19‏/02‏/2008

تفجيرات 11 أيلولوإثرها في النظام العالمي

تفجيرات 11 أيلول
وإثرها في النظام العالمي

د.خليل حسين
أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب اللبناني

بصرف النظر عن من خطط وتابع ونفذ تفجيرات واشنطن ونيويورك ، فان جملة تساؤلات تطرح نفسها قبل الاجابة على الكثير من العلامات الفارقة التي ظهرت في النظام العالمي الآحادي الذي ساد في العقد الاخير من القرن العشرين ؛ وأبرزها :هل ان النظام العالمي الذي فُرض لبى طموحات من فرضه؟ وهل ان النتنائج التي افرزتها وقائع العقد الاخير كانت متطابقة للاهداف التي خُطط لها؟ وهل ان المتغيرات الحاصلة على الساحات الاقليمية والدولية كانت كافية لاقناع واشنطن بابقاء النظام العالمي على ما هو عليه؟ وهل هنالك أي شك بأن حركة التاريخ في صعود القوى وانهيارها هي متغيرة بتغير الكثير من العوامل والظروف ؟ وهل ان التقدم التكنولوجي الهائل في مجالالت المعلوماتية وما افضت اليه لن تستخدم في حكم الشعوب والامم ؟ وبالتالي ما هي القوانين التي ستحكم النظام العالمي والاسس التي يبنى عليها في معرض تفجيرات 11 ايلول ؟ وهل ان ما تطالب به واشنطن يمكن توحيد الرؤية العالمية حوله ان لم يكن بالامكان تطابقه وخصوصا قضايا الارهاب ، العنوان الرئيس لحملة التأديب الامريكية للعالم؟ ان الرد عل مجمل تلك التساؤلات سيطول كثيرا ، الا انه يمكن اختصارها بالايجاب عن بعض المفاصل الاساسية وأبرزها
اولا : ملاحظات على قيادة واشنطن للنظام العالمي وقضاياه
في خطابه الشهير حدد الرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش الاب بتاريخ 14-4-1991، المبادىء العامة التي ستحكم النظام العالمي وهي ، تسوية النزاعات الاقليمية والدولية بالطرق السلمية ، التضامن في وجه العدوان ، معاملة جميع الشعوب بالعدل ، خفض ترسانة الاسلحة.
وفي الواقع ان قراءة متأنية لوقائع الاحداث ومندرجاتها في تلك الحقبة تعطي فكرة واضحة عن السياق العام الذي تعاملت به واشنطن مع هذه القضايا، ولسنا في معرض تعدادها والتعليق عليها فهي كثيرة ودامغة لجهة السلبية التي اظهرتها ومارستها وطبقتها في معايير واساليب مزدوجة، الا ان سلسلة من الاستنتاجات المفيدة يمكن ان تستخلص وأبرزها:
- ان مبدأ حل النزاعات بالطرق السلمية لم يحترم البتة في معالجات واشنطن للقضابا الدولية ذات الاهتمام الدولي ، بل ان معظم الوسائل والمواقع ذات الصلة كانت مغيبة تماما بارادة اميركية واضحه كنموذج الامم المتحدة ، الا في حدود استثنائية جدا ، وفي المواقع التي تخدم مصالحها الاستراتيجية مباشرة ، وان استخدمت هذا الموقع فقد استخدم كيد طيعة ان كانت عسكريا او امنيا اواقتصاديا .
- وعطفا على ما سبق ، يلاحظ بوضوح مدى مشاركة واشنطن في خلق البؤر المناسبة للصراعات الاقليمية ، ومن ثم التدخل في ادارتها وصولا الى فرض الحلول المناسبة لها من الوجهة الامريكية البحتة .
- كما ان الصراعات والنزاعات على المستويات الاقليمية والدولية لم تتقلص وحتى لم تضيق اطر التحالفات والمحاور بشأن العديد منها ، بل ان عددها قد زاد ، ووجدت مظاهر وآفاق جديدة للنزاعات يصعب التحكم بها .
