21‏/02‏/2008

تعزيزالتشريعات حول اللامركزية


مداخلة
وفد الجمهورية اللبنانية

امام المنتدى الاقليمي الآسيوي الأول
للبرلمانيين العالميين حول الموئل

حــول بنـــد

" تعزيزالتشريعات حول اللامركزية
والادارة الحضرية السليمة التشاركية "

( مانيلا ، الفيليبيين ، 22/4/2002 )

باتت اللامركزية الادارية منذ السبعينيات من القرن الماضي اسلوبا من الاساليب الهامة في ادارة الموارد وتوفير الخدمات في مختلف الدول، باعتبار ان تعدد وتنوع الخدمات المطلوب تقديمها ، باتت من الاتساع بمكان تعجز فيه السلطات المركزية عن تقديمها منفردة بالشكل والنوع اللذين يتناسبان مع حجم الطلب عليها.
وانطلاقا من اهمية ادارة المسؤوليات من مستويات متعددة، فقد عمدت دول كثيرة متقدمة ونامية على اعادة هيكلة بناها الادارية وفقا لهذا التصور ، ومن بينها على سبيل المثال، فرنسا وبريطانيا وايطاليا والمانيا حيث وسّعت من صلاحيات الهيئات المحلية، كما فعلت الامر نفسة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ونيجيريا والهند والبرازيل وحتى العديد من الدول الاسيوية ذات النظام الاشتراكي (قبل انهيار الاتحاد السوفياتي) قد اعترفت بمزايا اللامركزية وفعلت الامر عينه بما يتعلق من توسيع صلاحيات الهيئات المحلية .
وفي الواقع يعتبر الاتجاه نحو اللامركزية الادارية بمثابة الاجراء التصحيحي للمركزية المفرطة التي اتبعت سابقا والتي كانت انعكاسا للنظريات التي استندت على قواعد وهمية ومفادها ان التقدم الهائل في التكنولوجيا سيساعد الدولة في ادارة مرافقها ومواردها وخدماتها بشكل مركزي .الا ان الايام اثبتت عقم هذه النظريات ، على اعتبار ان الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسة والخدماتية لا يمكن تبسيطها بهذا الشكل وان الامر يتطلب مقاربة اكثر تطورا لتوزيع المسؤوليات على مستويات متعددة. وللتدليل على اهمية توزيع السلطة وانعكاسه على مستوى تطور الدول، ففي الولايات المتحدة الاميركية اكثر من 40000 حكومة محلية او ادارة مستقلة، اما في فرنسا فتبلغ 37708، فيما في المانيا تصل الى 22510 .

اولا : مساوىء المركزية

هناك اجماع على مظاهر سلبية للمركزية ، وتختلف من دولة الى اخرى بحسب ظروفها واوضاعها وأبرزها:
- تبعد المركزية المواطن عن سياسات الدولة وبرامجها، باعتبار عدم مشاركته في انتخابات الهيئات المحلية فهو يسلم سلفا بما يملى عليه من برامج ومشاريع ربما لا تتوافق مع مصالحه وتطلعاته .
- تتعارض المركزية المفرطة مع الجغرافيا الطبيعية للعمران والاستقرار الاجتماعي ، وكذلك مع شبكة العلاقات المعقدة للحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .
- تقلص المركزية من مساءلة المسؤولين في الحكم وبالتالي محاسبتهم على برامجهم ومستوى ادائهم.



-2-

- ان فعالية وكفاءة أي حكومة ديموقراطية تعتمد على الشفافية في صنع القرار وبالتالي وضوح رؤيتها ومسار سياستها، التي تفترض بالدرجة الاولى حرية الاطلاع على خططها وبرامجها وتمويلها وادارتها، الامر الذي تفتقره الحكومات التي تعتمد النظم المركزية.
- ان صنع القرار بمختلف اوجهه في الدول المركزية غالبا ما يمثل وجهة نظر الفئة السياسية الحاكمة ، وليس حاجات ومطالب المناطق.
- وفيما يتعلق بالمسائل المالية والضريبية، فالنظام الذي يعتمد المركزية غالبا ما يتكل على الضرائب الموحدة على صعيد الدولة وكذلك على الانفاق، الامر الذي يؤدي الى صعوبات هائلة في جباية الواردات لاسباب كثيرة من بينها: امتناع المواطن او تهربه عن واجباته الضريبية لانه لا يعلم الوجهة الحقيقية التي تذهب اليها هذه الضرائب .

ثانيا : مزايا اللامركزية الادارية

هناك العديد من المزايا التي تتمتع بها اللامركزية الادارية، ولا تقتصر ايضا على الجانب الاداري في الدولة بل تتعداها الى جوانب مختلفة وأبرزها :

- ان اولى مزايا اللامركزية الادارية تظهر في اهتمام المنتخبون في هذه الهيئات الى مطالب ناخبيهم بصرف النظر عن توجهات وسياسات السلطة المركزية ، نظرا للمصالح الانتخابية والمساءلة التي يمكن ان توجه لهذه الهيئات .

- تساعد اللامركزية على تقريب القرارات العامة من المواطنين ، لاعتبارين اساسيين: الاول يتعلق بالقضايا المحلية حيث المواطن يكون اكثرمعرفة بالقضايا المطروحة وبالتالي اكثر قدرة وفعالية في المساهمة في صنع القرارالمتعلق بالشأن العام المحلي؛ اما الثاني فيتعلق بالتصاق المواطن فيما يحيط به وما يطلبه ، وبالتالي فان مشاركته لا تقتصر في صنع القرار فحسب وانما تتخطاها الى المشاركة في توزيع الموارد والارصدة في المنطقة التابع لها .







