجنسية قواعد قانونية اجمعت كافة الدول على تنظيمها ووضع الاطر العملية لها وفقا لحاجاتها ومتطلباتها الاجتماعية والاقتصادية وما يتصل بها من جوانب ديموغرافية وعمرية للهرم السكاني .
لقد اعتمدت غالبية دول العالم المشهورة بنظمها القانونية الدقيقة مبادىء اساسية للجنسية والتجنس وطرق اكتسابها وفقدها ، او سحبها او تجريدها ،وكذلك استردادها اما اهم هذه المبادىء فتتلخص بالتالي :
- من حق كل انسان ان يتمتع بجنسية معينة .
- للفرد ان يمتلك جنسية منذ ولادته.
- التجنيس قد يفقد الجنسية القديمة.
- للفرد الحق بتغيير جنسيته وفقا لأنظمة وقوانين الدولة المرعية الاجراء
- تعتبر الجنسية مركزا وعملا من اعمال السيادة للدولة، وبالتالي فهي مطلقة الحرية في تنظيم شؤونها وامورها لا سيما المتصل منها بأمور الجنسية ومتفرعاتها ومندرجاتها ، ووفقا لمصلحتها العليا .
وقد عبرت هذه المبادىء عن روح ما جاء في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ففي المادة (15) منها :
- لكل فرد الحق بالتمتع بجنسية معينة
- لا يجوز حرمان أي شخص من جنسيته او انكارها عليه او حقه في تغييرها.
ومن الصكوك الدولية ايضا التي نصت على وجوب ان يكون لكل انسان جنسية اتفاقية لاهاي لعام 1930 ، بتأكيدها على : " انه لمن المصلحة العامة للمجتمع الدولي ان يحمل جميع اعضائه على التسليم بأنه يجب ان تكون لكل شخصية جنسية ، وأن لا يكون له الا جنسية واحدة ".

ويتجاذب الجنسية اتجاهين اساسيين في تحديد اساس الجنسية وهما :
- الاتجاه الاول وتقوده الدول الانكلوسكسونية والذي ينطلق على قاعدة العلاقة النفعية بين الفرد والدولة ، أي شعور الفرد بحاجته الماسة للحماية ، وانطلاقا من هذه الحاجة يخضع بارادته لقوانين الدولة وما يرتب هذا الخضوع من حقوق وواجبات ، وفي المقابل تؤمن الدولة له هذه الحماية على قاعدة حاجتها الى الشعب والانتماء كعنصر اساس لتكوين شخصيتها المعنوية على الصعيد الدولي ، أي بكلام آخر لا وجود لدولة بلا شعب تعطيه جنسيتها وتمارس سيادتها الدوليه من خلاله .
- اما الاتجاه الثاني والذي تقوده الدول الاوروبية فينطلق على قاعدةالانتماء الى الجماعة ، أي اتجاه روحي يتأثر بالشعور القومي والمصالح المشتركة للجماعة ، بدءا من الانتماء الى الاسرة مرورا باالجماعة والامة ووصولا الى الانتماء للدولة القومية باعتبارها الوجه السياسي لاحتضان الجماعة .
وبصرف النظر عن فلسفة الانتماء او الاساس لرابطة الجنسية ، فان معظم التشريعات المتصلة بالجنسية في كافة الدول تمزج بين الاتجاهين عمليا ، أي العنصر المادي والعنصر المعنوي .
- يحق للدولة فقط دون غيرها من اشخاص القانون الدولي العام اعطاء الجنسية وتحديد الى من تعطيها ووفقا للكيفية التي تشاءها ، على ان هذا الحق لا يعطيها سلطة فرض الجنسية على غير من يطلبها او يرغب بها ، باعتبار ان رابطة الجنسية هي عمل سيادي داخلي من جهة ، ولا علاقة له في الشأن الدولي العام من جهة ثانية ، على اعتبار ان الاعتراف الدولي بأي دولة لا يتطلب كبر المساحة او حجم تعداد السكان او غيره من مظاهر القوة والعظمة ، فعلى سبيل المثال امارة موناكو وحاضرة الفاتيكان حيث لكل منهما جنسيتها المعترف بها دوليا .
واذا كان للدولة فقط الحق في اعطاء جنسيتها لمن يستحقها وفقا لقوانينها ، فان للافراد أي الاشخاص الطبيعيين الحق فقط في اكتساب الجنسية ، باعتبار ان الافراد هم من يشكلون عمليا العنصر الاساس لاكتساب الشخصية المعنوية للدولة في المجتمع الدولي .
وهذا لا يعني بالضرورة ان ليس للاشخاص المعنويين الحق في اكتساب الجنسية ، بل الصحيح ان كل الدول تعمد الى تجنيس الشركات والطائرات والبواخر بجنسيتها لاهداف اقتصادية وتجارية ، الا ان هذا التجنيس لا يقارن عمليا بما يعطى للاشخاص الطبيعيين .
وعلى وقع هذه المبادىء والاسس السالفة الذكر عمدت الدول الى تكييف قوانينها المتصلة بالجنسية ومنها لبنان الذي ورث هذه القوانين عن الانتداب الفرنسي وعمل فيها دون تغيير يذكر رغم الحاجة للتعديلات الواجب الأخذ بها نظرا للمتغيرات الكثيرة التي احاطت بلبنان ومجتمعه .
وفي الواقع لم تنشأ قضايا الجنسية وما يتعلق بها في لبنان الا في 30-8-1924 ، استنادا الى معاهدة لوزان والقرار رقم 2825 الصادر عن المفوض السامي الفرنسي لما يتعلق بمجموعات بعضها كان في لبنان منذ انشائه وبعضها الآخر اتى الى لبنان بفعل التهجير القسري الذي مورس عليه لاسباب مختلفة ومتعددة ، وفي الواقع لقد ظهر العديد من الحالات التي ادت الى العديد من التصنيفات القانونية التي سنشير اليها في سياق التقرير ، ان كان في لبنان اوغيره من الدول .
القسم الاول
عديمو الجنسية في لبنان

أولا: تعريف أول وتحديد الموضوع
تعتبر مسألة عديمي الجنسية (البدون) في الواقع الاجتماعي العالمي قضية أولية وتأسيسية، وهي ملازمة لمسألة الجنسية. وتقع لذلك قبل كل مسائل تنظيم الجنسية وقوانينها ومراسيمها، وقبل قضايا المجنسين والراغبين بالجنسية، وقبل الطعون وما ينتج عنها جميعا.

ونعني بعديم الجنسية (البدون) كل إنسان يعيش في دولة معينة ولا يحمل أية جنسية كانت، تمنحه حقوقا مثل سواه وتفرض عليه ما عليهم. ويلحق بهذا التعريف كل إنسان فقد جنسيته أو حرم منها لأي سبب كان، خصوصا من كان من أهل البلد وتابعيه. ولا يلحق هذا التعريف بالمهاجرين ولا المهجرين أواللاجئين وسائر أنواع المقيمين سرا أو علانية في إقليم الدولة، وهم بالتالي خارج هذا الموضوع، بما في ذلك من أضاع أوراقه أو أخفاها أو فقدها بأي سبب كان، لان فقد الأوراق غير فقد الجنسية!
وتقع مسؤولية المعالجة لأحوال عديمي الجنسية على عاتق الدولة صاحبة السيادة على الإقليم قبل المجتمع الدولي الذي عليه تكريسهم وعدم إغفالهم. إذ لم يعد جائزا، في القرن الواحد والعشرين حيث أصبح العالم قرية كونية موحدة، أن يبقى إنسان أي إنسان خارج الاعتبار القانوني المنظم، حيث لا يمكن لطفل أو كبير أن يدخل المدرسة أو المستشفى أو سوق العمل بدون هوية أو أوراق ثبوتية! ومن لا يفعل ذلك يعرّض المجتمع كله لأسوأ مخاطر الجهل والمرض والفقر! وأما من يمنع الآخر عن بلوغ ذلك فهو مجرم بالثلاثة، ومدبر ومحرض لتلك الجرائم وما يتفاقم عنها من أذى للمجتمع كله.
أما دراسة هذا الموضوع فتتصل مباشرة بأبحاث الإناسة (الأنتروبولوجيا)، وبعلوم القانون والسياسة، وعلوم الاجتماع الحضري والتمدين، من خلال تجلياتها في الدول وتشريعاتها وتنظيماتها وضماناتها الاجتماعية والتأمينات الاستراتيجية على أمن المجتمع من مخاطر العنصرية والطبقية والاضطهاد والاختراق والانقسام.. ومن ثم ظهور الأنحرافات والفوضى والصراعات والحروب..