- لقد طبقت وفرضت اساليب جديدة لفرض مشيئة منطق القوة في السياسة الدولية ، وابتدعت مفاهيم ومصطلحات ظاهرها مختلف عن خلفياتها ومضمونها، وبررت اعمال بحجج واهية ليس لها أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد في القضايا التي تطرح من اجلها ، كنموذج العقوبات الذكية التي طبقت على العراق قبل الغزو!
- ان ايا من النزاعات ذات الشأن على الصعيد الدولي لم يحل في ظل النظام الآحادي الجانب ، بل ان بعضها اخمد مؤقتا ، او جرت حلول مجتزأة له بحيث يمكن اشعاله في اللحظة الدولية المناسية .
واذا كان الامر يبدو بهذه الصورة القاتمة للنزاعات ، فان المبدأين " التضامن في وجه العدوان" و" معاملة جميع الشعوب بعدل " لم يكونا بأفضل حال من المبدأ السابق ويمكن تسجيل الملاحظات التالية :
- لم يطبق التضامن في وجه العدوان الا في ظروف وحدود استثنائية ، فرغم تعددها وتنوعها ولزوم التضامن في وجهها لصيانة الأمن والسلم الدوليين ، فان التعامل الذي تمّ مع احد مظاهره (اجتياح العراق للكويت) لم تكن اهدافه المعلنة متطابقة ولا حتى متوافقة مع النتائج التي اوصلت اليها الامور فيما بعد .
- ان العديد من حالات التدخل بغطاءات مختلفة ومنها التضامن في وجه العدوان وحماية الاقليات ، كانت نتائجها ، زيادة الاحساس بكشف العديد من المواقع المتوترة في العالم وحدة خطورتها بدل الاطمئنان الى طبيعة الحلول المتوصل اليها كنموذج الحروب الاوروبية الحديثة .
- ان التضامن الذي جمع في هذه الحالات لم يكن في الواقع موجها الى المعتدي او المهدد للسلم والامن الدوليين ، بل جل ما جمع من اجله ، جيّر ، وتم استثماره بأشكال مختلفة ومتنوعة وأبرزه ايجاد التكتلات والمحاور المتعادية والمتنافرة التي ستؤسس لحروب مستقبلية.
- ان معاملة جميع الشعوب بعدل لم يكن مغيبا في وقت من الاوقات في مختلف الانظمة العالمية التي سادت عبر التاريخ كالذي نشهد تغييره الآن، فالشعوب والاقليات المقهورة والمحتلة اراضيها، لم تعامل لا بعدل ولا بمساواة ، بل ان العديد من المعايير المزدوجة تمّ التعامل بها مع نفس القضية او اطرافها، فان شهدت بعض المناطق عمليات مساعدة لبلورة اوضاعها ومستلزمات ظروفها القومية او غيرها، فالامر لا يعدو كونه تفتيتا للكيانات التي يمكن ان تساهم بشكل او بآخر في عرقلة المشاريع المراد فرضها.
- ان معاملة الشعوب والامم بعدل ، استغل بشكل سافر للتدخل في الشؤون الداخلية للدول ، وحولّت القضايا ذات الصلة بها ، كحقوق الانسان وغيرها كمدخل سهل للضغط على الحكومات وتمرير ما يراد تمريره.
- وعلاوة على ذلك ، فقد استغل التضامن في وجه العدوان والمساواة في اظهار الطرف المهزوم دائما ، هزيمة لمن ينتمي من حيث القومية او الدين او غيره من المقاييس والمعايير ، وبالتالي فرض الشروط والحلول لمصلحة اطراف آخرين كنموذج حرب الخليج الثانية والصراع العربي – الاسرائيلي .
اما لجهة التسلح ، فلا يبدو الامر مغايرا ، بل سجل في النظام العالمي المحتضر حاليا ، العديد من المظاهر والوقائع السلبية اهمها:
- ظهور ميل واضح باتجاه الانفاق العسكري خصوصا في الدول التي تعتبر نفسها مستهدفة في النظام العالمي السائد، فكل المعاهد ومراكز الابحاث تشير الى ازدياد هذا الانفاق وبصورة نوعية عدا عن كميته ، ذلك يعود الى ازدياد بؤر التوتر واتساعها واتخاذها اشكالا جديدة .
