16‏/02‏/2008

خلفيات وأبعاد اغتيال الرئيس رفيق الحريري

خلفيات وأبعاد اغتيال الرئيس رفيق الحريري
د.خليل حسين
استاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
مدير الدراسات في مجلس النواب اللبناني

مهما اختلفت الآراء والأفكار المسبقة برجل مثل الرئيس رفيق الحريري،سيظل علامة فارقة في تاريخ لبنان،ونقطة فاصلة في خريطته السياسية،وبصرف النظر عن من المخطط والمنفذ والمستفيد من اغتياله،بل من تغييبه في هذه الظروف بالذات،يبقى لرحيله اثرا ربما ستمضي سنوات كثيرة قبل الاجابة عليها بدقة نظرا للموقع والحجم والدور الذي لعبه في الحياة السياسية اللبنانية والاقليمية والدولية.وهو بهذا المعنى ليس مجرد رجل سياسة ودولة مر في تاريخ لبنان السياسي المعاصر،بقدر ما هو حقبة سياسية من الصعب ملأها بسهولة وبوقت يسير؛ومن هنا تطرح علامات استفهام كثيرة حول مستقبل لبنان كموقع ودور وحتى كتركيبة اجتماعية سياسية قابلة للحياة،ولا نجد غضاضة في القول إن الفراغ الذي تركه سيرخي بظلال كثيفة على مستقبل الكثير من المواقع السياسية في المنطقة،بل من الممكن القول ان رحيله سيعيد خلط أوراق كثيرة ومتنوعة تعيد تركيب الجغرافية السياسية للمنطقة.
ففي تنفيذ الجريمة، لا يبدو ان الامر مجرد عملية تفجير عادية،بل خطط لها بعناية فائقة توقيتا وتنفيذا،وفي هذا المجال يمكن ادراج العديد من الملاحظات منها:
- ان الجريمة نفذت بأدوات محترفة ذات امكانات عالية لا مجال للخطأ فيها،فالبيئة الامنية التي كانت تحيط بالرئيس الراحل صعبة الاختراق بوسائل عادية،وبالتالي ان الركون لأدلة عادية لا يمكن إن تكون مقنعة ولا يمكن ان توصل الى نهايات محددة كما يفترض بالتحقيق إن يسير.
- لقد دبرت الجريمة وسط تقاطع مصالح العديد من القوى الإقليمية والدولية ما يزيد الامر تعقيدا وتشويشا على أي اتجاه منطقي لتحديد المسؤوليات وكشفها،وبالتالي ان نقطة البداية في التحقيق ينبغي ان تبدأ من منطق الانفتاح على كافة الاحتمالات والمصادر المتنوعة التي يمكن ان تساعد في كشف الحقائق،وعدم الانكفاء وراء مقولة لبننة التحقيق باعتبار ان سوابق كثيرة لم يكشف النقاب عن منفذيها،وهذا لا يعني بالضرورة الانجرار كليا وراء تدويل جريمة الاغتيال،باعتبار ان تدويل التحقيق من السهل اختراقة وتجييره في اتجاهات ليست لمصلحة لبنان، والدلائل هنا كثيرة على الصعيد الدولي بدء بحادثة اغتيال المبعوث الدولي الكونت برنادوت وانتهاء بالعديد من الجرائم السياسة التي ارتكبت في غير مكان في العالم وبخاصة منطقة الشرق الأوسط.
- لقد أتت الجريمة وسط تقاطع العديد من الخيوط والمصالح المتنوعة والمتعددة داخليا وخارجيا،ففي لبنان الفرز السياسي بات واضحا وممنهجا بين الموالاة والمعارضة بحيث لم يعد هناك حُرم لأي سلاح،بل ان الانقسام طاول هذه المرة بنية النظام والكيان على حد سواء وبذلك ان تراجع أي طرف عن طرحه سيشكل خسائر كبيرة لا تعوض.وإقليميا انتهى الملفين الانتخابيين الفلسطيني والعراقي مدعما بمقررات مؤتمر شرم الشيخ الذي ستنسحب نتائجه على لبنان عاجلا ام آجلا.ودوليا بدء الامم المتحدة بالمسار التنفيذي للقرار 1559 عبر جولات تيري رود لارسن في المنطقة وسط تصميم ودعم فرنسي اميريكي واضح،مترافقا مع ضغوط هائلة على المعنيين فيه.