أما المهاجرون، الذين اعتبروا خارج فئة عديمي الجنسية المقصودة في هذا التقرير, فقد اختاروا بحرية الهجرة إلى بلاد استقبلتهم بحرية أيضا. فلهم البقاء على جنسياتهم ما شاءوا وليس لبلادهم أن تجردهم منها، وللبلدان التي استقبلتهم أن تطبق عليهم قوانينها بما في ذلك قوانين الإقامة والجنسية. ويقرر كل بلد، مستقبل أو مصدر، قبول ازدواج الجنسية ورفضها، وللمعني حرية القرار والاختيار!
وأما المهجرون من بلادهم، اللاجئون في البلاد الأخرى، فلهم كل الحقوق في الحفاظ على جنسيتهم، ويجب توفير كل الضمانات لهم، بالرجوع إلى بلادهم والاحتفاظ بجنسياتهم حيث هم، مع توفير حقوقهم الإنسانية والاجتماعية وعدم نبذهم، واجتناب كل ما يفيد المضي باضطهادهم أكثر! وعليهم هم عدم التخلي عن جنسيتهم وإلا كان تخليهم استسلاماً للظالم ودعوة له إلى الإمعان في ظلمه وتكراره. وفي ذلك إثارة لآخرين لارتكاب جرائم مشابهة. ولو أن المجتمع الدولي قد حسم هذه الظواهر منذ نشوء عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة لما تفاقمت ظاهرة التهجير واللاجئين، ولما تواترت هذه الحروب العنصرية التي تستهدف اقتلاع الجماعات واحتلال بلادهم لإقامة مستعمرات ومستوطنات ودول على أنقاضها! ورغم قرارات الأمم المتحدة بتأكيد حق العودة وتقرير المصير وحق التعويض عليهم مما لحقهم من خسائر لتمكينهم من العودة لإعادة بناء ما تهدم وتعويض ما فات.. فإن هذه الحقوق ما زالت ضائعة بين قرارات مجلس الأمن وعجز أصحاب الحقوق وتواطؤ بعض الدول الكبرى مع قوى الأمر الواقع والمعتدين الذين ينتمي أكثرهم لمعسكرات هذه الدول، كما هي الحال في فلسطين وأوروبا الشرقية وإفريقيا.. بل إن المجتمع الدولي يشهد ما هو خلاف ذلك تماما، أي محاولات تذويب اللاجئين وتوزيعهم في أقطار العالم وتوطينهم في غير أوطانهم وبعيدا عن أرضهم وحقوقهم، كما حصل مع الأرمن الذين يستفيق العالم اليوم على الاعتراف بالمجازر بحقهم بعد قرن، وكما يحصل مع الفلسطينيين والبوسنيين والكوسوفييين.. ومع رفض هذه الشعوب أن تتخلى عن قضيتها وجنسيتها إلا أن جماعات منهم، وجماعات أخرى مستفيدة ومتآمرة، يعملون على توفير جنسيات أخرى بأشكال مختلفة وهذا أمر مرفوض مهما كانت ذرائعه.

ثانيا: الإطار التاريخي الاجتماعي
ثانيا: الإطار التاريخي الاجتماعي تتداخل في لبنان القوانين والسياسة المحلية والإقليمية والدولية، بل تتنازع في جدال وإجراءات عنيفة ضاغطة وقاهرة مدمرة أحيانا، حول مسألة الجنسية ثم حول التجنيس وسحب التجنيس.. ويدور ذلك على أوسع نطاق في الإطار السياسي وليس في الإطار القانوني الذي لا يحتكم الناس إليه إلا نادرا.
ومع أن لبنان دولة حديثة النشأة- وربما بسبب ذلك- فقد تداخلت فيه وتفاقمت العديد من الأزمات السياسية المتصلة بقضايا حقوق الجنسية. فمنذ تأسيسه، وبعد الحرب العالمية الأولى، حددت معاهدات الحلفاء شروط منح الجنسية للمواطنين العثمانيين وللمقيمين في الأقاليم والدول الجديدة الواقعة تحت الاحتلال ثم الانتداب الفرنسي والإنكليزي. ثم جاءت قوانين الأحوال الشخصية والتعدادات السكانية لتعقّد بعض الأمور رغم حلها الكثير منها، إذ امتنعت جماعات عن المشاركة في الإحصاء السكاني، أو لم تشمل العمليات جماعات أخرى، والذين منحوا لاحقا ما سمي "جنسية قيد الدرس".
ثم حصلت أحداث من العنف المتلاحق، كان منها المجازر والهجرة والطرد والتهجير بالعنف العسكري والأمني والسياسي أو الغذائي أو الاجتماعي.. فشهد لبنان منها الكثير طردا واستقطابا وما يزال. وكان من أهم ذلك ما يلي:

أ- حركات السكان باتجاه لبنان
1- هجرة الأرمن إلى لبنان وسوريا وفلسطين وغيرها، وتوطينهم في هذه البلاد.
2- هجرة الأكراد وتوطينهم. وكان قد سبق هاتين الموجتين هجرة شركسية في القرن التاسع عشر
3- حركات البدو والرعاة والتجار وتنقلاتهم بين أقطار المشرق والجزيرة بين البوادي والسهول والجبال- حيث ما زال البقاع وجبل لبنان مصيفا لأغنام البدو وأمراء الجزيرة والخليج ومواطنيهم- وهذه الحركات الموسمية معروفة منذ القديم وقد ذكرها القرآن في سورة قريش: "رحلة الشتاء والصيف" وقد كانت في أساس الاستقرار حيث "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".. حتى قيل أن المجاعة لم تكن لتحصل في جبل لبنان في حرب الأربعة عشر لو لم تكن هناك حدود مع الداخل.. وكذلك في حرب الخمسة وسبعين التي لم تضع أوزارها، ولم يأمن الناس على بقائهم وأمنهم حتى انفتحت الحدود الأمنية والسياسية والغذائية مع الداخل بعمقه العربي السوري.
4- هجرة رجال الأعمال العرب والسياسيين ومؤسساتهم الصناعية والتجارية والمالية وتوطنها في لبنان ولا سيما من سوريا والعراق ومصر وليبيا مع بداية حركة التغيير السياسي والإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية.
5- الهجرة أثناء حرب الخمسة وسبعين وما بعدها التي شملت مجموعات وعشائر من طوائف المقاتلين وآخرين من العمال الفقراء. وقد ظهر ذلك في نشوء طائفة الأقباط في لبنان وازدياد أعداد الكلدان والآشوريين وغيرهم وظهور مجموعات من الشيعة الإيرانيين والعراقيين، ومن الدروز، وكذلك سائر العمال السوريين والمصريين والسودانيين والأسيويين من سريلانكا والفيليبين والهند وبنغلادش..
ب- حركة السكان من لبنان إلى الخارج
1 - الهجرة أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى.
2 - الهجرات والنزيف المستمر ولاسيما في الخمسينات والستينات.
3 - التهجير والهجرات في حرب الخمسة وسبعين. والطلب على الجنسيات الأخرى بنسبة 42%.
4 - استمرار الهجرة والنزف بعد الحرب في التسعينات وما تزال تتكشف بالطوابير أمام السفارات.
ج- قضية فلسطين واللاجئين بين العودة والتوطين ( وطن مغتصب وشعب يحمل جنسية بلا دولة)
1 - النكبة واللجوء وإحصاء الأونيروا. ثم حرب حزيران 1967 وتجمع المقاومة الفلسطينية.
2 - منح الجنسية للأغنياء والمسيحيين أولا، ثم لأعداد أخرى من المسلمين في مرسوم 1994.
3 - حملة التوطين والتوزيع لتصفية القضية الفلسطينية: وهذه مشكلة المرحلة الراهنة التي يقاومها لبنان والفلسطينيون وسائر العرب وقد كانت جزءا من أزمات مرحلة الحرب اللبنانية منذ 25 سنة.