- اتساع دائرة الدول المالكة للاسلحة غير التقليدية بمختلف انواعها لا سيما النووي منها ، وظهور بؤر التوتر الاقليمي ذات العلاقة بالتلسح النووي في بعض المناطق ، كنموذج الباكستان والهند .
- جهود بعض الدول المكثفة لامتلاك الاسلحة غير التقليدية ، وانصباب جهودها لانجاز هذا الملف في اوقات قياسية ، نتيجة الاحساس بالخطر ومحاولة اقامة توازن الرعب الذي يفرض في احيان كثيرة ، وليس كنتيجة خيارات ممكنة قابلة للتحقق باكلاف معقولة داخليا .
- احياء الولايات المتحدة مشروع الدرع الصاروخي "حرب النجوم" الذي كان من احد الاسباب الاساسية لانهيار الاتحاد السوفياتي .
- ان مجمل تلك المظاهر ، قد ساعدت في تأجيج العداء للولايات المتحدة الامريكية ، وجعلها في الموقع المسؤول عما جرى في ظل قيادتها للعالم ، قابله ، تأسيس الصراع الامريكي مع الآخرين على قاعدة محاربة الارهاب واجتثاث اصوله ومحاربة من يرعاه ويموله ويدعمه.
- تهميش جميع القوى الاخرى في العالم وعزلها عمليا عن مواقع الحل والربط، وربطها بأزمات داخلية اقتصادية- مالية ذات صفة وخلفيات سياسية ، الامر الذي ادى الى غياب تام لتوازن القوى العالمي
اما الجانب الاقتصادي وهو الاهم والذي لم يحكى عنه عمليا بين هذه المبادىء الاربعة فله كلام خاص وطويل، الا ان ابرز ما يسجل فيه ، هو الاعلان رسمبا عن جذوة النصر للرأسمالية الحديثة القادرة على عولمة ما يخطر ولا يخطر على البال , بدءا من حرية التجارة العالمية والغاء الحواجز الجمركية وفتح الاسواق المالية دون قيد داخلي مرورا في التدخل في السياسات العامة للدول عبر ظاهرة المديونية وسياسات التخصيصية وصندوق النقد الدولي وغيرها من المؤسسات المالية ذات الهوية والمنشأ الرأسماليين ، وصولا الى تطويع دول العالم وفقا لمنظور معين من التدخل من الصعب تخطيه او تجاهله ، بدءا من عالم الاتصالات والثقافة وصولا حتى الى سلوك البشر وامزجتها وتفكيرها .
ثانيا: خلفيات وأهداف الحملة الاميركية على العالم
لا شك بأن هجمات 11 ايلول كانت قوية بحيث اصابت عصب القرار الاقتصادي – المالي والسياسي والعسكري الاميركي ، وبحيث جعلها في موقع من الصعب تخيل عدم الرد في الحدود التي تتناسب مع حجم الذي تعرضت له، الا ان النوايا التي اعلنت في حملة التجييش ا ضد افغانستان، لا يعكس الاهداف المعلنة عمليا بل يتخطاه الى مواقع وامور بعيدة كل البعد عما جرى ، وعن مستوى الرد ؛ وهذا ما يقودنا الى البحث عن خلفية ما جري والنهايات التي خططت واشنطن للوصول اليها .
ان العنوان الرئيس للحملة الاميركية هو محاربة الارهاب والاقتصاص من منفذي العملية ومخططيها ، ومن ثم اضافت عنصر الدول التي تساعد وتأوي ، وزادت على اولائك جميع المنظمات التي تعتبرها ارهابية دون تمييز بين المنظمات ذات الصلة بما تعتبر وحركات التحرر والتنظيمات ذات الصفة المقاومة للاحتلال ، باختصار ، جمعت الولايات المتحدة ومن وجهة نظرها جميع ما يخطر ولا يخطر على البال في جهة ، وطلبت من العالم بأجمعه ان يكون الى جانبها في هذا التصنيف ، والا سيكون من يرفض او حتى من يعترض بعد حين في الجهة المقابلة .