أما في أهداف جريمة الاغتيال وخلفياتها،فتظهر العديد منها التي تتعلق بالوضع اللبناني تحديدا وما يمكن إن تستغل خارجيا ومنها:
- إن الحجم السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي تمتع به الرئيس الحريري على الصعيد الداخلي قد اثر بشكل واضح وكبير على التركيبة السياسية اللبنانية ،بحيث بات من الصعب إعادة التوازن إلى نظام الحكم في لبنان في غياب رجل بهذا الحجم والدور،وفي ظل غياب قطب سياسي قادر فعليا على لعب مثل هذا الدور داخليا وخارجيا.وبالتالي ان نظام الحكم في لبنان الذي استند الى اتفاق الطائف والذي كان الرئيس الحريري احد مهندسيه بات في دائرة الخطر،بعد سلسلة عمليات التصويب عليه تصريحا وتلميحا،وصولا للدعوة التي سميت من قبل البعض بالعودة الى الجذور أي الى ما قبل اتفاق الطائف،وهذا ما كان الرئيس الحريري يقف ضده بقوة ويدعو الى التمسك به نصا وروحا داخليا وخارجيا وهذا ما ميّز به نفسه عن باقي اطراف المعارضة.
- ان تغييب الرئيس الحريري في هذه الظروف بالذات له مؤشرات سلبية كثيرة على الوضع اللبناني بالذات، فالفرز بات واضحا كما أسلفنا،وإسقاط اتفاق الطائف يعني العودة إلى الجذور كما يسميه البعض،وبالتالي إقحام لبنان في دائرة المجهول كما العراق وغيره،وبالتالي إن مصير الكيان اللبناني كموقع ودور بات تحت وطأة علامات استفهام كثيرة لا يملك أحدا إلا الإجابات السوداء عليها.
- ان تغييب الرئيس الحريري يأتي في منعطف خطر جدا في المنطقة،فالملفين العراقي والفلسطيني أحكمت عليهما واشنطن وتل ابيب،وما جولة وزيرة الخارجية الامريكية كونداليسا رايس في المنطقة مؤخرا الا مؤشرا واضحا على تحريك الملف اللبناني من بوابة القرار الدولي 1559 ،الذي شكل محطة انقسام حادة بين اللبنانيين،وبهذا المعنى ان تغييب صوت الاعتدال الذي مثله الرئيس الحريري في هذا المجال سيتيح المجال واسعا لكل الأصوات المعترضة او الداعمة للقرار ان تُستغل بشكل أو بآخر للتدخل في الشؤون اللبنانية،وبذلك سيكون مدخلا مناسبا لتدويل ألازمة اللبنانية لاحقا خصوصا إذا أفلتت الأمور من عقالها لا سيما الانتخابات النيابية أو غيرها من المحطات والاستحقاقات الداخلية.
- كما ان تدويل الوضع اللبناني برمته سيفسح المجال واسعا لتحييد لبنان عن الصراع العربي- الاسرائيلي،أي بمعنى فصل المسارين اللبناني والسوري وهذا لن ترتضيه سوريا ولا قسم من اللبنانيين ،الامر الذي سيشكل مناسبة اخرى لإقحام لبنان في دائرة الصراعات الداخلية ذات الأبعاد الخارجية المؤثرة داخليا.