ثالثا: في المصطلحات
أ- الجنسية: إن مفهوم الجنسية وتعريفها هو الصيغة التي تعبر عن التزام واعتراف متبادل للإنسان الفرد بوطن دولة، ذات سيادة. ويترتب على ذلك الالتزام الاعتراف بكافة الحقوق والواجبات التي تنظم حياة الدولة وأهلها.
ب- عديم الجنسية: انعدام الجنسية هو مصطلح معروف محليا عند المشتغلين بالقانون والتشريع وهو كلام مفهوم لكنه غير شائع الاستخدام، ولعل مرد ذلك إلى عدم شيوع هذه الحالات، بل لندرتها والتكتم عليها.
ج- البدون: هي لفظة غير معروفة في لبنان من حيث الاستخدام القانوني والسياسي والاجتماعي، رغم معرفة البعض بها من خلال الاستخدام الإعلامي والثقافي من مصدرها الأم وهو مناطق الكويت- العراق والجزيرة العربية عموما ويدل معناها الأصلي على الناس الذين هم بدون جنسية هناك.
وقد تجلت هذه الظاهرة في حالة المجموعات التي لم تقبل بالانضواء تحت وصاية أو حماية الإنكليز. وهم جماعات من القبائل والعشائر والجماعات والأشخاص الذين قاتلوا المستعمر أو فروا منه إلى البوادي.. ومنهم من لم تعترف بهم الدول التي ورثت السلطة أو انتقلت إليها السيادة، ومنهم من لم يقبل حتى الآن حمل أيّ من جنسيات الدول القائمة وتعتبر القبائل العربية أن قبول الجنسية هو قبول بالحدود المصطنعة وقبول بتقسيم صحرائهم وواحتهم ومجتمعهم الذي ما زالوا يتمتعون بكل حرياتهم فيه عبر الحدود المرسومة على الورق.. وهذا الأمر نجده في بوادي الشام والجزيرة العربية كما في بوادي وصحاري المغرب العربي ووادي النيل.
وهنا تبرز مفارقة هامة وخاصة في آن معا، ففي حين يناضل البعض ويدفعون مالا وولاء للحصول على الجنسية، يناضل الآخرون لرفضها وعدم الخضوع لها. ولعل أحد أهم أهداف بحثنا تقوم على نصرة حق عديمي الجنسية. وقد يكون الأحرى بنا أن نبحث في كيفية توحيد جملة الجنسيات المتنازعة أو رفع القيود والحواجز المصطنعة داخل المتحد الاجتماعي الحضاري والإقليمي العربي كما حصل في أوروبا مثلا أو في أميركا الشمالية إذ لا بد من حل معضلة الانفصام الاجتماعي هذه.
د- المكتوم: هو الشخص الذي كُتم قيده أي لم يسجل في دوائر قيد النفوس ودوائر الأحوال الشخصية والمدنية، سواء بتقصير من المعنيين أو بسبب عوائق قانونية وإدارية.
ه ـ جنسية قيد الدرس: هذا المصطلح يشبه بالمعنى والاستخدام القانوني والسياسي مصطلح البدون في الكويت والعراق. وقد تناول محليا، في لبنان، كل المقيمين والذين طلبوا تسجيل قيودهم من المقيمين بعدما رفضوا الاعتراف والتعاون مع سلطات الانتداب الفرنسي أو تخلفوا وامتنعوا لسبب من الأسباب عن المشاركة في إحصاء 1932. وهو الإحصاء الوحيد الذي أجري في لبنان بعد العهد العثماني،وقد نظمته سلطات الانتداب الفرنسي.
و- إثبات الجنسية: هو الشروط والطرق القانونية التي يلجأ إليها المدعي أو المتداعون في حالات تنازع الجنسية وفي سائر دعاوى الجنسية، للأفراد والجماعات.
ز- اكتساب الجنسية بطريقة الاعتبار: هو نوع من استعادة الجنسية لمن أهملها أو أهمل الحصول عليها في الوقت المناسب، وخصوصا عند تأسيس الدولة أو عند حصول معاهدات أو تغييرات دستورية، حيث يرد في النصوص: "يعتبر حاملا الجنسية من تنطبق عليه الشروط المحددة..". , نجد المراجع لهذا الأمر في قانون الجنسية العثمانية (19/1/1869) وفي معاهدة لوزان المتعلقة بالجنسية اللبنانية 1922 وسائر الجنسيات للدول العربية الناشئة حينها.
ح- اكتساب الجنسية ومنحها: يكتسب الناس الجنسية بموجب القوانين وتمنح بقرار من السلطات المختصة بموجب معاهدات دولية أو الدستور أو قانون أو مرسوم، أو حكم قضائي أو إداري حسب الحالات المختلفة.
ط - فقد الجنسية: هو سقوط حق الجنسية بالتنازل والتخلي عنها لسبب، أو إهمالها بعدم التسجيل والقيد في التعداد السكاني أو عند اللزوم. أو التخلي عن الجواز والأوراق وتركها واعتبار نفسه أمام قانون البلاد الأخرى بدون جنسية. كما يحصل لشباب لبنانيين في أوروبا أو للمغتربين.
ي- التخلي أو التنازل عن الجنسية: موقف يتخذه البعض للحصول على جنسية أخرى تمنع الازدواج.
ك- سحب الجنسية: قرار سياسي إداري أو قضائي يتخذ بحق من يحمل الجنسية. ويحصل أحيانا لمدة محددة. ويكون أحيانا بناء لطلب المتخلي أو المتنازل عن جنسيته.
ل- التجريد من الجنسية: هو عقوبة تسقط على الخائن أو المخالف لأحكام محددة. وتنزل هذه العقوبة بموجب أحكام قضائية أو قرارات سياسية بصرف النظر عما إذا كان المعاقب يحمل جنسية أخرى أو لا يحمل، وفي الحالة الأخيرة يصبح بدون جنسية.
وقد طرح هذا الأمر عام 2000 في لبنان في إطار سياسي محدود لمعاقبة العملاء الذين تعاونوا مع العدو الإسرائيلي وخصوصا أولئك الذين فروا مع جيشه إلى فلسطين المحتلة، التي لم ترحب بهم ولم يستقبلهم أي من أهلها.
م - إعادة واستعادة الجنسية: يطلق على حالة من كان يحمل الجنسية وفقدها لأي سبب من الأسباب، ثم أعيدت إليه واستردها.
ن- ازدواج الجنسية: حالة من يحمل أكثر من جنسية، وهي عكس حالة البدون.
س- الجنسية الدولية أو العالمية: وثيقة أو جواز سفر خاص تمنحه الأمم المتحدة عبر وكالاتها المتخصصة إلى الأشخاص الذين لا يحملون جنسية أو الذين لا تجدد دولهم جوازاتهم وللاجئين المختلفين. وهذه تختلف عن جواز السفر للعاملين في الأمم المتحدة.

ع- الإقامة: وثيقة الإقامة شكل من أشكال الجنسية الناقصة، تعترف بوجود قانوني لحاملها، وتمنحه الحماية وبعض الحقوق التي تبقى ناقصة مهما اتسع نطاقها، قياسا إلى حامل الجنسية.
ف- السمة (الفيزا): هي منح حق الزيارة لمدة محددة أقلها مدة عبور البلاد. تمنح لمرة أو عدة مرات.
خلاصة: إن الحالات المقصودة في هذا التقرير تحت عنوان عديم الجنسية أو البدون جنسية هي المصنفة حصرا كما يلي:
1 - جنسية قيد الدرس
2 - المكتوم
3 - فاقد الجنسية أو عديم الجنسية لأسباب السحب أو التجريد.
وهذا الاستنتاج لا يتعلق بالعدد أو الكم أو النوع والأصول وكل الصفات الواقعة تحت هذا التصنيف، وهذه المواصفات لا يمكن الوصول إليها، كما ونوعا، ولا يمكن تحديدها إلا بدراسة إحصائية تقوم بها الدولة أو جهات تكلف رسميا بهذه المهمات، ولا ينبغي لباحث أو مؤسسة بحثية أن تتعرض لهذا الجانب لعدم الصلاحية أساسا. وما يمكن للدراسات البحثية أن تعرض له هو دراسة النماذج والعينات الممثلة وكل ما هو علمي واستشاري وهو وإن كان دقيقاً لا يغني عن الإحصاء الشامل في كل موضوع حيوي ووطني، فمهما بلغت دقة العينات لا تغني تماماً كما لا يغني تذوق الطعام عن وجبة الغذاء ولا تغني معالجة بعض المرض عن معالجة الجميع.

رابعاً: التجنس بالجنسية اللبنانية
يتنازع لبنان واللبنانيين اليوم مأزق الجنسية بعد صدور المرسوم رقم 5247 عام 1994 المعروف بمرسوم التجنيس والذي حل المشاكل الأساسية العالقة من حالات "الجنسية قيد الدرس" و"المكتومين" و"أبناء القرى السبع" الذين تنازعتهم الجنسية اللبنانية وبطاقات تسجيل الأونيروا " التي تنظم أحوال لاجئي فلسطين، وكذلك مشكلة اللاجئين الأقدم من الأكراد والشركس والآشوريين والكلدان والسريان والتركمان والأعراب، كما تم تجنيس عدد من الفلسطينيين رغم الموقف الاجماعي المعلن للبنانيين والفلسطينيين وسائر العرب على رفض مبدأ التوطين.كما حل مسألة سائر المقيمين من عرب وأجانب ولا سيما السوريين والمصريين الذين تم تشريع خاص لفئة دينية منهم ومنح الاعتبار الدستوري للطائفة القبطية كطائفة من طوائف لبنان.

خامساً: حجم وأبعاد المشكلة
ظهر من الرصد الميداني الأولي ومن مقابلات المخاتير وبعض الحالات المعنية من أشخاص بدون جنسية وأهلهم، عددا من الحالات من المكتومين أو الذين كانوا مسجلين زورا وانكشفت أوراقهم المزورة، إضافة إلى حالة عائلة مجنسة عدا أحد أفرادها الذي يحمل جنسية أخرى, وقد ظهرت هذه الحالات في الوسط المديني الواسع. أما في القرى فقد ظهرت بعض الحالات لأبناء رعاة ومزارعين فقراء غير مسجلين بسبب الفقر وقلة الوعي وإهمال المختار وهامشيتهم الاجتماعية.. كذلك حالة أكثرية النوّر الذين حصل بعضهم على الجنسية اللبنانية ويتنقلون بين لبنان وسوريا والأردن، ويحمل بعضهم جنسياتها.
مما يعني أن حجم هذه المشكلة أصبح محدودا بعد مرسوم التجنيس الذي صدر عام 1994، حيث أدت الاعتراضات عليه إلى الشروع في تسجيل طلبات جديدة تحت عنوان "ملحق للمرسوم". وكان أهمها حالتان:
- الأفراد المتأخرين عن عائلاتهم.
- المتحدرون من أصل لبناني في المهاجر، الذين لم يسجلهم أهلهم في القيود اللبنانية والسفارات واستغنوا عن الجنسية اللبنانية بجنسيات أخرى. مما يضعف البحث عن "البدون" إذا اعتبروا في عدادهم!؟ وهذه الفئة هي الأكبر بين المطروحين لنيل الجنسية اللبنانية، وهذا يحتاج إلى تنظيم عملية إحصائية واسعة، ضمن اقتراحات مختلفة لإحصاء المغتربين والمتحدرين من أصول لبنانية وعربية. وإذا كانت الدولة اللبنانية ما زالت محجمة عن إجراء تعداد للسكان داخل الأرض اللبنانية، فهي أعجز وأبعد عن القيام بإحصاء للمغتربين والمتحدرين. والاقتراح الأسلم في هذا الإطار أن يتم الإحصاء من خلال التعاون بين الأمم المتحدة أوالمنظمات العربية المشتركة ولا سيما جامعة الدول العربية لإحصاء كل المغتربين العرب حسب المنشأ.


