16‏/02‏/2008

هل ستنجح العقوبات الاقتصادية على إيران؟

هل ستنجح العقوبات الاقتصادية على ايران؟
د.خليل حسين
استاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية
رئيس مصلحة الدراسات في مجلس النواب

بعد رفع الاختام عن المنشآت النووية وصدور قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية برفع الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي،ثمة العديد من الاسئلة حول قدرة ايران على استيعاب النتائج المحتملة ومنها العقوبات الاقتصادية ؟وهل تستطيع الشركات الغربية الاستغناء عن إيران، أم سنشهد خروقات لقوانين الحظر المتوقعة كما حدث من قبل؟.
تعتمد ايران بشكل اساسي على النفط الذي يمثل حوالي 85% من صادراتها، كما تمتلك ثاني احتياطي نفطي في المنطقة بعد المملكة السعودية، وتنتج ما يقرب 4 ملايين برميل يوميا من النفط. وتصدر للخارج 2.4 مليون برميل، تذهب 60% منها لدول آسيا.كما تمتلك ثاني أكبر احتياطي غاز ، فضلا عن قاعدة صناعية لافتة خاصة في التصنيع العسكري وصناعة السيارات والبتروكيماويات، والسجاد والصناعات اليدوية والمواد المعدنية، كما تنتج بعض الحاصلات الزراعية التي تستهلك محليا إلى جانب التصدير.
بالنسبة للمؤشرات الكلية للاقتصاد الإيراني، فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.8% السنة الماضية، بعد أن كان 6.7% عام 2004، في حين كانت الحكومة تستهدف الوصول إلى معدل 7.3% وتعد أزمة البطالة من أبرز التحديات التي يواجهها الاقتصاد الإيراني؛ حيث يتعين على الحكومة توفير 800 ألف وظيفة كل عام؛ لإبقاء البطالة عند مستواها الحالي الذي يبلغ 11.2%.أما ميزان المدفوعات فقد بلغ فائضه 3.9 مليارات دولار في مارس 2005، وفائض الميزان التجاري 7.7 مليارات دولار، بينما بلغ إجمالي قيمة الصادرات 44.4 مليار دولار. وفي الفترة نفسها تجاوزت الواردات التوقعات، فبلغت 36.6 مليار دولار.وحسب بيانات دولية، فإن أبرز شركاء إيران التجاريين على صعيد الصادرات في عام 2004 هم: اليابان 18.4%، والصين 9.7%، وإيطاليا 6%، وجنوب إفريقيا 5.8%، وكوريا الجنوبية 5.4%، وتركيا 4.4%، وهولندا 4%. أما أبرز الشركاء الذين تستورد منهم إيران فهم: ألمانيا 12%، وفرنسا 8.3%، وإيطاليا 7.7%، والصين 7.2%، والإمارات 7.2%، وكوريا الجنوبية 6.1%، وروسيا 5.4%.
ويعتبر سلاح النفط الاساس بالنسبة لإيران في هذه المعركة، حيث تلوح طهران بقطع الإمدادات عن الدول المعادية لها، ويتزقع الخبراء أن يصل سعر برميل النفط مائة دولار، وهو ما لا تحتمله الشركات والصناعات الغربية ، وتراهن طهران على مواقف بعض الدول الصديقة لها، والتي تستخدم كميات كبيرة من النفط الإيراني لا تستطيع الاستغناء عنه بسهولة والتي وقعت مع بعضها عقودا طويلة بمليارات الدولارات مثل الهند والصين.وتعد اليابان أكبر مستهلك للنفط الإيران وتستورد 550 ألف برميل يوميا، تليها الصين وتستورد 300 ألفا. ثم الهند وتستورد 150 ألفا وكوريا الجنوبية وتستورد 100 ألف. وفي قارة أوربا تستورد إيطاليا 225 ألف برميل يوميا، بينما تستورد فرنسا 175 ألف برميل يوميا. وتركيا 140 ألف برميل يوميا، فيما تستورد أسبانيا كمية قليلة من النفط الإيراني.
وتعتقد طهران أن بإمكانها الصمود في وجه أي عقوبات متوقعة حيث تمتلك قاعدة متنوعة للمنتجات الاستهلاكية الأساسية تغنيها عن الاستيراد من الخارج، كما تحتفظ بجبهة داخلية متماسكة إلى حد كبير ومؤمنة بحقها في امتلاك التقنية النووية السلمية ورافضة للضغوط الخارجية.