فلو سلمنا جدلا بأن ما تعرضت له واشنطن ونيويورك هو عمل "ارهابي" خارجي التدبير بشكل كلي ، فان جملة تساؤلات تطرح نفسها في معرض الاتهام الاميركي وتداعياته على الازمة التي باتت اميركية الموقع وعالمية الامتدادات والتداعيات ؛ فهل تمكّنت واشنطن من تحديد الجهة المعتدية عليها واثبات ذلك بالادلة الدامغة لتعلن الحرب عليها ، وحتى تطلب من كافة دول العالم التأهب لنصرتها ؟ ولو سلمنا جدلا ايضا ، ان "مجموعة القاعدة وزعيمها ابن لادن " هي الجهة المسؤولة عما جرى كما اعترفت ، فهل يستدعي هذا الحجم من التنظيم كل ذلك التجييش ولائحة المطالب ؟ ام ان في الامر خلفيات اخرى غير ابن لادن وجماعته ؟ وهذا ما اعلنت عنه صراحة ، ولنفترض ان بعض الدول او المؤسسات او الجماعات تساعد هذه المجموعة ، فما هو علاقة العالم بأجمعه بهذه القضية ، ان لم يكن في اعتبار واشنطن ان الارهاب هو عالمي المنشأ وعالمي الاهداف ، ووجوب عالمية التصدي له ، وهنا تطرح اشكاليات اخرى ، حول ماهية الارهاب ، ومن الجهة المخولة لتعريفه ، ومن يمكن ان يوضع تحت خانته ، ومن هي الجهة المخولة بضربه ؟ ربما اسئلة لا تنتهي يجب الاجابة عنها للوصول الى خلفية الحملة ، الا ان ما يطرح على الاقل الآن يظهر بعض الملامح ابرزها:
- تأكيد الولايات المتحدة وبشكل لا يقبل الاعتراض ، انها الدولة الوحيدة القادرة على قيادة العالم وحل مشاكله ووفقا للتوصيف الذي تريد .
- ان الارهاب لم يعد مجرد تنظيم في مكان ما في العالم ، او ضمن سيادة دولة ما ، بل الايحاء ، بأن الارهاب هو موجود في كل مكان وحتى في الولايات المتحدة كما اعلن مسؤوليها ، وبالتالي ان حملة اجتثاثه هو مسؤولية عالمية يجب الانضمام اليها ترغيبا وترهيبا ، عاجلا ام آجلا .
- وبما ان هذه الصفة هي الاعم على مجمل بقاع العالم ، فان لائحة المطالب التي توزعها وتنشرها على دول العالم ، الهدف منها تحويل جميع حكومات العالم الى "نيابات عامة" بخدمة العدالةالاميركية"المطلقة" كما اسمتها .
- ان الظهور المتسارع للامور والقضايا التي تود ربطها بقضايا الارهاب كثيرة، وتظهر حالات ربط جديدة ، وهذا ما يؤكد ان الحملة الامريكية لن يكون لها نهاية وما يمكن ان يربط بها لن يكون بالسهل حصرها او معرفة ملامح حدودها ، وهذا عائد بطبيعة الامر الى مستوى تجاوب كل طرف معها ، والا من السهل ايجاد ما يورط أي دولة معترضة او غير متجاوبة بالمستوى المطلوب ، وهي ذريعة وحكما هدفا غير معلن لضربها.
- ان اعتراف الولايات المتحدة علنا ان ما جرى هو حتما من اطراف خارجيين ومساعدين داخليين ليس بالكافي لالقاء الضوء على الحقيقة المغيبة ، وهي الطرف او الجهة المستفيدة فعليا من الذي جرى ، والتركيز علنا على العرب والمسلمين في حملات التشكيك والاتهام غير المبرر بقرائن وأدلة واضحة، وتغييب أي احتمال لاسرائيل الضلوع فيها ان لم يكن المدبر الرئيس فيها ، باعتبار ان ما جرى ليس بمقدور أي دولة ان تنفذه ان لم يكن لها امتدادات داخلية في الولايات المتحدة الى حد مواقع القرار ذات الصلة في ادوات تنفيذ العملية ، هذا اذا استثنينا واقع غياب آلاف اليهود عن مواقع التفجيرات يوم ذاك في مركز التجارة العالمي وغيره، اضافة الى استثناء واقع الاتجاهات التي تسير فيها الامور في الداخل الامريكي وكيفية تجييره وفقا للمصالح الاسرائيلية .