القسم الثاني
الواقع القانوني للجنسية والتجنيس في لبنان
اولا : الجنسية الاساسية
تضمنت المواد (30)الى (36) من اتفاقية لوزان والمعمول بها منذ 24/8/1923الاسس العامة لاكتساب الجنسية ، ولتحديد اصول كل شخص يجب معرفة اصوله اللبنانية ،ذلك ضمن اطار القوانين اللبنانية المرعية الاجراء. وقد نصت المادة (30) على ما يلي:
" ان الرعايا المقيمين في الاراضي المنسلخة بحسب احكام هذه المعاهدة عن تركيا يصبحون بملىء الحق وضمن اطار شروط التشريع المحلي من جنسية الدولة التي الحقت بها هذه الاراضي ".
وكذلك نصت المادة الاولى من القرار 2825 تاريخ 30/8/1924 الذي كرس العمل عمليا بمعاهدة لوزان على: " كل من كان من التابعية التركية في اراضي لبنان الكبير بتاريخ 30-8-1924 ، اثبت حكما في التابعية اللبنانية وعد من الآن وصاعدا فاقدا الجنسية التركية ".
كما نصت ايضا على ان كل من كان غير مقيم على الاراضي اللبنانية في ذلك التاريخ له الحق في المطالبة في الجنسية اللبنانية .
أ – من يكتسب الجنسية حكما :
وفقا للمادة الاولى من القرار 2825 الانف الذكر :
- ان يكون عثماني الجنسية بتاريخ 30-8-1924 .
- ان يكون مقيما في ذلك التاريخ في الاراضي اللبنانية .
وعليه ، فان توفر الشرطين من الاسس لاكتساب الجنسية اللبنانية ، الا ان السؤال يثار عما اذا كان العثماني من اصل لبناني مقيما انذاك خارج لبنان ففي هذه الحالة ، استقر اجتهاد المحاكم على حقه في الاحتفاظ بالجنسية من دون نقل اقامته الى لبنان ، جدير بالذكر ايضا ان القرار 2825 استثنى الزوجة والاولاد القاصرين من شرط الاقامة في لبنان .
كما يثار التساؤل عن المدة الزمنية للاقامة وقد استقر رأي المحاكم على ان لا تكون الاقامة عارضة بل ان تكون مستقرة ومعروفة ، رغم ان القوانين اللبنانية لم تحدد المعنى الدقيق للاقامة ، وان ما ورد في قانون العقوبات حول الاقامة ، هي الاقامة المعروفة اي مكان مزاولته لنشاطه وعمله ، وليس مسكنه الذي يأوي فيه الا من قبيل معاملاته القانونية التي يرسل بها اليه كالتبليغات مثلا ، والمقصود من ذلك ان تكون الاقامة تحديدا غير عارضة وتشكل جزءا من حياته المعتادة عمليا .
ب – الارادة والطلب في اكتساب الجنسية:
بالعودة الى نص المعاهدة والقرار يتبين انهما اتاحا الفرصة للاختيار بين البقاء على الجنسية التركية او الانتقال الى جنسية اخرى ، على ان حق الخيار هذا محصور بشرط ان يكونوا عثمانيي الاصل اي يحملون الجنسية العثمانية ، فاما ان يتخذوا الجنسية التركية او يتخذوا جنسية اي دولة منفصلة عن تركيا كلبنان وسوريا وفلسطين او غيرها، على ان تكون اصوله من اصول الدولة التي اختارها مجددا ويتبع اصول الغالبية الموجودة فيها .
الا ان النص القانوني لم يوضح او يفسر ما المقصود بالاصل او الانتماء ، وقد اعتمد لبنان معايير للتحقق من الاصول وفقا للمرسوم رقم(398) تاريخ 29-11 –1948، الذي نص عل ان الشخص الذي يريد اعتباره لبنلنبا ان يبرز جميع المستندات لذلك كالقيود في سجلات النفوس القديمة عنه او عن اصوله ، والوثائق الرسمية الصادرة عن الادارة والقضاء والاشارة علية في كتب الانساب والعائلات والاقارب قي البلاد .
على ان هذا الخيار ليس مطلقا لجهة الزمن ، فقد حددت المعاهدة سنتين للتصريح والطلب بالانتماء الى احد الجنسيات ومنها اللبنانية وذلك من تاريخ 30-8-1924 ، اذا كان الشخص خارج لبنان ولذلك حرم الكثيرين من الجنسية اللبنانية بفعل الهجرة التي كانت جارية انذاك ، وقد مددت الفترة فيما بعد في 29 – 9-1958 .
اما فيما يختص بالمقيمين في سنجق الاسكندرونة ، فقد نصت المادة الاولى من القرار 182/ل. ر على ان كل من بلغ الثمانية عشر من العمر واختار الجنسية اللبنانية او السورية وفقا لاحكام الاتفاق التركي - الفرنسي الموقع في 23-6-1939 ونقل اقامته الى لبانان او سوريا ينال حكما الجنسية اللبنانية او السورية ويسجل في سجلات النفوس وفقا لهذه الصفة .
اما بخصوص مفاعيل الخيار في حال كان صاحب العلاقة مستوفيا الشروط القانونية ، فيمنح صفة المواطن اللبناني ، وعليه يعتبر الخيار امرا اعلانيا وبالتالي يعتبر الشخص لبناني اصيل ولذا لا يخضع لشروط التجنيس لجهة المدد الزمنية ، فيتمتع بكافة الحقوق والواجبات السياسية والمدنية وتولي الوظائف العامة وممارسة المهن الحرة ، وفي حال الوفاة تخضع تركته للقوانين اللبنانية ، وينطبق الامر نفسه على الزوجة والاولاد القاصرين .
ج- معيار تحديد الجنسية:
كما اسلفنا ان تحديد الجنسية يعود اما لرابطة الدم ، واما للارض اي الموطن والاقامة وغيرها . وفي الواقع ان التدقيق في النصوص القانونية اللبنانية يبين ان المشرع اللبناني واجتهادات المحاكم قد اخذت بالامرين معا ، وان يبدو ميلا بترجيح كفة رايطة الدم على الجانب الآخر ، باعتباره الانسب لايجاد ظروف الانتماء للدولة والمجتمع.
فرابطة الدم هي حق الشخص باكتساب جنسية عائلته ، اي جنسية النسب ، وقد اتخذ المشترع اللبناني بنسب الاب اولا ، ولم يتخذ جنسية النسب لجهة الام الا في حالتين استثنائيتين فقط هما :
1 – حالة الولد غير الشرعي ، فقد نصت المادة (2) من القرار رقم 15 تاريخ 19-1-1925 على : "ان الولد غير الشرعي الذي تثبت بنوته وهو قاصر يتخذ التابعية اللبنانية اذا كان احد والديه الذي ثبتت البنوة اولا بالنظر اليه لبنانيا"
2- حالة الولد القاصر لأم اتخذت التابعية اللبنانية ، وقد نصت المادة (4) من القرار المذكور على :" ... وكذلك الاولاد القاصرون لاب اتخذ التابعية اللبنانية او لام ااتخذت هذه التابعية، وبقيت حية بعد وفاة الاب فانهم يصيرون لبنانيين ، الا اذا كانوا في السنة التي تلي بلوغهم سن الرشد يرفضون هذه التابعية ".
ويستفاد من هذا النص ان الولد القاصر المتوفي والده يمكن للام ان تسجله على جنسيتها اللبنانية وتسجيله في الدوائر الرسمية شرط تحقق هذه الاخيرة من وفاة الوالد .
اما الاولاد الراشدين الذين هم في وضع القاصرين ، فيمكن ان تعطى لهم الجنسية اللبنانية بموجب قرار اداري عند تقديمهم طلبا بذلك الى الجهات المختصة .
اذا ان العبرة في الاساس هي لرابطة الدم كما نصت المادة الاولى من القرار المذكور " يعتبر لبنانيا كل شخص مولود من اب لبناني " .
ويستفاد من النص ان العبرة هي لجنسية الوالد حين الولادة وليس لمكان الولادة لجهة ان تمّت في لبنان او خارجه ، او ما اذا كانت الام لبنانية او اجنبية او عديمة الجنسية ، اما في حالة تغيير الوالد لجنسيته قبل الولادة ، فان المولود يتخذ جنسية والده الجديدة ، وفي حال غيّر الوالد جنسيته من جنسية غير لبنانية الى لبنانية فالمولود يتخذ جنسية والده حين الولادة اي اللبنانية .
اما لجهة رابطة الارض ، فقد اخذ المشترع اللبناني الارض كرابط ثانوي ، كما نصت الفقرة (2) من القرار (15) الآنف الذكر ، يعتبر لبنانيا كل شحص مولود في اراضي لبنان الكبير ولم يثبت انه اتخذ بالبنوة حين الولادة جنسية اجنبية .
فالعبرة هي الارض التي ولد عليها اي الاراضي اللبنانية ، فاذا ولد المولود في اراض اجنبية حمل جنسيتها ولو حمل به في لبنان (اذا كان الوالد غير لبناني مثلا) . اما اذا كان الوالد لبنانيا وغيّر جنسيته اثناء الحمل بولده فان الولد يأخذ الجنسية اللبنانية ولا يأخذ جنسية والده الجديدة .
اضافة الى ذلك يعتبر من ولد على الاراضي اللبنالنية من ابوين مجهولين (اي لقيط) يعتبر لبناني وكذلك الامر من والدين مجهولي الجنسية ؛ وقد قضت المحاكم اللبنانية انه اذا اعترف الوالدين بالولد بعد بلوغه السن القانونية ، فلا يؤثر هذا الاعتراف على الجنسية التي اكتسبها ، ويظل لبنانيا اذا كان الوالدين غير لبنانيين ،ومثال ذلك القرار الصادر عن الحاكم المنفرد في بيروت بتاريخ 6-12-1954 .
اما لحهة التبني فقد اعتبر سببا لاكتساب الجنسية في لبنان ، رغم اختلاف الطوائف عليه ؛ فالاسلام لم يعترف بالتبني على سبيل المثال ذلك وفقا للآية الكريمة " ادعوهم لآباءهم هو اقسط عند الله "( سورة الاحزاب 524 ) .
وفي الواقع لا يوجد في القوانين المدنية اللبنانية نصوص لتنظيم التبني ، الا في قانون 2-4-1951 المتعلق بالمذاهب المسيحية والاسرائيلية وقد ورد فيها اتباع موضوع التبني الى المراجع المذهبية لهاتين الطائفتين .
فالولد المتبنى يعتبر بحكم الشرعي وله حقوق وواجبات من المتبنين بما في ذلك الجنسية والارث وغيرها من الامور ، وهنا يمكن التمييز بين عدة حالات :
- ليس هناك مشكلة في حال كان المتبني والمتبنى لبنانيين .
- المتبنى اجنبي والمتبني لبناني ، وفي هذه الحالة فان المعمول به في لبنان ان احكام التبني الخاصة في الخارج مدنيا تنفذ في لبنان ، بعد اعطائها الصيغة التنفيذية او عبر تنفيذها عبر دائرة الاجراء ، وعلية يمكن للبناني ان يعطي جنسيته للمتبنى الاجنبي ولو احتفظ هذا الاخير بجنسيته الاجنبية ، على اعتبار ان لبنان يسمح بحمل غير جنسيته .
- المتبني اجنبي والمتبنى لبناني ، وفي هذه الحالة لا يمكن للمتبني الاجنبي نقل جنسيته الى المتبنى القاصر تلقائيا بسبب اختلاف الجنسية ، وهنا يمكن للمتبني الطلب للسلطات اللبنانية تخلي المتبنى عن جنسيته لاكتساب جنسية المتبني في حال كانت بلاده لا تسمح بأكثر من جنسيتها .
ثانيا : الجنسية الطارئة
الجنسية الطارئة هي التي تثبت للشخص بعد الولادة بخلاف الجنسية الاصلية التي يكتسبه حين ولادته، وتظهر اما بالتجنيس واما بالزواج ، واما بتبدل سيادة الدولة .
أ‌- التجنيس
وهي الطريقة التي يرغب فيها كل شخص ان يتخذ جنسية دولة ما لم يكن له أي صلة قانونية اوسياسية بها من قبل .
وقد نصت المادة (3) من القرار رقم 15 المكملة بالقرار ا60 تاريخ 16-7-1934 على ما يلي :"يجوز ان يتخذ التابعية اللبنانية بموجب قرار من رئيس الدولة بعد التحقيق وبناء على قرار يقدمه
- الاجنبي الذي يثبت اقامته سحابة خمس سنوات غير منقطعة في لبنان .
- الاجنبي الذي يقترن بلبنانية ويثبت انه اقام مدة سنة واحدة دون انقطاع في لبنان منذ اقترانه .
- الاجنبي الذي يقدم للبنان خدمات ذات شأن ، ويجب قبوله ان يكون بقرار مفصل الاسباب ، ويمكن اعتبار خدمات مهمة الخدمة في الجيوش الخاصة اذا بلغت او تجاوزت السنتين ".
ويقوم التجنيس على قاعدة تقديم الطلب للسلطة المختصة وهي وزارة الداخلية في لبنان ، وبذلك فالتجنيس لا يفرض بل يلتمس وللدولة الحق في استنساب من تمنحه الجنسية او تمنعها عنه وفقا للشروط التي تراها مناسبة لاوضاعها ولظروفها ، ولذلك نرى العديد من الدول التي تضع شروطا مرنة للتجنيس واخرى تكون جامدة وصعبة التحقيق وذلك وفقا لحالة كل دولة ، ومن الممكن تقسيم تلك الشروط الى فئتين شاملة وخاصة .
1- الشروط الشاملة
الشروط الشاملة هي التي تطبق عمليبا في كافة الدول على الاجنبي الذي يريد التجنس بجنسية دولة اخرى ومن هذه الشروط :
- شرط الاقامة او الاختبار ، وهي الفترة التي تراها الدولة مناسبة لانصهاره في المجتمع واعتباره مواطنا له كامل الحقوق والواجبات ، الا انه من الناحية العملية ليس للمدة شأن في هذا التبرير او الاستناد اليه على اعتبار انه من الممكن ان لا ينسجم الشخص مع محيطه والمجتمع الذي ينوي التجنس فيه خلال الفترة الموضوعة قانونا ، ومن الممكن ان يتحقق الانسجام الكامل قبيل تلك الفترة .
اشارت المادة الثالثة من القرار 15 المكملة بالقرار 160 المذكورين سابقا اشترطت على الاجنبي ان يثبت اقامته سحابة خمس سنوات غير منقطعة في الاراضي اللبنانية ، وتعتبر الاقامة غير المنقطعة هي مكان اعمال الاجنبي ومصالحة ( بدوي ابو ديب ، الجنسية اللبنانية ، ص 187) ويشترط بأن تكون الاقامة سابقة لتاريخ تقديم الطلب ، فاذا دخل خلسة الى لبنان لا تعد هذه الفترة ضمن الفترة المطلوبة، واذا غاب عن لبنان فان المدة تحتسب من تاريخ عودته الاخيرة الى لبنان ، وبهذا فان الغياب يقطع المدة ما لم يكن الغياب عن لبنان مبررا واضطراريا ، فعلى سبيل المثال ان خدمة العلم او الانتخاب في بلد طالب التجنيس الاصلية توقف مدة سريان الوقت ولا تقطعه ( فؤاد عبد المنعم رياض ، مبادىئ القانون الدولي الخاص ، ص104)
ومن الملفت ان المشترع اللبناني لم يذكر اذا ما كان يحق لطالب التجنيس مغادرة لبنان بعد تقديم الطلب ، الا انه من المنطقي ان يعلم صاحب الطلب السلطة المختصة بمغادرته الاراضي اللبنانية وان يحدد اسباب ذلك .
واذا كانت هذه من المدد الطويلة ، فانة القرار اعطى فترة سنة للمقترن بلبنانية ويريد التجنس بالجنسية اللبنانية ، كما اعفى الاجنبي في حالات معينة كتلك المشار اليها في المادة الثالثة كالخدمة في المستشفيات ومراكز التعليم العالي التي لا تبغي الربح... وكذلك يعفى من شرط المدة الزمنية الواردون في المادة الرابعة من القرار المذكور "..ان المقترنة بأجنبي اتخذ التابعية اللبنانية والراشدين من اولاد الاجنبي المتخذ التابعية المذكورة ، يمكنهم اذا طلبوا ان يحصلوا على التبعية اللبنانية من دون شرط الاقامة ، سواء كان ذلك بالقرار الذي يمنح هذه التابعية للزوج او الاب او الام او بقرار خاص" .
2- الشروط الخاصة
في الواقع هناك العديد من الدول التي تفرض شروطا خاصة على المتجنس لاكتسابه تابعيتها كمثل اتقان اللغة ومعرفة قوانينها ، او وجوب التخلي عن جنسيته الاصلية او سلامة العقل والجسم وغيرها .
- اللغة : لم يذكر المشترع اللبناني اي نص على وجوب اتقان اللغة العربية لطالب الجنسية اللبنانية وهذا عيب من عيوب القانون يجب سده باعتبار اللغة هي الوسيلة الاولى لاندماج المتجنس بمحيطه .
- سلامة العقل والجسم والاخلاق والسيرة الحسنة : وكذلك الامر لم يعطي المشترع اهمية لتلك الامور فصاحب العاهة سيكون عبئا على المجتمع وكذلك عدم توفر السيرة الحسنة سيشكل خطرا على الانتظام العام ، ولذلك يجب تفادي هذا النقص في المستقبل .
- التنازل عن الجنسية الاصلية : لا يوجد نص في التشريعات اللبنانية على ذلك ، انما المادة الاولى من قانون 31-12-1946 قضت بانه يفقد الجنسية اللبنانية كل لبناني يكتسب جنسية اجنبية بعد الاستحصال على مرسوم من رئيس الدولة ، اما الان فيؤخذ بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء اللبناني بناء على طلب صاحب العلاقة.
- شرط السن : لم يذكر شرطا للسن ، الا ان التعبير عن الارادة يشترط بلوغ السن القانونية اي الثامنة عشرة وفقا لقانون العقوبات اللبناني الذي يمنح الحقوق والواجبات لكل من اتمّ الثامنة عشرة من العمر .
ج- اصول التجنيس :
لا ينص القرار رقم 15 على آلية معينة للحصول على الجنسية ، انما اتبع ما اخذ عن التشريعات الفرنسية بخصوص ذلك وتتم على ثلاث مراحل .
- يقدم صاحب العلاقة الطلب الى مديرية الاحوال الشخصية في وزارة الداخلية موقعا منه شخصيا ، واذا كان متزوجا وله اولاد راشدين يوقعون معه على الطلب اذا رغبوا باكتساب الجنسية ، اما القاصرون فتذكر اسماءهم واعمارهم ويرفق الطلب بايصال الرسوم المدفعوعة الى الخزينة .
- تتحقق قوى الامن الداخلي في المحافظة التي يقيم فيها من اوضاعه كمدة الاقامة ومداخيله وعمله وسلوكه وعما اذا كان محكوما عليه بجرم اما لا او غيره من الامور .
- اذا تأكد من توفر جميع الشروط ترفع وزارة الداخلية تقريرا الى رئاسة الجمهورية ، واذا تمت الموافقة تعد وزارة الداخلية مرسوما لذلك .
ثالثا : الزواج كسبب لاكتساب الجنسية
ان الزواج المختلط الذي يعقد بين مختلفي الجنسية يؤثر عمليا على جنسية الزوجة التي تتزوج من لبناني على سبيل المثال .فلبنان اتخذ وحدة الجنسية في بادىء الامر ثم اتخذ لاحقا مبدأ استقلال الجنسية ويعود ذلك لعدة اسباب من بينها :
- تماشي لبنان مع التشريعات الاوروبية الداعية الى استقلال الجنسية بعد الزواج مختلط الجنسية .
- تفادي حصول زيجات وهمية بهدف اكتساب الجنسية اللبنانية وهذا ما حصل مؤخرا على نطاق واسع .
وقد حددت المادة (5) من القرار رقم 15 مدة سنة لاكتساب المرأة الاجنبية او التي لا جنسية لها او التي تحمل جنسية قيد الدرس ، التابعية اللبنانية بعد سنة من تسجيل زواجها من اللبناني في دوائر النفوس وان تعلن رغبتها في الحصول على التابعية اللبنانية .
رابعا : سحب التجنيس وشروطه
قد تمنح الجنسية ويكتشف فيما بعد حالات يقتضى بموجبها العمل على الغائها ، فما هي الاسباب ؟ وما هي الآثار المترتبة على سحبها؟.
أ-عدم توفر الشروط الجوهرية :
في هذه الحالة يفترض ان يكون المرسوم قد صدر خطأ ، اي لا دخل للمتجنس به اذا لم يكن هناك تزويرا في الاوراق الثبوتية ، ففي هذه الحالة لا يؤثر على مجرى الموضوع .
ب - وجود خداع او تزوير او احتيال
ويمكن تلخيص اسباب سحب الجنسية بالتالي :
- استعمال وسائل احتيالية من جانب الاجنبي، كما لو صرح الاجنبي عن معلومات كاذبة .
- اكتشاف الفعل الاحتيالي بعد صدور مرسوم التجنيس ، طالما ان المشترع لم يحدد فترة معيبنة لسحب قرار التجنيس ، فانه لا يجوز تنفيذ قرار السحب كلما اكتشفت حالة احتيالية مهما كانت المدة المنقضية .
ويجب ان يتم السحب بنفس الصيغة التي منحت بها الجنسية وان تصدر في الجريدة الرسمية ، واذا ما تبين لصاحب العلاقة اجحاف بحقه فله ان يطعن بالمرسوم امام مجلس شورى الدولة في الفترة القانونية ، ولصاحب العلاقة ان يعيد طلبه في التجنيس مجددا ، الا ان للدولة سلطة استنسابية في تقدير المسألة .
ج- المسائل المتعلقة بأمن الدولة
تسحب الجنسية وفقا لحالات معينة وهي
- اذا حكم الشخص بجرائم تتعلق بأمن الدولة الداخلي كالجنايات على الدستور او اغتصاب السلطة سياسية كانت ام عسكرية ، او اثارة النعرات الطائفية او الّحث على الاقتتال الداخلي ، او الجرائم الواقعة على امن الدولة الخارجي كالعلاقات مع العدو والتجسس وافشاء المعلومات للاعداء ، وجرائم زراعة المخدرات والاتجار بها والارهاب كخطف الطائرات والسفن ....
- اذا انتسب المتجنس الى جمعية محظورة .
- اذا انتسب الى جمعية قامت بالاعتداء على امن الدولة كانقلاب عسكري او تمرد او غيره ....
ان هذه الاحكام تتناول المتجنس فقط ولا تتناول الزوجة والاولاد القاصرين .
د – حالة الغياب :
نصت المادة الثالثة من قانون 31-12-1946 على انه يفقد الجنسية اللبنانية المتجنس الذي غاب عن لبنان فترة خمس سنوات متواصلة ، الا ان قانون 1962 يشمل ذات الامور على المتجنس ولا يسحبه على من اكتسبها بالولادة او لعلة مجهولية الوالدين وتابعيتهما، كما لا يشمل المرأة التي اكتسبت التابعية اللبنانية بالزواج .
ان قرار سحب التجنيس له مفعول رجعي اي انه يلغي جميع المفاعيل السابقة ، اي ان الجنسية وكأنها لم تكن ، والسؤال الذي يطرح في هذا الاطار هل ان السحب يشمل العائلة ام لا ؟
في الواقع ان سحب الجنسية هي بمثابة العقوبة التي تفرض على المتجنس ، ومن المعروف ان العقوبة هي شخصية وتنفذ على صاحب العلاقة ،ـ وقرار سحب التجنيس عملا استثنائيا لا يجوز التوسع في تفسيره او القياس عليه وفقا للمباىء القانونية المعمول بها في مختلف الانظمة القانونية ؛ وعليه نعتقد انه لا يجوز ان يشمل هذا الاجراء عائلة المتجنس ، والمشرع اللبناني اتخذ هذه النية كما الامر عند معالجته للغياب عن لبنان .
رابعا : آثار التجنيس
ان للتجنيس مفاعيل شخصية على المتجنس وجماعية وتشمل عائلته .
أ - ان الاثر الرئيس هو اكتساب التابعية اللبنانية وبالتالي التمتع بالحقوق والواجبات الممنوحة للبنانيين ، الا ان القانون وضعه بمثابة فترة اختبار لمدة عشر سنوات كقيود على ممارسة بعض الاعمال كالمحاماة التي تتطلب ان يكون لبنانيا منذ اكثر من عشر سنوات ، او ان يمارس مهنة الطب على ان يكون لبنانيا منذ اكثر من خمس سنوات .
وفيما يختص بالجوانب السياسية كحق الانتخاب والترشيح للنيابة على سبيل المثال ، فالمتجنس لا يجوز له الترشح الى عضوية المجلس النيابي الا بعد مضي عشر سنوات على تجنسه ، الا انه يحق له الانتخاب .
كما لا يحق له تولي الوظائف العامة الا بعد مضي عشر سنوات ، الا ان للوزير ان يتعاقد مع المتجنس بهدف القيام بعمل معين ولفترة محدودة ،ذلك بموجب المادة 87 من قانون الموظفين التي تجيز للوزير التعاقد مع الاجنبي .
ب-الآثار الجماعية:
لقد ساوت المادة الرابعة من القرار 15 بين الزوجة والاولاد الراشدين في حق الدخول في الجنسية اللبنانية مع الاب ، او في وقت لاحق عبر طلب منفصل على ان يذكر ذلك في الطلب المقدم من الزوج .
اما بخصوص الاولاد القصر فهم يدخلون مع الاب في الجنسية ، الا ان القانون لم يذكر اذا ما كان الاولاد مقيمون مع والدهم ام لا ، فمن الممكن ان يكون الاب والام منفصلين والاولاد يعيشون مع الام خارج لبنان ، وفي هذه الحالة ما هي مغزى تجنيس الاولاد في حال عدم وجود رابط بينهم وبين لبنان .
كما نصت نفس المادة على ان في حال وفاة الاب وظلت الزوجة على قيد الحياة فالاولاد القاصرين لهم الحق في الجنسية حثى بلوغهم الثامنة عشر ،عندها لهم الحق في البقاء على الجنسية اللبنانية او التخلي عنها .
خامسا : فقدان الجنسية
من المسلمات المبادىء في موضوع الجنسية ، انه لا يجوز ان تنزع من الشخص جنسيته بدون رضاه انما يجوز للدولة سحب جنسيتها من المواطن في حال تبين انه ليس اهلا لها؛ كما لا يجوز ان يحرم الشخص من تغيير جنسيته باعتبار ان زمن الرعوية الابدية قد ولى .
لقد لحظ المشرع اللبناني الحالات التي يفقد اللبناني جنسيته ، وقد خص المتجنس بحالات اخرى اضافية ، باعتبار ان الجنسية من المكونات الشخصية للفرد ولا يجوز نزعها الا بموجب القانون . ومن الممكن تمييز حالتين في فقد الجنسية وفقا للقوانين اللبنانية :
أ -الفقدان الارادي للجنسية
ويتحقق الفقدان الارادي للجنسية اللبنانية بأمرين اثنين ، اما باكتساب جنسية اجنبية بعد ترخيص مسبق ، واما بزواج اللبنانية من اجنبي والاعلان عن نيتها بالتنازل عن التابعية اللبنانية .
1- الفقدان الناجم عن اكتساب جنسية اجنبية بموجب تصريح مسبق :
نصت المادة الاولى من قانون 31-12- 1946 على انه يفقد الصفة اللبنانية من اكتسب جنسية اجنبية بعد التصريح المسبق من رئيس الدولة ، وقد اعتبر الفقه والاجتهاد في لبنان ان اللبناني الذي استحصل على جنسية اجنبية من دون موافقة مسبقة يبقى لبنانيا بنظر القانون اللبناني .(محكمة التمييز، قرار رقم 86، تاريخ 23-11-1957 )
اما الاستثناء الوحيد لذلك المبدأ ، اي الترخيص المسبق ، هو اتفاق غورو – كنابنشو الموقع في العام 1921 ، والذي جاء تكريسا للمعاهدة الثنائية بين تركيا وامريكا الموقعة في 11- 8- 1874 الذي اجاز للمواطنين العثمانيين الحصول على الجنسية الامريكية من دون اذن مسبق ، وطالما انه لم يلغ في لبنان فانه لا يزال ساري المفعول ، وعليه فان حصول اللبناني على الجنسية الامريكية لا يستدعي تقديم طلب مسبق بذلك .
اما لجهة الاهلية ، فمن الطبيعي انه ان لم يكن عاقلا وراشدا لا يجوز له طلب التنازل عن التابعية اللبنانية ، ولذلك لا يجوز للقاصرين طلب ذلك .
وفي مطلق الاحوال ان التنازل عن الجنسية اللبنانية يجب ان تكون صريحة ومسبقة ، اي قبل الاستحصال على جنسية اجنبية اذا ما طلبت الدولة المانحة ذلك.
2- آثار الفقدان الطوعي للجنسية
ان الفقدان الطوعي للجنسية اللبنانية ينهي كل الحقوق والواجبات للشخص ، وعليه يعتبر اجنبيا ويطبق عليه احكام قانون 10-7-1962 ، ويعتبر اثر الفقدان ساري المفعول من تاريخ تبليغه المرسوم الذي يجيز له التنازل عن الجنسية اللبنانية ، اما بالنسبة للغير فيكون من تاريخ صدور المرسوم في الجريدة الرسمية ، وقد استقر الاجتهاد اللبناني على ان لا يشمل الفقدان الطوعي للجنسية الاولاد القاصرين والزوجة ، الا في حال تضمن المرسوم اسماءهم بناء على رغبة الوالد ، لذا لا يجوز بعدها للقاصرين او الزوجة الطلب بقيدهم كونهم لبنانيين .( محكمة استئناف بيروت ، قرار رقم 1835، تاريخ 28-11-1958. وكذلك قرار رقم 401 الصادر عن محكمة استئناف الشمال تاريخ 24-12-1971 )