- إن وصول الرئيس الحريري إلى السلطة في العام 1992 ترافق مع مشاريع السلم في المنطقة بدء من مؤتمر مدريد والمفاوضات الثنائية والمتعددة وما أعقبها من مشروع الشرق الأوسط الجديد وما اثير من دور للبنان في المنطقة بعد السلام، واليوم هل يمكن الربط بين تغييب الرئيس الحريري ومشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تقوده واشنطن في المنطقة؟ وهل يمكن التساؤل أيضا حول دور وموقع لبنان في هذا المشروع اذا كتب له النجاح في غياب الرئيس الحريري؟وبالتالي هل كان الرئيس الحريري عقبة لهذا المشروع ام تغييبه كان بمثابة وسيلة لخلط الاوراق في المنطقة لتمريره؟وما هي حدود التوافق والاختلاف بين باريس وواشنطن على دور لبنان المستقبلي وما هو حدود الحجم الذي يمثله الرئيس الحريري للاحلام الفرنسية القديمة الجديدة في المنطقة؟
- وإذا جازت فرضية المصالح الدولية على تغييب الرئيس الحريري فإنها تجوز في المقابل على الأطراف الإقليمية التي توجه إليها عادة الاتهامات،فهل من مصلحة سوريا تغييب الرئيس الحريري في هذه الظروف والضغوط الهائلة التي تتعرض لها وهي الموضوعة اصلا مع لبنان تحت المجهر الدولي؟وما هي حدود الأذية -إذا وجدت- التي تسبب فيها الرئيس الحريري ليكون من مصلحتها تغييبه؟إن القراءة الدقيقة لآخر تصريح له يثبت حقيقة توجهات الرئيس الراحل وهي تحديدا وقوفه تحت سقف الطائف الذي يمثل مصلحة سورية لبنانية مشتركة بكل تفاصيلها حتى المملة منها.ومن هذا الافتراض لماذا لا يجوز التساؤل عن الجهة المتضررة من هذا الموقف الأخير تحديدا؟
- وتبقى فرضية المصلحة الإسرائيلية في تغييبه،وهنا ليست بالضرورة التنظير لنظرية المؤامرة التي يحلو للكثيرين التندر بها،ولسنا هنا لاستعراض اللوائح الطويلة التي لليد الإسرائيلية باع طويلة بها،بل للتذكير فقط بما يمثله لبنان سلما أهليا واعماريا و....بقيادة الرئيس الحريري ومشاريعه الطموحة من خطر على إسرائيل تحديدا،أي بمعنى هل يهم اسرائيل ان يكون رجلا بحجم ودور الرئيس الحريري موجود في ظل ما يحاك عن مشاريع خرائط سياسية جديدة للمنطقة؟
ويبقى اخيرا موقف الحكم والحكومة في لبنان من كل ما جرى،فهل يغقل ان يعالج موضوعا كجريمة الاغتيال بهذا الشكل وبهذا الاسلوب؟والى متى ستظل المواقف ذات البعد الوطني ملتبسة وغير مفهومة لدى الكثيرين من اللبنانيين؟والى متى ستظل القضايا الاستثنائية تعالج بمنطق القضايا العابرة؟ والى متى سنظل نحن اللبنانيون أسيرين رد الفعل لا الفعل في تقرير مصيرنا؟ أسئلة يجب إن نسمع إجابة واضحة عنها.
إننا اليوم بأمس الحاجة للغة العقل والاحتكام إلى الضمير موالاة ومعارضة ،حكما وحكومة ،شعبا وسلطة للخلاص من هذا القطوع الكبير الذي لم يمر لبنان يوما بمثله،صحيح إن خسارة الرئيس الحريري لا تعوض ولن يكون لمثل وجوده في لبنان شيء،إلا أن قدر العظماء في لبنان ان يظلوا في خانة الشهداء الكبار،وقد سبقه كثيرون، لكن المهم ان نعرف كيف نحافظ على مَن مِن اجله استشهد آخرهم،فهل نحن اللبنانيون قادرون على ذلك؟