ثالثا : ملامح النظام العالمي
ان التدقيق في حيثيات ما تمَّ التحضير له ، يقودنا الى العديد من المظاهر ابرزها :
- ان قيام الولايات المتحدة الاميركية باحتلال افغانستان لم يلب الطموح الاميركي في اعادة الهيبة المهانة ، لعدة اعتبارات من بينها ، ان افغانستان لم تعد مجرد مأوى الارهاب ومنطلقه ، ولا احتلالها ادى الى تغيير الوقائع المطلوبة على المستوى الدولي ، اضافة الى ان الاجماع الذي تمَّ بخصوص التخلص بمن فيها ساعد واشنطن الى حد كبير في تجاوزها ، وبات المطلوب ابعد منها ولم يكن سوى العراق مدخلا آخر لها .
- ان الواقع الجيو سياسي الذي تتمتع به دول المنطقة ( آسيا الوسطى) كان مدخلا ذات ابعاد مهمة للتدخل الاميركي العسكري والسياسي ، على مستوى شرق آسيا ودولها الواعدة في محاولة للعب دور ما في النظام العالمي ، اضافة الى الموقع الاقرب على حدود روسيا التي تحاول نفض غبار العقد الاخير من القرن الماضي عنها ، وعطفا على ما تمتلكه دول آسيا الوسطى من موارد ذات شأن هام في السياسة الاميركية ، ولجميع هذه الاسباب ، ان التدخل الاميركي العسكري لم يكن عرضيا ، او محدودا باتجاه افغانسان ولا احتلال العراق ، بل له ابعاد تتعدى الارهاب وأدواته لتصل الى مشروع الشرق الاوسط الكبير.
- ان الحديث عن من يأوي الارهاب ويدعمه من الدول تحول الى ملفات اخرى ، منها العسكرية المتصلة بأسلحة الدمار الشامل التي الصقت التّهم لبعض الدول واستثنى آخرين منها، وهذا الامر لن يكون بعيدا عن المبررات التي ستساق لبعض الدول الشرق اوسطية ان كانت عربية او اسلامية ، تمهيدا لضمها الى الجانب " المعادي لاميركا " و" المناصر للارهاب" بحسب الفهم الاميركي ، تمهيدا لضربها .
- ان التحالف الذي تم تدبيره قام على الكثير من المغريات لكثير من الدول والمحاور ، بدءا بالملفات السياسية العالقة في بعض المواقع الاقليمية مرورا بالملفات المالية والاقتصادية ذات الصلة بالصفة السياسية الددولية كالديون الخارجية ، وصولا الى الملفات التكنولوجية واستخداماتها العسكرية - السياسية .
ان ما حضر له على الصعيد العالمي ليس بقليل ، وانما اختصر الحرب العالمية "الرابعة " بعد "الثالثة بنتائجها" في حرب الخليج الثالثة وما اعقبها من نظام عالمي آحادي التوجه والقرار ، فهل سيكون النظام العالمي بأحسن حال من السابق ؟ ان ملامح النظام العالمي ومتطلباته توضح السؤال ، وأبرزها :
- ان النظام العالمي الذي احتضر لم يلب طموحات من قاده، فان ابعدت بعض القوى الواعدة عن صياغة القرارات الدولية، فهي لم تتمكن من ازالة هواجسها المتصلة باستمرار القيادة المؤثرة ؛ وان تمكنت من التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، بدءا بملفات حقوق الانسان ، مرورا بالسياسات الحكومية الداخلية (المالية والاقتصادية) للدول ، وانتهاءا بأثر هذه السياسات على القضايا الخارجية للدول وتأثيراتها في الازمات الاقليمية، فانها لم تتمكن حتى الآن من اخضاع الكثير من الدول السالفة الذكر تماما للوجهة الاميركية ؛ وان تمكّنت من صياغة بعض الحلول المجتزأة لبعض النزاعات الاقليمية ذات الشأن ، فأنها لم تتمكن من اقناع الكثيرين من المضي في الاتجاه الذي تراه صحيحا في حل هذه النزاعات ، ومن هنا تكمن الحاجة الاميركية الملحة الى اعادة النظر في النظام العالمي المحتضر والتأسيس لنظام عالمي يلبي طموحاتها ومن يدفعها .