3- الفقدان الناجم عن زواج اللبنانية بأجنبي
نص قانون 13-1-1960 المتعلق بالجنسية اللبنانية على :" ان المرأة اللبنانية التي تقترن بأجنبي تبقى لبنانية الى ان تطلب شطب قيدها من سجلات الاحصاء ولاكتسابها جنسية زوجها ".
ولتطبيق ذلك حرص المشرع اللبناني عل تبيان شروط معينة لذلك منها ، ان يكون الزواج صحيحا ومكتمل الشروط القانونية بالنسبة للقوانين اللبنانية وقوانين دولة الزوج ، وكذلك ان يكون للزوج جنسية اي لا يعتبر عديم الجنسية والا اعتبر التنازل عن الجنسية باطلا ، واذا كان الزواج غير صحيح اعتبر وكأن المرأة لم تفقد جنسيتها .
وفي مطلق الاحوال ، تبقى اللبنانية المقترنة بأجنبي لبنانية ما لم تطلب شطبها من سجل الاحصاء اللبناني ، وتصبح بمثابة الاجنبية من تاريخ شطبها لا من تاريخ زواجها .
والسؤال الذي يطرح نفسه ، اذا توفي الاب وترك اولادا قاصرين ، فهل يأخذ الاولاد جنسية والدهم ام يتبعون جنسية والدتهم الاصلية اي التابعية اللبنانية ؟.
من المنطق القول ان الاولاد لا يعتبرون لبنانيون وان كانت والدتهم على قيد الحياة بعد وفاة زوجها ، على اعتبار ان الجنسية مبنية على رابط الدم لا رابطة الرحم .
وفي الواقع اتخذت المحاكم في لبنان بخصوص هذه المسألة قرارات متباينة منها من حكم بأن القاصر يتبع احوال والده ( محكمة استئناف بيروت ، قرار رقم 1114 ، تاريخ 10-11-1971) . ومنها من اعتبر ان الاولاد القاصرين لام لبنانية فقدت زوجها واستعادت جنسيتها يصبحون لبنانيون الى السنة التي تلي بلوغهم السن القانونية والتي فيها يمكن ان يبلغوا رغبتهم بالتنازل عن الجنسية اللبنانية او البقاء عليها .( محكمة التمييز ، قرار رقم 57، تاريخ 8-6-1970)
الا ان الملفت ما ذهبت اليه محكمة التمييز المدنية التي ميّزت بين الام اللبنانية الاصل والام اللبنانية بالتجنيس ، واعتبرت انه لا يجوز مساواة الاثنتين ، واعتبرت ان الام اللبنانية الاصل لها الحق باعطاء الجنسية لاولادها القاصرين بعد وفغاة زوجها بخلاف الحالة الثانية . ( محكمة التمييز المدنية ، قرار رقم 41 ، تاريخ 28-11-1983)
ب – الفقدان الجبري
نص قانون 31-12-1946 على حالتين لاسقاط الجنسية اللبنانية عن حاملها ، وهنا تعتبر اسقاطا كونها عقوبة تطبق على من يخالف الامرين التاليين :
- اللبناني المقيم في لبنان الذي يقبل في لبنان وظيفة تقلده اياها دولة اجنبية ، او دائرة تابعة لحكومة اجنبية ، من دون ان يستحصل على ترخيص مسبق من الحكومة اللبنانية .
- اللبناني المقيم خارج لبنان الذي يقبل وظيفة تقلده اياها حكومة اجنبية اذا احتفظ بها على الرغم من صدور امر اليه بالتخلي عن هذه الوظيفة ضمن مهلة معينة .
ان فقدان الجنسية مرهون بالاخلال بهذين الشرطين ، والوظيفة المقصودة هنا الوظيفة العامة فقط باعتبارها مقياسا عمليا للولاء الذي يمكن ان يتبناه الشخص ان كان في لبنان ام خارجه ، وفيما يختص بالترخيص فهو اقرار من صاحب العلاقة بولائه للبنان ، ويستفاد بأن استجابة الطلب هو اقرار من جانب الدولة بعدم تعارض تقلد الوظيفة مع المصلحة ،وعلى السلطة اللبنانية ان تعطي جوابها خلال مدة شهرين والا اعتبرت عدم الاجابة بمثابة القبول ، ورغم ذلك للسلطة ان تسحب موافقتها اذا اعطت ساعة تشاء ، وان تعلن عن رفضها الصريح ساعة تشاء في حال السكوت وعدم الاجابة على الطلب .
ان الانذار الذي توجهه الدولة لصاحب العلاقة بهدف التخلي عن الوظيفة المناطة به من قبل الحكومة الاجنبية تضعه امام امرين ، فاما الاستجابة لطلب الحكومة اللبنانية واما الرفض ، اما لجهة الفترة الزمنية فتركت للسلطة امر تحديدها ، وان لم يبين االقانون الحق لصاحب العلاقة بابداء ملاحظاته على الانذار الموجه اليه ، الا انه بالامكان وضع ملاحظاته على الموضوع خلال الفترة المحددة في الانذار .
ان مرسوم فقدان الجنسية قابل للطعن لعلة تجاوز حد السلطة ، ويمكن الغاء المرسوم في حال اثبت الشخص انه كان يستحيل عليه ان يتخلى عن وظيفته في الخارج ضمن الفترة التي حددت له .
ان صاحب العلاقة يصبح اجنبيا في نظر القانون اللبناني منذ تبليغه المرسوم ، وفيما يتعلق بالغير من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية .، اما لجهة الاثر فانه لا يمتد الى زوجته ولا الى اولاده القاصرين ، باعتبارها عقوبة تنفذعلى صاحب العلاقة فقط .
سادسا : استرداد الجنسية
من المبادىء القانونية المسلم بها والتي تتعلق بالجنسية، ان لكل شخص فقد جنسيته الاصليه ان يستردها بموجب القوانين المرعية الاجراء في الدولة المعنية ، ولاسترداد الجنسية شروطا شكلية وجوهرية يجب ان تتوفر لاستردادها ، وفي لبنان لم تنص القوانين الا على حالة المرأة اللبنانية التي فقدت جنسيتها بالزواج من اجنبي .
أ – شروط استرداد الجنسية :
ان استرداد الجنسية يتطلب تحقق حالتين وهما ، الاولى حيازة الجنسية اللبنانية والتصريح عنها ، والثانية المرأة اللبنانية غير المشمولة باحصاء 1932.
بداية ، ان اللبناني الذي اكتسب جنسية اجنبية على انها اصلية او طارئة دون تصريح مسبق لا حاجة له لاسترداد الجنسية اللبنانية لانه لم يفقدها ، ويعتبر بنظر القانون لبناني ، اما الذي سحبت جنسيته كعقوبة منفذة عليه ، فهو كسائر الاجانب عليه اذا اراد ان يقدم طلبا بالتجنيس لا بالاسترداد.
وقد نصت المادة (7) من القرار رقم 15 المعدلة بالقانون 11-12-1960 على ان المرأة التي فقدت جنسيتها بسبب الزواج من اجنبي ان تسترد جنسيتها بعد انحلال الزواج بناء على رغبتها، وعليه يستخلص ان للمرأة اللبنانية ان تسترد جنسيتها بدون مرسوم ، وبموجب قانون 1960 اصبح حقا مكتسبا لها بعدما كان قبل ذلك مجرد امكانية يعود للسلطة استنسابيا منحها او رفضها ، كما يجوز للبنانية استعادة جنسيتها ولو كانت اقامتها خارج لبنان حيث لا ينص القانون على وجوب اقامتها في لبنان .
اما لجهة اللبنانية غير المسجلة في احصاء 1932 ، كحالة زواجها من اجنبي قبل هذا التاريخ ، فقد اجاز المشترع اللبناني لهذه الحالات ان تسترد الجنسية عبر حكم قضائي بعد اثبات لبنانيتها .
ب – مفاعيل استرداد الجنسية
ان آثار الاسترداد ليست محددة كآثار التجنيس ، فيعتبر لبنانيا له كامل الحقوق والواجبات كأي لبناني اصيل ؛ وفيما يختص بالاولاد الراشدين فلا يشملهم الاثر ويبقون اجانب بنظر القانون وعليهم تقديم طلبات ان ارادوا كونهم طالبو تجنيس ، اما القاصرين فيشملهم الاسترداد الى السنة التي تلي بلوغهم السن القانونية اذا رغبوا بالتنازل عن التابعية اللبنانية .
ج – اكتساب الجنسية عن طريق الاعتبار :
نصت المادة الثانية من قانون 31-1-1946 على ان :" كل شخص من اصل لبناني مقيم خارج لبنان ولم يختر الجنسية اللبنانية ، يمكنه اذا عاد نهائيا الى لبنان ، ان يطلب اعتباره لبنانيا ، فيصدر بذلك مرسوم من مجلس الوزراء بذلك ".
ان القانون المذكور لم يشر الى طرق الاثبات الواجب اعتمادها ، الا ان العودة الى المرسوم 398 تاريخ 26 –11-1949 اشار الى ان صاحب العلاقة يمكن الرجوع في الاثبات الى كتب الانساب والافادات الادارية والقضائية والعقارية في لبنان التي تثبت نسبه وصلته .
اما لجهة العودة الى لبنان نهائيا ، فلم يذكر المشرع اذا كانت العودة نهائية ولا يجوز للمغترب مثلا السفر خارج لبنان ، في الواقع ان تقييد العودة بنص مكتوب يعتبر حجزا للحرية الشخصية المصانة اصلا في الدستور ، وعليه لا نص على ذلك .