لكن ثمة شكوكا قوية في طهران وعواصم عدة في جدية تنفيذ العقوبات حال فرضها، ويستند هذا الرأي إلى الخبرة السابقة في العقوبات التي فرضتها ولا تزال الحكومة الأمريكية ضد إيران منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في العام 1979، ولعل أبرز فصولها "قانون داماتو" الذي شرع في عام 1996.ويقضي القانون بحرمان الشركات التي تتعاون مع إيران من دخول السوق الأمريكية أو الحصول على ضمانات تزيد على 10 ملايين دولار في السنة من بنك الاستيراد والتصدير الأمريكي، وكذلك حظر الاشتراك بالعقود الحكومية أو الاتجار بالسندات التي تصدرها الخزانة الأمريكية. ورغم صدور هذا القانون منذ 10 سنوات فإنه لم ينجح في وقف تعاون الشركات الغربية ومنها الأمريكية مع إيران في المجال النفطي وغيره.
ونجحت طهران منذ عقد التسعينيات في الهروب من العقوبات الأمريكية من خلال تحسين علاقاتها الاقتصادية بالدول الآسيوية والعربية وأوربا، وكذلك تفعيل علاقاتها الاقتصادية مع السعودية، ووقعت مع الكويت وقطر معاهدات للتبادل التجاري. وتمكنت من استمالة كل من ألمانيا وفرنسا بالدخول في برامج تطوير إنمائي اقتصادي مشترك.
كما استطاعت كذلك تأمين أسواق آسيوية لاستيعاب كمية البترول التي كانت تستوردها الشركات الأمريكية والتي تبلغ 60 ألف برميل يوميا بعد توقف هذه الشركات عن استيرادها نتيجة الحظر المفروض عليها. وتحركت إيران صوب روسيا، حيث تم الاتفاق على إنشاء شركات مشتركة في مجال التنقيب عن البترول وإنتاجه. يضاف إلى ما سبق ظهور مشروع باسم "طريق الحرير"، وهو خط يصل الصين بأوربا، ويصل الشرق الأوسط والخليج العربي بالمحيط الهندي عبر إيران، كما يربط هذه الأخيرة بدول آسيا الوسطى.
في المقابل يعتقد الكثيرون في الغرب أن هناك الكثير من العقوبات التي يمكن أن تؤثر بشدة على إيران، كما يعتقدون أن النفط هو مصدر ضعف وليس مصدر قوة لإيران، فمنشآت الضخ والمعالجة في حالة مزرية إلى درجة أن الطلب المحلي على البنزين يزيد بنسبة 60% على قدرة البلاد على التصفية، ولمواكبة هذا الطلب تستورد إيران أكثر من 95000 برميل في اليوم.
ورغم أن إيران تمتلك ثاني أكبر احتياطي غازي مكتشف في العالم فإنها تستورد هذه المادة لاستخدامات شعبها، كما تحتاج طهران إلى التقنية الأجنبية ومئات المليارات من الدولارات على شكل استثمارات أجنبية، إذا ما أرادت تلبية الطلب المحلي على الطاقة.
وتعتمد إيران بشكل كبير على التمويل الخارجي لعدد من مشروعاتها، حيث ينمو قطاعا صناعة السيارات وبناء السفن الإيرانيان بوتيرة أسرع من قدرة البنوك المحلية على ملاحقتهما.كما أن صناعة السيارات التي يعمل فيها عشرات الآلاف من الإيرانيين قد تتلقى ضربة موجعة حال فرض حظر على مكونات السيارات، وفي ظل العقوبات المتوقعة قد تضطر صناعة السيارات للعودة إلى طرز قديمة، علما أن إيران تحولت مؤخرا إلى مركز إنتاج لشركات صناعة سيارات عالمية، مثل بيجو ورينو وهيونداي وفولكسفاجن.
يظل أن هناك نقاط قوة وضعف في الاقتصاد الإيراني الذي سيعتمد مدى تأثره بأي عقوبات محتملة على كيفية إدارة المواجهة نفسها مع الولايات المتحدة، والمنافذ المتاحة لحكومة طهران للتحرك دوليا، فضلا عن طبيعة العقوبات نفسها، وهل ستشمل النفط أم سيتم استثناؤه كما حدث في الحالة الليبية إبان أزمة لوكيربي، مما قد يخفف من وطأة أي حصار متوقع؟.