- ان النظام العالمي القادم ليس بالضرورة ان يشهد الكثير من التغيرات الدراماتيكية ، بل سيكون على الارجح نسخة منقحة ومعدلة عن سلفه ، مع الاخذ بعين الاعتبار بعض التفاصيل الناشئة عن المتغيرات الحاصلة ، وبمعنى ان آحادية التوجه والقرار ستسود فترة من الزمن ، وسيمارس من خلاله مظاهر ستكون اشد قسوة على دول العالم ، بحيث ان التدخل سيطال الكثير من الاوجه التي لا تخطر على البال بذرائع وحجج متنوعة ومتعددة وستتعود المجتمعات والدول على الكثير من الامور التي ستصبح جزءا من حياتها واسلوب عيشها من خلال الوسائل التي تضخ في المجتمعات وخصوصا التكنولوجية منها .
- ان الكثير من المبادىء والقيّم التي قامت عليها مختلف الانظمة العالمية التي سادت عبر العصور ، ستشهد تغييرات كثيرة، بل ان بعضها سيكون ذات مفردات وتعابير جديدة تعكس الكثير من الاوجه المعاصرة ، فمن الناحية العملية لن يكون هناك سيادة للدول في ظل العولمة التي ستطال حتى السلوك الاجتماعي والامزجة؛ كما انه لن يكون هناك حرمة للحقوق الشخصية التي قامت عليها شرعة حقوق الانسان ، في ظل التشكيك بكل شيء ومحاولة معرفة كل شيء لتدارك ما يمكن ان يفعله أي انسان؛ ولن يكون الارهاب ذات صفة محلية خاضعة لمجموعة او دولة ، بل ان عولمة الارهاب ستكون الصفة الواضحة بهدف وضع اليد على كل صغيرة وكبيرة في العالم ، تحت نظام امني- معلوماتي دقيق ، أي بمعنى اذا كان النظام العالمي البائد قد رعى سياسات الدول ، فان القادم سيرعى افراد هذه الدول وسلوكها ؛ وليس من المستغرب بمكان بعد فترة وجيزة من الزمن سيكون لكل انسان رقما وموقعا من خلال جهاز معين ، بحيث يكون من السهل جدا معرفة أي شيء يحدث وفي فترة الحدث عينها ، كل ذلك مبررا بمحاربة الارهاب والاتقاء من شروره .
- ان صراع الحضارات سيكون الابرز بين مجموعة القضايا المطروحة في ظل النظام العالمي ، اذ سيكون اكثر حساسية وحدّة ، بحيث سيعيد الى الاذهان مجددا الصور السوداء لحروب القرون الوسطى وما آالت اليه من شروخ في النظرة الى الاديان والمعتقدات وما يستتبعها من قضايا متصلة بها .
- ان حل النزاعات والقضايا الاقليمية ذات البعد الدولي ستشهد مزيدا من حالات الابتزاز على قاعدة الغالب والمغلوب في النظام العالمي القادم ومن شارك فيه، أي بمعنى، ان كثيرا من مظاهر الحروب بين الدول المعنية في صراع ما سيزول، وسيحل مكانه صيغة قطف ثمار النصر المزعوم ليكرس اتفاقات غير عادلة بين اطراف غير متكافئة من الناحية العملية، كنموذج الصراع العربي – الاسرائيلي والنزاع الباكستاني – الهندي وغيره الكثير من القضايا التي لا زالت بدون حلول .