سابعا : تجربة التجنيس في لبنان وفقا للمرسوم 5247
يعتبر هذا المرسوم الاكثر غرابة واثارة في مجموعة القوانين اللبنانية المتصلة بالتجنس والتجنيس في لبنان، فعدا عن التوقيت الذي صدر فيه ، والاعتراضات عليه من فئات كثيرة، فلم يحدد عدد المجنسين فيه اذ ظل في دائرة التخمينات والتوقعات حيث تضاربت الارقام واختلف عددها وفقا لمصلحة الباحث عنها؛ ففيما قدر وزير الداخلية ، ميشال المر ، العدد بمئة وستين الفا بينهم مئة وعشرة آلاف مسلم ، والباقي اي خمسون الف مسيحي ، قدر المعترضون على المرسوم اعداد المجنسين بين 240 الف و400 الف مجنس ، غالبيتهم من المسلمين ، ونظرا لكثرة الاعتراضات عليه اعد وزير الداخلية ، مشروع مرسوم يكون بمثابة تصحيح للمرسوم الاول لجهة التوازن الطائفي بين المجنسين ، فقد تضمن المشروع اقتراحا لتجنيس 80 الف مسيحي و5000 مسلم ؛ الا ان المشروع لم يكتمل في الوقت الذي زادت المعارضة ضده الى حد الوصول للطعن به امام مجلس شورى الدولة الذي لم يبت به الى الآن.
وفي الواقع اتى مشروع التجنيس في وقت كانت فيه الساحة اللبنانية في اشد تجاذباتها السياسية نظرا للمقاطعة المسيحية لانتخابات 1992 النيابية على قاعدة الاعتراض على قانون الانتخاب وغيره من الامور ، اضافة الى الخلاف الحاصل اصلا على عدد الذين يحق لهم في التجنس ، معطوفة على المتواجدين في لبنان من الفلسطينيين وما تمّ ربط قضيتهم بالتوطين ، كل تلك الامور وغيرها جعلت من المرسوم مادة خلافية بدل ان يكون مدخلا لحل مشكلة مزمنة وموضعا لتجاذبات كبيرة في تاريخ لبنان قديما وحديثا .