-3-

- تساعد اللامركزيــة على زيادة مساءلة المواطن للحكومة المركزية لعدة اسباب : اولا لسهولة تحديد الاشخاص المسؤولين عن اعمالهم وبالتالي مساءلتهم ومحاسبتهم ابان الانتخابات ، وثانيا لما تتمتع اللامركزية من شفافية على مستوى الادارة مما يتيح المجال للمواطن المعرفة الدقيقة لطبيعة الانظمة المعمول بها، وثالثا لما تمتاز الامور المطروحة على المستوى المحلي من بساطة وقابلية للفهم والتصرف لدى المواطن وبالتالي سهولة خياراته واحكامه على مستوى تقييم السياسات العامة للهئيات المحلية .
- تساعد اللامركزية على النمو المتوازن والمتكافىء للمناطق ، كما تساعد على صقل البرامج التنموية للمناطق وفقا لحاجة كل منطقة ، أي بمعنى آخر تساعد على البرامج العقلانية للتنمية وفقا للمعطيات المتوافرة على صعيد الدولة ككل وامكانية توزعها على المناطق المراد انماءها .
- تساعد اللامركزية على عدم تركز رأس المال الاستثماري في العاصمة، وتوجهه الى المناطق .
- تساعد المناطق على التنافس لجذب رؤوس الاموال الاستثمارية وخلق فرص العمل وعدم تمركزها في العاصمة.
- كما تساعد اللامركزية على تمرين وتثقيف القادة المحليين في المجالس الادارية والتشريعية ، وتأهيلهم لادوار متقدمة على مستوى الدولة ككل في اوقات لاحقة .
- كما يؤسس الحكم المحلي لنظام تمثيلي يتميز ببقائه على مسافة قريبة من الناخبين .
- يساهم الحكم المحلي في التوافق والانسجام الاجتماعي .
- وعلى المستوى السياسي يعزز الحكم المحلي الحرية والديموقراطية.

ثالثا : اللامركزية والتجرية اللبنانية

في الواقع يمكن النظر الى التجربة اللبنانية من زاويا عدة ابرزها ، القوانين والتطبيق الفعلي لها وما ينجم عن ذلك من مظاهر يمكن تلافيها او تخطيها باجراءات تشريعية، فلبنان عبر قوانينه وتشريعاته المتعاقبة طبق اللامركزية عبر البلديات ، كما طبق اللاحصرية الادارية في تنظيماته الادارية عبر المحافظين والقائمقامين ، وفي كلا الحالتين، يسجل العديد من المظاهر الايجابية من حيث المبدأ ، الا ان هناك العديد من الامور التي يجب العمل على تحسينها، او اعادة النظر في البنية القانونية التي تراعاها ، وهذا ما عمدت اليه السلطات المختصة في مشروع قانون البلديات الجديد، وما عبرت عنها في الاساس وثيقة الوفاق الوطني .



-4-
وفي مجال اللاحصرية الادارية هناك العديد من المظاهر التي يمكن تسجيلها وأبرزها :
- تعتبر المحافظات والاقضية امتدادا للسلطة المركزية .
- ربط حدود المحافظات والاقضية بالعملية السياسية بدلا من العملية الادارية .
وفيما يتعلق باللامركزية وفي جوهرها البلديات يمكن تسجيل الآتي :
- هناك تفاوت بين البلديات فيما يتعلق بالنطاق الجغرافي والمالي والاداري ، كالبلديات الكبيرة في المدن والبلديات الصغيرة في القرى .
- هناك ربط واضح بين البلديات والسلطة المركزية عبر الاقضية والمحافظات
- ان القضايا الضريبية محصورة الى حد بعيد في السلطة المركزية ، الا في حدود استثنائية جدا حيث تعطى البلديات حق فرض الرسوم على بعض الخدمات .
- هناك تفاوت بين الناخبين في البلديات والمقيمين فيها ، وهذا امر ظاهر في المدن الكبيرة .
رابعا : مقترحات لتحسين اوضاع الهيئات المحلية
وفي هذه الاطار يمكن ادراج العديد من المقترحات ابرزها :
- تحديد مسؤولية البلديات بنصوص قانونية واضحة والحرص على عدم الخلط بين مسؤولياتها ومسؤوليات ممثلي السلطة المركزية كالمحافظين والقائمقامين
- تحديد انواع البلديات لجهة حجمها ومواردها الى بلديات مدن وبلدات وقرى واعطائها مسؤوليات بحجم قدراتها .
- توسيع صلاحيات البلديات في تحديد وجباية الضرائب والرسوم ، على ان تكون ضمن الخطوط العريضة للسياسة الضريبية العامة للدولة .
- اخضاع البلديات للهيئات الرقابية المركزية كسائر المؤسسات العامة في الدولة .
- اعادة رسم حدود البلديات بما يتوافق مع النهضة العمرانية لبعضها وتوسعها بشكل كبير .
- حصر المرشحين للهيئات المحلية من بين المقيمين في نطاق البلدية وليس للمسجلين فيها ، لما لها من مزايا مهمة على تنظيم ورسم وتنفيذ السياسات العامة للبلدية .
- اعطاء الموظف في المؤسسات العامة حق الترشح للهيئات المحلية لما يمكن ان تتوفر فيه من خبرات في ادارة الشأن العام .
- رفع الحدود الدنيا المطلوبة لانشاء البلديات بهدف عدم كثرتها وقلة فاعليتها .
- السعي لتقليص عدد البلديات الصغيرة والتشجيع على سياسة انشاء الاتحادات البلدية .