- ان ظهور المنظمات الاقليمية بمظهر المنافس للعولمة وآثارها والتي تعتبر من اسس النظام العالمي الحالي ، سيكون دورها محدودا وغير قادرة على احداث تغييرات ذات معنى جاد لصياغة النظام البديل ، ذلك يعود للعديد من الاسباب ابرزها ، عدم قدرتها على المنافسة بفعل تشرذم وتشتت مشاريعها ضمن المجموعة الواحدة ، وتمكن واشنطن بشكل او بآخر من ممارسة الضغوط على اطرافها الفاعلة وتسييرها في الاتجاه الذي يناسبها ، كنموذج الاتحاد الاوروبي ،او اتحادات شرق آسيا .
- ان دور المنظمات الاقليمية او الدولية يعتبر من الناحية العملية مهمشا الى اقصى الحدود ، الا في الحالات التي تستخدم فيها لمصلحة قائد النظام العالمي ، وقد اثبتت الوقائع ذلك ، ففي الحالات التي يمكن ان يسيّر ويجيّر عمل هذه المنظمات فيكون لها اليد الطولى ، والا كان العكس في مجرى الامور ؛ أي بمعنى آخر باتت هذه المنظمات وتحديدا الامم المتحدة الاداة الشرعية والمطوعة في يد واشنطن لجهة ادارتها للنظام العالمي ومتطلباته .
- ان مبدأ التضامن من اجل حماية السلم والامن الدوليين الذي لا يزال من الادبيات البارزة للنظام العالمي يحترم بدقة وفقا للكيفية التي تخدم مصالح القطب القيادي الاوحد ومن يدور في فلكه ، بينما لا يسجل أي اختراق له في الجهة المقابلة والنماذج كثيرة في هذا المجال ، لا سيما المتصل بالصراع العربي _ الاسرائيلي وغيره من قضايا العالم الثالث اينما وجد جغرافيا .
- ان قضايا التسلح وانتشار اسلحة الدمار الشامل وغيرها من القضايا الدولية كنظام الدرع الصاروخي او حرب النجوم ، ستكون من القضايا الاساسية الى جانب الارهاب على مفكرة منظم النظام العالمي، وستشهد معايير مزدوجة وبأشكال اكثر قسوة في معالجاتها ، مع التركيز على مضي واشنطن في مشاريعها التسليحية لا سيما حرب النجوم للتأكيد مجددا ان المعطيات السائدة تستدعي التفوق النوعي غير المحدود لقيادة عالمية آمنة ومستقرة .
- ان السياسات التي ستعتمد من قبل واشنطن في مختلف بقاع العالم ، لن يساهم في حل الكثير من القضايا التي تخوض غمار الحرب ضدها الآن ، بل ان موجة العداء ستظهر بأشكال اكثر عنفا وربما اكثر عدوانية عند توفر ظروفها ومعطياتها.
- اما الجانب الاقتصادي – المالي على الصعيد الدولي، فسيكون له حيزا هاما مما يحضر له او على الاقل من نتائج ما ستؤول اليه الامور، فالركود الاقتصادي على المستوى الدولي وسلسلة ازمات النظام الرأسمالي القائم حاليا ، سيشهد نوعا من التحريك على قاعدة الانتاج العسكري وتصريفه وما يستتبع ذلك من تحريك قطاعات كثيرة وضخمة ؛ ولن يقتصر الامر على ذلك ، فستشهد الفترة المقبلة نوعا من اعادة توزيع الثروات ولو بطرق غير مشروعة .
ربما تكون هذه النظرة التشاؤمية مغالا فيها بعض الشيء ، الا انها من الصعب ان تخرج عن هذا السياق بشكل عام ، وهذا لا يعني بالضرورة استمرارها الى الابد ، فحياة الامم والشعوب متغيرة ، كما ان الدول والانظمة العالمية؛ فالتاريخ كما القديم ، الحديث والمعاصر شهد متغيرات كثيرة ومتسارعة وفي احيان كثيرة لم يقبلها العقل البشري بسهولة من انهيار امبراطوريات واحلاف ونظم لم يكن يتخيل احدا بأنها ستزول بهذه السرعة، عدا عن الايديولوجيات والمعتقدات ،التي كان لها نصيب وافر من هذه التغيرات الدراماتيكية .