ثامنا : مقترحات لاعادة النظر ببعض الثغرات القانونية
في الواقع هناك العديد من الثغرات في القوانين التي تستند اليها الجنسية اللبنانية نقترح اعادة النظر بها لما لها من آثار سلبية على المراكز القانونية المتعلقة بالمتجنس نفسه او عائلته على السواء وأبرزها :
- استنادا الى القانون 11-1-1960 ، فان المرأة غير اللبنانية التي تقترن بلبناني تكتسب الجنسية اللبنانية بعد مضي سنة على تسجيل عقد الزواج ، ونرى وجوب اختصار المدة في حال وفاة زوجها قبل السنة .
- استنادا الى الفقرة الاولى من المادة السابعة من القرار رقم 15 المعدل بالمادتين (4) و (9) من قانون 11-1-1960 ، يجوز للمرأة اللبنانية المقترنة من اجنبي استرداد جنسيتها بعد انحلال زواجها بناء على طلبها ، ونقترح شمول اولادها القاصرين .
- استنادا الى الفقرة الاولى من المادة الثامنة من القرار 15 والمعدلة بالقانون21-12-1946، انه يفقد اللبناني جنسيته بعد حصوله على الترخيص له باكتساب جنسية اجنبية ، فالمبدأ العام ان فقدان الجنسية يتم عند الحصول الفعلي على الجنسيةالاجنبية وليس من تاريخ الموافقة على الحصول عليها، وفي النص المذكور تفتقد الجنسية من تاريخ الترخيص بالحصول على الجنسية الاجنبية ، وهنا نقترح ايضا تعديل النص لجهة وجوب الدخول الفعلي في الجنسية الاجنبية وكذلك عدم شمول الزوجة والاولاد القاصرين بفقدان الجنسية اللبنانية في حال بقائهم على الاراضي اللبنانية .
- وفي الاطار السابق نقترح ايضا ان اللبناني الذي فقد جنسيته اللبنانية بتجنسه بجنسية اجنبية ان يسترد التابعية اللبنانية في حال فقد جنسيته الاجنبية .
- ان المادة الثانية من قانون 31-12-1946 تقضي بمنج الجنسية اللبنانية لكل شخص من اصل لبناني عاد الى لبنان نهائيا وطلب الجنسية اللبنانية ، وهنا لم يوضح المشترع ما المقصود من اصل لبناني ، وعلى الرغم من وضوح نية المشترع لجهة الاثبات فاننا نقترح تحديد الحالات والكيفية التي يمكن ان يستفاد منها ، وكذلك توضيح ما هية الاقامة الدائمة .
- كما نقترح تحديد الشروط الواجب توفرها لاكتساب الجنسية اللبنانية كشرط اتقان االغة العربية وصحة الجسم والعقل والسير والسلوك الحسن ....
- كما نقترح تحديد الآلية - الاجراءات التي يجب اتباعها لتنفيذ مرسوم التجنيس ، باعتبار ان الامر يتم وفقا لما يعمل به في فرنسا .
تاسعا : الخلفيات السياسية والديموغرافية للتجنيس في لبنان
يعتبر الواقع الاجتماعي – السياسي في لبنان من اندر الصور التي يمكن ان تلاحظ ، ففيه تختلط الاحزاب بالعشائر ، والطوائف والمذاهب بالطبقات الاجتماعية المختلفة المتصلة باليسر او العسر ، وفيه ايضا القانون استثناء والاستثناء مع الوقت قاعدة يصعب الخروج عنها ، وفيه ايضا يختلط الشأن العام بالشان الخاص حيث يصعب التمميز بين الاثنين ، وفيه ايضا استئثار الزعامات الدينية والزمنية للطائفة بكل ما يتعلق بمصير الفرد والجماعة داخل الطائفة وان امكن خارجها ، وانعكاسا لذلك تتقدم مصلحة الطائفة على الوطن وبالتالي الانتماء الطائفي على الانتماء الوطني مما يقلل في احيان كثيرة امر المواطنية أي الجنسية على حساب غيرها من الامور ، الامر الذي يطرح العديد من التساؤلات حول الاسس التي يجب ان تتبع في قضايا الجنسية والتجنس وما يتفرع عنهما .
ففي الشأن السياسي يتصل التجنيس في لبنان بخلفيات متعددة ومتنوعة تبدأ على قاعدة الخلفية السياسية والقومية للجماعات المنوي تجنيسها او على الاقل الراغبة بها ، وتنتهي بأي من الطوائف او المذاهب التي ستستفيد من زيادة اعدادها وأحجامها ، مرورا بأي من الزعامات السياسية - الطائفية التي يمكن ان تستفيد انتخابيا من المتجنسين .
اضافة الى ذلك ، فان الاثرالاجتماعي للتجنيس يكون مهمشا في كثير من الاحيان ولا يعتد به ان لجهة ما يمكن ان توفره الجماعات المجنسة من عوامل اقتصادية – اجتماعية في تطوير امكانات المجتمع اللبناني وطاقاته؛ الا ان الملفت في هذا الاطار النظرة الى الجماعات المتجنسة لجهة أثرها على التوزيع الديموغرافي للسكان او بمعنى ادق اثرها على التوزيع الديموغرافي للطوائف في لبنان .
باختصارتعتمد غالبية الدول المتقدمة والسائرة نحوه أصول محددة لاكتساب الجنسية وفقا لمصالح عليا تود الوصول اليها ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر زيادة عدد السكان في بعض المقاطعات ، واجتذاب دم جديد الى المجتمع بطاقات شابة وفاعلة علمية وعملية ، اضافة الى اعادة التركيب الديموغرافي للسكان وتوزيعه العمري ، الا ان في لبنان نفتقد الى كل تلك الامور وتبقى محصورة بقضايا مصلحية آنية مبتورة ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بقضايا الجنسية في حياة الامم والشعوب والدول .
اننا بحاجة اليوم اكثر من أي وقت مضى الى قانون للجنسية يماشي التغيرات الحاصلة بمختلف الميادين المحيطة بالمجتمع اللبناني ومستلزماته ، كما اننا في مرحلة هي الاخطر في تاريخ لبنان السياسي الحديث مما يستلزم قانونا عصريا يحمي اسس الكيان في مهب رياح السلم الموعود وطبول الحرب التي ستصم آذان الكثيرين في المنطقة بهدف توزيع ديموغرافي جديد للسكان في المنطقة يخاف الكثيرون ان يكون على حساب لبنان ومجتمعه الهش والطري العود .



































ابرز المصادر والمراجع المستعملة والواردة في التقرير
- بدوي ابو ديب، الجنسية اللبنانية، بيروت 1974، دار الكتاب اللبناني.
- ادمون رباط ، الوسيط في القانون الدستوري اللبناني ، بيروت 1970 ، دار العلم للملايين .
- حسن علوية ، الجنسية اللبنانية وطرق استعادتها ، بيروت 1984.
- جوزف كرم ، الجنسية اللبنانية بين القانون والواقع ، مطبعة جوزف الحاج ، بيروت 1993 .
- سامي عبدالله ، الجنسية اللبنانية ، بيروت 1986 .
- معاهدة لوزان ( المواد 30 الى 36 ) تاريخ 24- 8-1923 .
- قرار رقم 15 تاريخ 19-1-1925 .
- قراررقم 2825 تاريخ 30- 8- 1924 .
- قانون تعديل واضافة مواد على القرا رقم 15، تاريخ 11-1-1960 .
- اتفاق غورو – كنابتشو حول التجنيس الامريكي الممنوح لرعايا الدول المشمولة بالانتداب .
- مرسوم رقم 398 حول استعادة الجنسية اللبنانية ، تاريخ 26-11-1949 .
- مرسوم رقم 10828 حول سحب الجنسية اللبنانية ، تاريخ 9- 11-1962 .